عدنان رؤوف… علامة التنوير الرفيعة في الثقافة العراقيَّة

8:14:00 ص

علي عبد الأمير 12 أكتوبر، 2017


إلى: معاذ الالوسي



نحن الآن في العام 1937، بعد نحو عقد ونصف من تأسيس الدولة العراقيَّة المعاصرة، والتي مضت خطوات أولى جوهريَّة نحو إعلاء قيم جديدة من المعرفة والتربية وإرساء بنى تحتيَّة روحيَّة ومادِّيَّة جديدة.

وفي تلك الآونة، ومع قرار الدولة الواسع في الانفتاح على العالم المتقدِّم، عبر نظام البعثات وفي مختلف التخصّصات، بدأ توجُّه نحو تأصيل الحداثة، أي منحها ملامح محليَّة، تنشغل بأسئلة ثقافيَّة وفكريَّة قائمة على المنهج العلميّ، ولكنها تمضي بورشة الأسئلة تلك نحو الظواهر العراقيَّة المحليَّة من تخلُّف فكريّ واجتماعيّ وثقافيّ.

ومن بين ورش الحداثة تلك، كان بيت آل سليم، ومنهم أبو الحداثة الفنيَّة العراقيَّة: جواد سليم، فضلًا عن شقيقه الفنَّان والكاتب نزار، وشقيقتهما سعاد، ثمَّ شقيقتهما الفنَّانة نزهت.

ومن كان على صلة وثيقة، من سيكون علامة حداثة بل تنوير في الثقافة العراقيَّة: الكاتب عدنان رؤوف الذي يكتب(1): “نشأت ونزار منذ زمن الصبا في ظلِّ أخيه جواد. والذي يعيش في ظلِّ العملاق يبقى أبدًا صغيرًا إلًّا نزارا. بدأت تجربتنا – وهل أستطيع أن أقول: الأدبيَّة أم الفنيَّة؟ – وكلانا في مستهلِّ العقد الثاني من العمر بتقليد جواد، إذ حرَّرنا – نزار وأنا – سنة 1937 مجلَّة تكتب بخطِّ اليد وبنسخة واحدة، وجعلنا اسمها “الأمل”. وكان جواد سبقنا بإصدار مجلَّة مماثلة بعنوان “جواد”، وهذه بدورها كانت محاكاة لمجلَّة أخته “سعاد”.  وكانت كلّ تلك “المجلّات” محاولات عائليَّة، جمعت نتاج الأقارب والأصدقاء في محاولات للخلق والإبداع رسمًا وكتابة، مع شيء من التسلية والفكاهة”.

“الأمل” و”الصبا” أكثر من كرَّاستي أدب وفنون

صدر عددان من “الأمل”، وكان نزار صاحبها ورسَّامها، وكان عدنان رؤوف رئيس تحريرها. الحقّ أنَّ نزارًا كان يخطُّ كلّ حرف فيها، وأغلب صور المجلَّة كانت من بواكير نزار وممَّا جاد به على المجموعة، جواد أو سعاد. وبعد صدور عددين من “الأمل” قرَّر– نزار- عدنان، تغيير اسم المجلة إلى “الصبا”، إذ كان هذا أدقّ وصفًا لمرحلة العمر التي كانا يعيشان آنذاك. وصدر عدد واحد من “الصبا” قبل أن يفارق عدنان رؤوف المولود ببغداد في العام ذاته الذي ولد فيه أغلب رُوَّاد الحداثة في العراق 1926، صديق نزار، حتى العام 1939 عندما عاد الأوَّل إلى بغداد واستأنفا إصدارها من حيث انقطعت. وكان إخراج “الصبا” كإخراج “الأمل” نتاج نزار سليم حتى بتصحيفها وتغليفها. أمَّا موادّها فكانت نتاج العديد من الأقارب والأصدقاء: الرسوم والكاريكاتير لجواد سليم، (عندما عاد إلى بغداد من بعثته في فرنسا صيف 1939، ومن بعثته إلى إيطاليا صيف 1940،) وسعاد ونزيهة وعيسى حنا، والكتابة قصص ومقالات لعدنان، ونجدة فتحي صفوة (المؤرِّخ العراقيّ المعروف لاحقًا)، وخلدون ساطع الحصري (المفكِّر القوميّ العربيّ لاحقًا) وحتَّى بعض أساتذة الثنائيّ نزار-عدنان في مدرسة “المتوسِّطة الغربيَّة”، يوم كانت المدارس حصيلة خبرات في المعرفة والعلوم والتربية.

واتَّسعت حلقة قرَّاء “الصبا” بنسختها الوحيدة من كل عدد، إذ كان كلّ صديق يتلقَّف العدد الجديد منها ليحيله إلى صديق آخر بعد الفراغ منه.

وبالرغم من انقطاع “الصبا” عن الصدور (في نهاية 1942، كانت هناك أربعة مجلّدات، وكلّ مجلَّد يحوي أربعة أعداد)، بقيت أيدي الأصدقاء تتداول مجلّداتها حتى اختفت عند أحدهم.

ويكتب عدنان رؤوف عن تلك المرحلة “بالنسبة لنا كانت مرحلة الاطِّلاع على الآداب العالمية باللغة الأجنبيَّة، وكانت اللغة الإنجليزيَّة أقرب إلينا مثالًا. وقد ساعد على ذلك اضطرار جواد (سليم) إلى البقاء في العراق بقيَّة سنوات الحرب العالميَّة الثانيَّة، حيث “استعرنا”، من مكتبته الكثير ممَّا كنَّا نحاول قراءته مدفوعين بما كنَّا سمعناه أو قرأناه عن هذا الكاتب أو ذاك، أو عن هذه القصَّة والرواية أو تلك”(2)

“الفكر الحديث”.. تأسيس للتمرُّد التنويريّ

استمرَّت تلك الفترة حتى العام 1946، حين راح عدنان رؤوف الذي تصفه الناقدة والكاتبة المرموقة فاطمة المحسن “مثقّفًا أرستقراطيًّا على صلة وثيقة بالإنكليزيَّة والأدب الأميركيّ”(3)، ينشر محاولاته في الكتابة (لم تكن القصَّة من بينها آنذاك) في مجلَّة “الفكر الحديث” التي انصرف إلى إصدارها الفنَّان العائد من باريس، جميل حمودي، بدأبٍ عجيب على الرغم من زيادة الكلفة وقلَّة الموارد، فالمجلَّة كانت متقدِّمة قياسًا بمطبوعات عصرها، تحريرًا وإخراجًا وطباعة.

ومثل الكثير من حَمَلة شعلة التنوير في الثقافة العراقيَّة في تلك المرحلة، كان عدنان رؤوف يواصل دراسته للقانون، والعمل في نفس الوقت بوظائف وأعمال عدَّة ساعدته  في الحصول على المال، وإن كان نزرًا يسيرًا، لكنَّه كان مهمًّا فهو وفَّر له وللمجموعة التي درجت على العمل وقيمته، شيئًا من الاستقلال عن العائلة والانغمار في بوهيميَّة تارة وثورة سلبيَّة على واقع لا يرتضونه تارةً أخرى. تلك كانت مرحلة “الوقت الضائع″، الصفة التي أطلقها نزار سليم بروحه المجبولة على تلك المرحلة ” ثورة بوهيميَّة على واقع كنَّا نحاول أن نهرب منه، ولكن إلى أين؟ وكيف؟”

كان ذلك في العام 1947، وهي المرحلة التي توثَّقَت فيها علاقة نزار- عدنان، ببلند الحيدري (الشاعر الذي سيصبح أحد أركان حداثة الشعر العربيّ)، وعن طريقه بعددٍ آخر من الأصدقاء الذين تجمعهم تلك الفكرة الغاوية: الحرِّيَّة والتعبير الأدبيّ والفنيّ عنها، بروحٍ نقديَّة مثابرة، تلك الروح التي نضجت عند عدنان رؤوف حدّ أنَّهُ كان ينظر إلى جماعة “الوقت الضائع” كونها أسيرة فكرة رومانسيَّة، كان  يشعر إنَّهُ قد تجاوزها. ومع كل ذلك كانوا يذرعون معًا، أرصفة شوارع بغداد من مقهى النعمان في الأعظميَّة إلى مقهى “الدفاع″، حتَّى مقاهي شارع أبي نواس – مرورًا بحلويَّات “الدار البيضاء” وبالمقهى السويسري والمقهى البرازيليّ في شارع الرشيد. هناك حُرِّرت أكثر صفحات  مجلتي “الفكر الحديث” و”الوقت الضائع″، وفي المطابع، أكثر ممَّا حُرِّرت في المكاتب أو البيوت.

النظرة النقديَّة لرؤوف توصَّلت إلى اعتبار جماعة “الوقت الضائع” بوصفها “مجموعة من الشباب الناشئين أكثر ممَّا كانت مدرسة”، أو توجُّهًا فكريًّا منظَّمًا، إذ هي عرضة للتشتُّت، وهو ما حصل مع سفر بعض أعضاء الجماعة في صيف 1948 ضمن بعثات دراسية إلى خارج العراق، وانصراف الآخر إلى هموم الدراسة أو كسب العيش.

جيل يتطلَّع إلى النهضة

ويقول السياسيّ الليبراليّ العراقيّ نصير الجادرجي عن جيل عدنان رؤوف “كان أمل ذلك الجيل الذي أدركته، يقضي ببناء مجتمع يتماشى مع النهضة التي سادت العالم، حيث كان منهم القاصّ عبد الملك نوري، والكاتبان نجدة فتحي صفوة وعدنان رؤوف، والمهندسون المعماريُّون: رفعة الچادرچي، قحطان عوني، هشام منير، قحطان المدفعي، هشام المدفعي، والمهندس شريف يوسف، الذين أصبحوا من مشاهير المهندسين العراقيِّين فيما بعد، وكذلك المفكِّر السياسيّ عبد الفتاح إبراهيم، وعالم الاجتماع علي الوردي، والعلَّامة الدكتور أحمد سوسة، والشاعر بلند الحيدري”(4).

واذا كان الفنَّان الرائد جواد سليم، قد عاش حياة البحث عن أكثر المواقف تفرُّدًا وثورة في تاريخ الفنّ العربيّ المعاصِر، فإنَّ شقيقه نزار كان قد عاش حياته بهدوء وكان هدفه منها أن ينصرف إلى التأمُّل فيها.

واذا كانت حياة جواد تميَّزت بضرب من الوعي الحادّ للوضع الإنسانيّ في عصره حتَّى أنَّهُ عاش حياة ممتلئة بالهواجس: التفرُّد والإبداع والقلق المصيريّ، فأعطى الحياة أهمّيّتها من خلال ما أكَّد فيها من أعمال وما منحها من رؤيا مضافة، فإنَّ أخاه نزار(5)، كان في حياته وعمله وكأنَّهُ على الهامش من هذا كلّه، وكأنَّ تيَّار “العبث” واللاجدوى والفراغ قد غمره بما ساد من مفاهيمه في أعقاب الحرب العالميَّة الثانية. وتبدو “جماعة الوقت الضائع” التي تشكَّلت منه ومن بلند الحيدري وحسين مردان وعدنان رؤوف، سوى دلالة على هذه الحالة، وتأكيد لهذا الإحساس.

مرحلة “الواق واق”

يرجع تأسيس هذا المقهى الذي يقع في منطقة الأعظميَّة، قرب ساحة عنتر، إلى عام 1946 بعد أن أسهم في تمويله عدد من الفنَّانين، منهم جواد ونزار سليم وآخرون.

ومن الوجوه الثقافيَّة والإبداعيَّة التي ارتبطت بهذا المقهى، الشاعران بلند الحيدري وحسين مردان، القاصّ والروائيّ فؤاد التكرلي وشقيقه المترجم نهاد التكرلي، الفنَّان جميل حمودي والقاصّ عدنان رؤوف، وإبراهيم اليتيم وأكرم الوتري.

جاء ظهور هذا المقهى عقب انتهاء الحرب العالميَّة الثانية وبدء تجليَّات نهضة جديدة تتطلَّع للمعطيات الثقافيَّة الغربيَّة ممثَّلة آنذاك في تيَّاراتها الوجوديَّة والدادائيّة والسرياليَّة والأسماء الإبداعيَّة المثيرة، أمثال: الرسَّام والمسرحيّ الفرنسي جون كوكتو، والروائيّ الأيرلندي جيمس جويس، وتأثيراتهما كظاهرة تعبير جديدة في الثقافة العراقيَّة، صارت، وكما أشرنا أعلاه، “جماعة الوقت الضائع″، ولاحقًا مجلّتها “الوقت الضائع″التي عبَّرت عن رؤية الجماعة وشكَّلت تيَّارها الإبداعيّ التجديديّ في المشهد الثقافيّ العراقيّ آنذاك.

استطاعت هذه الجماعة إصدار عدد من الأعمال الأدبيَّة المؤسِّسة في حداثة الشعر والقصَّة، من أبرزها ديوان “خفقة الطين” للشاعر بلند الحيدري والمجموعة القصصيَّة “الفئران” لنزار سليم.

الحداثة مقابل نظام سياسيّ قديم

وتبدو مآلات تلك المجموعة تأكيدًا لفكرة أن لا حداثة حقيقيَّة يمكن أن تستقيم مع نظام سياسيّ قديم (القائم على الهاجس الأمنيّ)، فلقد “كان مؤمّلاً لهذه الجماعة أن تُحدثً تجديدًا في الأدب والفن العراقيّين، وأن تقدِّم ثقافة جديدة ورؤية مغايرة، لولا متابعة سلطات الأمن لهم، وإخضاعهم للمراقبة المستمرَّة؛ لما رأوه فيها من انتظام في التردُّد على المقهى وانتقال إلى عدد من المقاهي الأخرى في اليوم الواحد، فمن مقهى الواق واق إلى مقهى النعمان، ثمَّ الدفاع، فالسويسري والبرازيليَّة، فمقاهي الرشيد وشارع أبي نواس، ممَّا خلق نوعًا من الريبة فيها، انتهى بإغلاق مطبوعتها”(6).

وعلى الرغم من الطابع “الأمنيّ” الذي ميَّز مراحل عدَّة عاشها العراق في الحكم الجمهوريّ والذي تميَّز باعتماد مبدأ الولاء وتغليبه على مبدأ الآداء والمعرفة، إلا أنَّ ذلك لم يقف حائلًا دون تولِّي شخصيَّة رفيعة مثل عدنان رؤوف، عاشق الأوبرا(7) والموسيقى الغربيَّة بعامَّة فضلًا عن المقام العراقيّ، والناقد المحترف للسينما العالميَّة عبر عموده في صحافة بغداد، والمجيد لآداب الانجليزيَّة والإيطاليَّة، والمطَّلِع على مسارات الحداثة الأميركيَّة في خمسينيَّات القرن الماضي، من شغل مناصب عدَّة كدبلوماسيّ من النوع الرفيع، مثَّل بلاده برفعة ومهارة، فكان في أوائل ستينيَّات القرن الماضي قائمًا بالأعمال في الهند وروما، وممثِّلًا للعراق في الأمم المتَّحدة. وبعد سيرة دبلوماسيَّة رفيعة تحت علم بلاده، صار معاونًا لأمين عام الجامعة العربيَّة محمود رياض، وسفيرًا للأمم المتَّحدة في عمان، ورئيسًا لشركة صناعيَّة حكوميَّة في العراق، ثمَّ مشاركًا بارزًا في “مركز دراسات الوحدة العربيَّة” في بيروت، حتى تقاعد إثر محنته حين اختطف من قبل إحدى العصابات اللبنانيَّة.

عاش غريبًا عن قيم مجتمعه ومات غريبًا عن مدينته

وقبل أيَّام، كتب المعماريّ والفنان العراقيّ الكبير، معاذ الآلوسي، عن صاحب رواية “يوميَّات السيِّد علي سعيد”، عدنان رؤوف في أيَّامه الأخيرة، “صمَّمت له لحدًا (مات في ليماسول بقبرص ودفن فيها 1998) وكتبت عليه واحدة من ما كان يردِّد دائمًا. من مقولات عالقة ويردِّدها بصوته الباريتوني. مقولاته، لجورج إليوت:”في كل فراق صورة للموت”،أو لشوبنهاور:”وثمَّة طعم الموت في الفراق”، أو ما قاله تي أس إليوت: “Not farewell, but fare forward, voyagers ”.

____________________________________________

1و2: عدنان رؤوف، جماعة الوقت الضائع ومقهى الواق واق سنة 1947 … ذكريات وانطباعات، ملاحق جريدة “المدى” البغداديَّة.
3: فاطمة المحسن، “تمثّلات الحداثة في ثقافة العراق”، “دار الجمل”، 2014. ومراجعة علي عبد الأمير للكتاب والمنشورة في “الحياة”، 5 كانون الثاني/ يناير  2015.
4: نصير الجادرجي، مذكّراته، دار “المدى” البغدادية.
5: ماجد السامرائي، مجلة “آفاق عربية”،بغداد، أيار/مايو 1989
6: مقاهي بغداد القديمة، ملحق “ذاكرة عراقية”، مؤسَّسة “المدى” البغداديَّة 2011.
7: معاذ الآلوسي، صفحته على موقع الفيسبوك، www.facebook.com/al.alousi.7

عن موقع تنويري

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا