محسن أ. يميّن.... الهجرة اللبنانيّة وسفينة التيتانيك (1)

3:14:00 ص

نصّ تقديمي للدكتورة غيتا حوراني في الندوة التي أعدّها ودعا إليها نادي ليونز طرابلس فكتور بالتعاون مع جامعة سيدة اللويزة – مركز دراسات الإنتشار اللبناني، واللجنة الدولية اللبنانية للتيتانيك، ومركز الصفدي الثقافي، حول "الهجرة اللبنانية وسفينة التيتانيك" . وتحدثّت خلالها الدكتورة حوراني، مديرة مركز دراسات الإنتشار اللبناني عن "الهجرة وأهميّة المواد الثقافيّة في الذاكرة الجماعيّة ".

أيّها الحفل الكريم
إذا كانت طرابلس تدين بجزء وافر من حيويّتها الثقافيّة المستعادة، بعد سنوات صعبة، لنادي الليويز فكتور في المدينة، ، فهي تدين ايضاً لمركز الصفدي الثقافي بمغالبة الإنكسار الحزين الذي تسبّبت به، حيناً، وبإحتضان النبض الثقافي المتلاحق التجلّيات، المتنّوع الأغراض، في رحابه. وفي السياقِ، هذه الندوة المدعو إليها من قبلهما، تعاوناً واللجنة الدولية اللبنانية للتيتانيك، بقصد تذكّر الحدث الكارثّي، وإستخلاصِ العبر منه، وتجديد الرحمة على من زُهقت أرواحهم من اللبنانيين خلالها، والتوقّف عند مسألة الهجرة التي أدّت، فيما أدّت إليه، الى نشر غالبيّة منّا ساحقةٍ، وراء حدود أرضنا، بحثاً عن وسائل الحياة، وعن الحّرية. هذه الهجرة المستمّرة الى ما شاء الله.

فتحيّة للمنظّمين، للمنتديَيْن الكريمَيْن، ولكم جميعاً مشاركين في استرجاع اللحظة التاريخيّة المُفجِعَة، في السنة الخامسة بعد المئة لحصولها، كي لا تغرق في لجّة الزمن، كما غرقت التيتانيك عند الساعة الثانية و 40 دقيقة، بعد منتصف الليل، في 15 نيسان 1912.
وإذ يستيقظ الماضي، ويفيق عبر الزمان والمكان، تبعثه ندوةٌ، ومعرضٌ، لا نستطيع أن نطرد من ذهننا تحفة المخرج الكندي جايمس كاميرون السينمائية التي نجحت، عام 1998، في استحضار هذه اللحظة ببراعةٍ تقنيّةٍ منقطعة النظير، وبكلفة تفوق كلفة بناء السفينة المقدرة ب 7 ملايين ونصف المليون دولار أميركي، يومئذ. أي ما يعادل 150 مليون دولار أميركي، في يومنا هذا. فيما بلغت كلفة الفيلم زهاء ال 200 مليون دولار أميركي. وقد استغرق بناء سفينة الفيلم وقتاً طويلاً. وإستدعى بذل جهودٍ جبّارةٍ لتُطابق الأصل.
وكانت التيتانيك بطول 883 قدماً، أي بطول ثلاثة ملاعب كرة قدم مجتمعةً، وأطول من أعلى ناطحة سحاب كانت قائمة في نيويورك، في ذلك الحين.

وكان سرى في ظنّ مهندسها "كارليست" انها غير قابلة للغرق، فبدّد جبلٌ كبير من الجليد هذا الإعتقاد عند أوّل سفرة لها بين ساوث هامبتون، في انكلترا، ونيويورك. وكان على متنها 2،232 شخصاً. فكانت الغلبة للعناصر على التطوّر الملاحي الذي شهد بغرقها المفاجئ نكسة صاعقة. ولبس العالم الحداد على الضحايا.

ولبنان الذي له في كل عرس قرص ضمناً. فقوارب النجاة لم تكن تتّسع لسوى 1،178 شخصاً. وقد أعطيت الأفضلية لركّاب مجموع الدرجة الأولى، وللنساء، وللقاصرين. وقُدّر عدد الناجين ب 23 بالمئة من مجموع ركّابها، وأفراد طاقمها. ولم يسلم من رّكاب الدرجة الثالثة التي كانت تضمّ المهاجرين الواعدين أنفسهم بالأرض الجريدة سوى 174 شخصاً. يُضاف إليهم الفوج الثامن من المهاجرين الكفرصغابيين الذين نجوا بما يشبه الأعجوبة، بحسب ما جاء في كتاب "اليوبيل المئوي للهجرة الكفرصغابية" (1880-1980) الصادر في سيدني، أوستراليا.

وكان الفوج مؤلّفاً من 33 شخصاً، رجالاً ونساءً، جرفهم تيّار الهجرة الى أميركا. وكان من المفترض أن يكونوا على متن هذه الباخرة العظمى الاّ ان مرض بطرس ابراهيم القسيس من بينهم، في مرسيليا، وملازمته الفراش، وطغيان عاطفتهم الكفرصغابيّة على دواعي السفر، حملتهم على إلغاء الحجز. فخلّصهم بذلك مرض رفيقهم الذين أبوا التخلّي عنه من الموت المحتّم. وعندما عادوا بعد 52 يوماً من غرق الباخرة الى الضيعة كانت المناحة لا تزال متواصلة عليهم لسريان الإعتقاد بأنهم قضوا، مع من قضى. ففركت مرح مفرصغاب، قرية المشتى، عينيها من الدهشة وهي تتطلّع الى أبنائها العائدين وقد أفلتوا من براثن المنيّة. فصحيح ان الأعمار بيد الله. وآخر من توفّي في وطنه من أولئك المغتربين كان نعمة الله الخوري، عام 1993، عن 101 عام.

وكان على متن الباخرة ثلاثة ركّاب من زغرتا هم سركيس لحّود إسحق معّوض، طنوس بطرس كعوي، وحنّا العمّ مخلوف. لقي أوّلهما وثانيهما مصرعهما بنيران عناصر الطاقم أثناء محاولتهم التسلّل الى أحد زوارق النجاة. فيما نجت منّة زوجة كعوي، ونجلُها محسن، بسبب إصابته بالرمد الربيعي وأضطرارهما للعودة على أعقابهما من الاسكندرية. اما مخلوف الطويل العمر فقد رقّ قلب إمراة على شبابه، وخبّأته تحت فستانها الطويل. وقد إمتدّت به الحياة حتى العام 1952. حين أوردت جريدة صدى الشمال خبر وفاته ( العدد 1742، السبت في 17 أيار 1952) في واشنطن عن عمر يناهز الستّين عاماً. وعبثاً حاول أهله إقناعه، بعد نجاته، بالعودة لرؤيته، وجاراهم في ذلك المغتربون الزغرتاويّون، في ناحيته، الاّ أن شيئاً لم يكن ليفلح في تخطّيه لرهاب البحر. وكان حنّا يقطع الطريق عليهم بالقول: " ما لم أعلم، علم اليقين، أنهم بلّطوا البحر فلن أعود الى زغرتا".

في المحور الأوّل من الندوة ستتحدّث الدكتورة غيتا حوراني، عن الهجرة، وأهمّية المواد الثقافيّة في الذاكرة الجماعيّة . وقد كان لي شرف التعاون معها، صيف العام 2004، في إهدن. وها أن الشرف يتكرّر وأنا أقدّم لها في طرابلس الآن.
(ومن ثمّ أوردت نبذة عن د. غيتا حوراني في سطور) 

اللوحات من المعرض المواكب للندوة ( جامعة سيدة اللويزة ) 
الصور لحسّان عصافيري

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا