الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة


أعادت إليّ زيارة الأمس إلى إحدى الصديقات والرفيقات الأوائل في حياتي، حنين مشوب بعاطفة طفت في قلبي قبل عقلي، أخذني إلى تلك الأيام التي كان فيها وعي جديد يطرق عقولنا الجامحة الرافضة للواقع الإجتماعي والسياسي، والباحثة عن خلاصٍ لمسناه بأفكار ثورة أكتوبر المجيدة. لم تتجاوز أعمارنا حينها الخمسة عشر عاماً، حين تحدّينا كل الصعوبات التي كانت تحيط بفتياتٍ من بيئاتٍ محافظة، وبدأنا برسم طريقنا لإحداث التغيير نحو إشتراكية مبتغاة. ولم تخل بالطبع، كل تلك السنين الطويلة من أزمات على صعيد العلاقات مع البيئة المحيطة. إن أهمية تلك المرحلة، تجسّدت في خلق وعي وطني للذات الفردية والجماعية، بديل للوعي الطائفي الذي كان يرافق المرء من ولادته حتى مماته، وتبلورت في جمع أناسٍ على مستوى كل الأديان على إختلافاتها الجذرية، كما على مستوى كل مساحة الكيان في إطارٍ سياسي متكامل يملك برنامجاً وطنياً طموحاً، يبدأ بتحرير الفرد وتحرير المجتمع والسياسة والأرض، ويساهم في خلق شخصية وطنية متمرّدة على كل الأوضاع القائمة ليس فقط في لبنان بل وفي كل العالم، بروحٍ أمميّة قرّبت المسافات وأشعلت الحماسة والعاطفة تعاطفاً مع كل الفقراء والمضطهدين في العالم، وكانت تُحدّد شعاراته الأساسية وتتبدّل بما يحاكي تبديل المراحل التي يمر بها البلد. طبعاً، وبالرغم من أن هذا الإطار الحزبي العريض استمدّ حيثيته الأساسية من الإتحاد السوفياتي، فقد استطاع الإنتشار في كل مدن وقرى لبنان، ولم يقتصر وجوده ونشاطه على الطبقات الفقيرة والمتوسطة فقط، بل تعدّاها ليشمل شريحة كبيرة من المتعلمين والمثقفين الذين درسوا في عواصم غربية، وساهموا بنشر الأفكار وتطويرها. 
انتهى هذا الدور والزخم بسقوط الإتحاد السوفياتي، ممّا يدل على أن تلك الأفكار العظيمة، أفكار ثورة أكتوبر المجيدة، لم تتكرّس في شكلٍ سياسي عصيّ على الإنهيار، جُلّ ما بقي أفراد مشهود لأكثريتهم بمكسبٍ كبير لم تستطع تحقيقه أي من الأفكار الأخرى التي سبقت أو توالت، هو العلمانية وعدم الطائفية التي تجذّرت فيهم بالرغم من كل المتغيرات. على أن هذا المكسب لا يستطيع وحده جمع ما تشتّت، بل هو أصبح ثانوياً في ظلّ إصطفافات كثر من هؤلاء في مشاريع طائفية، ولو جزئياً، ولو تحت مسوّغات تبريرية. القضية أعقد بكثير من علماني، أو غير طائفي، القضية تتعلّق بوجود برنامجٍ واضحٍ لحزبٍ واضح الأفكار، فانتفاء البرنامج، والفكر في المرحلة الحالية، وفي المرحلة التي سبقت، إنما تدّل على عدم نضوج خيار التغيير بعد في بلدٍ يعاني من الفوضى الإنتمائية والتشرمذ، وعلى ضياعٍ بعد خراب البصرة، ممّا اضطّر كثيرين إلى الإلتحاق بأحزابٍ طائفية، ظنّاً منهم أنهم سيلقون الضالّة المنشودة، التي انهارت، إن لم يكن للأمر علاقة بالمصالح الشخصية.
لو عاد التاريخ إلى الوراء، لما كنت اخترت غير طريق الثورة الإشتراكية التي قلبت العالم رأساً على عقب، وأيضاً، لو عاد التاريخ إلى الوراء، لما كنت بقيت في حزبٍ لم يستطع المحافظة على مكتسياته وثقة الناس، وليس بمقدوره وضع برنامجٍ واقعي يحاكي التغيرات والمرحلة.
لست نادمة على شيء، يكفيني أنني بتّ حرّة التفكير، أحمل في عقلي ما زودّتني به الماركسية من جدلٍ وطريقة للتحليل، تحليل واقعي وواقع من حوليّ، وقدرة على المواجهة، المواجهة السلمية مع كل ما لا يقبله عقلي، وقوة تجعل من المستحيل المساومة أو العودة خطوة واحدة إلى الوراء، إلى حظيرة الطوائف، كما يكفيني وجود أشخاصٍ في حياتي من رفاق الأمس الذين تجمعني بهم رؤية مشنركةٍ للأمور. لا اجمل من جلسةٍ أنيسةٍ تسودها الثّقة والمحبة مع أشخاصٍ متنوّعي الإنتماءات الدينية والمناطقية، يستذكرون الماضي بحبّ، ويأملون بغدٍ أفضل يصنعه شباب اليوم.

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top