لنزاع وسوريا، ثينك تانكس، والأكاديمية: حوار مع توماس بيريه

6:48:00 ص


 

  ترجمة: يسرى مرعي.

ترجم هذا الحوار على موقع معهد العالم للدراسات بعد أخذ موافقة د. توماس بيريه/ أستاذ دراسات الشرق الأوسط والإسلام المعاصر في جامعة أدنبره. وكان النص الأصلي قد نشر على الرابط التالي: globaljusticeblog.ed.ac.uk


تجد الجامعات التأثير الذي يتجاوز الأوساط الأكاديمية هاماً بشكل متزايد. ففي حالات النزاع العنيف، قد يكون من الصعب على الخبراء الذين يعملون على النزاعات الآخذة في التطور مثل سوريا أن يبقوا وثيقي الصلة بالموضوع خارج الأكاديمية. كما أن التأثير المتنامي للثينك تانكس (مراكز التفكير)، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى ضغوط الحياة الأكاديمية الأوسع، يطرح تساؤلات جدية حول ما تقدمه الأكاديمية.
وفي مقابلة مع محرر سلسلة مدونة السلم والنزاع GJA أندريس هاكل، يسترجع توماس بيريه 13 عاماً من البحث حول سوريا ويعكسها على الدور المتغير لخبرته داخل وخارج الأكاديمية. ويشير توماس إلى أن الأكاديميين قد يسهمون بشكل فريد في القدرة على تحديد أحداث ولحظات معينة في النزاع ضمن ديناميكيات وأنماط أوسع للنزاع. 
كيف تغّير ميدان بحثك منذ اندلاع الأزمة السورية؟ 
لقد أجريت أبحاثاً في سوريا منذ ما يقرب 13 عاماً من الآن، وفي البداية كنت تقريباً وحيداً في مواضيع خبرتي. لكن في غضون أعوام، أصبح الميدان مزدحماً للغاية، متضمناً غير الأكاديميين مثل محللي الثينك تانك. المشكلة هي: أنهم جيدون. إذ لم يعد من الصحيح أن الأكاديميين يعرفون أكثر منهم. ذات مرة كنا ننظر إلى الثينك تانكس ونقول أن أبحاثهم سطحية، فيما عدا بعض الاستثناءات. ولكن هذا تغير. 
ولكن يبدو أن الخبرة الأكاديمية في سوريا تصبح أقل ملاءمة. كيف حدث هذا؟ 
تغيرت الأهمية الاستراتيجية لسوريا بشكل هائل بعد عام 2011. فقد حدثت زيادة في الموارد للثينك تانكس وشركات تحليل المخاطر التي وظّفت أيضاً خبراء من الدرجة الأولى بشروط عمل جذّابة ورواتب تنافسية. أعرف على الأقل شخصاً قُبِل في إحدى الجامعات الأمريكية المرموقة جداً للحصول على درجة الدكتوراه –سيناريو الحلم لأي شخص يريد أن يكون أكاديمياً- ومع ذلك فقد ترك الجامعة في نهاية المطاف للعمل على النزاع السوري مع شركة تحليل مخاطر. وإلى جانب الحوافز المالية، فإن مهن غير أكاديمية كهذه قد تبدو مغرية للخبراء الشباب لأنها إيجابية مقارنة مع الأوساط الأكاديمية من حيث وقت البحث وفي بعض الحالات الموارد. 
إذاً فهي أكثر ملاءمة؟ 
دعنا نقول أنه من الأسهل بالتأكيد أن تتعامل مع وتيرة سريعة بشكل لا يصدق للتطورات على الأرض عندما يكون القيام بذلك هو مهمتك الأساسية، بدلاً من أن يكون عليك التوفيق مع العديد من الالتزامات الأخرى مثل التعليم، والإشراف، والعمل الإداري. يُدفع أساساً لخبراء الثينك تانك للتركيز على موضوع، وكتابة تقرير، ومن ثم الانتقال إلى المشروع التالي المُشابه، رغم أنه قد يكون هناك أجزاء أخرى من العمل قد تجاهلتها. أما كأكاديميين، فيُدفع لنا حقيقة للقيام بالعديد من الأمور الأُخرى إضافة إلى البحث. 
هل لذلك علاقة بعدم القدرة على الوصول إلى البلدان المتأثرة بالنزاع، ولاسيما سوريا؟ 



إلى حد كبير. إذ اعتاد العمل الميداني أن يكون الميزة النسبية للأكاديميين: فقد كانوا يبقون أكثر في الميدان، ويلتقون بأشخاص أكثر، ويصبحون أكثر دراية بالواقع المحلي. لم يكن الأمر مقتصراً على الوقت الذي يقضونه في الميدان، لكن النهج كان أكثر اثنوغرافية من النهج الذي يتبعه الصحفيون وخبراء الثينك تانك. ففي الماضي، عندما كان الوصول إلى سوريا سهلاً، غالباً لم تكن المقابلات التي أجريها هي الجزء الأكثر إثارة للاهتمام في البحث: الملاحظة –في الجوامع على سبيل المثال- غالباً ما توفر رؤى أفضل للديناميات الاجتماعية. 
وقد تلاشى هذا الاختلاف المنهجي الآن: فلا أستطيع القيام بأكثر من خبراء الثينك تانك، أي مقابلة السوريين في البلدان المجاورة، وإجراء مقابلات عن بعد، وجمع معلومات من وسائل التواصل الاجتماعي. وحتى عندما تلتقي بالناس وجهاً لوجه، فالسياق مفقود: إذ أن المسؤولين في الحركات الثورية، بشكل خاص، لديهم مخاوف أمنية مشروعة ونتيجة لذلك فقد يقابلونك بشكل عام في بعض الأماكن العامة؛ فأنت لا تعلم من أين يأتون ولا إلى أين يذهبون. 
الأكاديمي توماس بيريه/أستاذ التاريخ المعاصر ودراسات الإسلام في جامعة أدنبره


وقد حثّت أيضاً الطفرة في وسائل التواصل الاجتماعي في سوريا منذ عام 2011 على تحوّلات كبيرة. فقبل عام 2011، ونظراً إلى رقابة الدولة على وسائل الإعلام، كنت بالكاد تفهم أي شيء حول سوريا إن لم تكن قد قضيت فترة زمنية كبيرة هناك؛ أما اليوم؛ ورغم أن وسائل التواصل الاجتماعي تطرح مشكلتها المنهجية الخاصة بها، إلا أنها تجعل المعلومات متاحة وسط عدد أكبر بكثير من المراقبين. أنا لا أتحدث فقط عن المحللين المحترفين، بل أيضاً عن العدد المتنامي من الخبراء ذاتيي التعليم الذين يعرضون أحياناً مستوى مثيراً للإعجاب من المعرفة. فكما تغيرت سوريا، تغيرت كذلك طريقة البحث، وتغير معها مركز الأكاديميين في اقتصاد المعرفة في البلد. 
كما أن أحد التغيرات المهمة الأخيرة التي تلعب دوراً ضد الأكاديميين هو أن العلاقة بين الفاعلين السوريين والمراقبين الخارجيين قد أصبحت خاضعة للمعاملات أكثر مما كانت عليه. فعندما أجريت بحثاً في سوريا منذ عقد من الزمن، لم يتوقع الناس الذين وافقوا على مقابلتي الكثير من بحثي: بعضهم قد يكون تمنّى أن يُصوّر بشكل إيجابي في أطروحتي، لكن معظم الآخرين أحبّوا التكلم إلى أجنبي فقط، أو أنهم كانوا ببساطة مهذبين. الآن، ولأسباب مفهومة تماماً، فإن السوريين الذين يلعبون دوراً فعالاً في النزاع، يميلون إلى توقع بعض المنافع المباشرة من تفاعلهم مع المراقبين الأجانب. 
تعرض الثينك تانك ذلك النوع من المنافع لأنها تعمل بسرعة: عندما يتحدث السوريون إليهم، تكون لديهم الإمكانية للتعبير عن وجهة نظهرهم، وجعلها معروفة لجمهور عالمي في غضون أيام أو أسابيع. الآن قارن ذلك مع المنشورات الأكاديمية: ما زلت انتظر إصدار المقالات التي قدمتها في الأعوام 2013 و2014 و2015 على التوالي. ويمكنك أن تتخيل ماذا يعني هذا في سياقات متقلبة للغاية مع التطورات المتغيرة بسرعة: الكثير مما كتبته آنذاك، قد عفا عليه الزمن الآن تماماً، وبعض الأشخاص الذين قابلتهم يتساءلون (ولهم الحق في ذلك) عمّا فعلته بما أخبروني به. 
كما تدير بعض الثينك تانك أيضاً برامج تشمل السوريين مباشرة، مثل مبادرات المسار الثاني ومجموعات دراسة مرتقبة حول مستقبل البلاد. 
إذاً من ناحية، لدى الأكاديميين خبرة أقل ملاءمة، للتعليق العام لأن باحثي الثينك تانك لديهم وصول أفضل ووقت أطول. ومن ناحية أخرى، النشر الأكاديمي بطيء جداً من أجل إنتاج بحث عالي الجودة حول النزاعات مما قد يفصلهم عن جماهير المحللين. يبدو هذا كمعضلة. ما هو البديل؟ 



استنتاجي هو أنه يجب علينا أن ننخرط أكثر في نقاشات تخصّصية. 
قبل الحرب في سوريا، كنت أشعر أن وضعي مثل شخص لديه مفتاح كهف سري لا يستطيع أحد غيره الذهاب إليه. ما أجريت بحوثاً حوله، بفضل شهور من العمل الميداني المكثّف، أمّن مدخلاً إلى تطورات لم يلاحظها أي أحد آخر. وإلى جانب عدد قليل من الزملاء، كان لدي شبه احتكار للخبرة حول الإسلام في داخل سوريا. فعندما تكون وحيداً تقريباً في العمل حول موضوع معين، فقد يكون كافياً "دراسة حالة" جيدة. أما مع توسع ميدان الخبرة حول سوريا، يجب أن تكون الأمور مختلفة. ومن المؤكد أن اعتماد نهج مقارن واستخدام الحالة السورية للطعن في نظريات موجودة، على شبكات المتمردين، وحكم المتمردين، واقتتال المتمردين على سبيل المثال، هو بالتأكيد سبيل المضي قدماً. وقد يبدو هذا واضحاً لبعض الزملاء، ولا سيما في الولايات المتحدة. 
على أية حال، إنه ليس سهلاً كما يبدو في السياق البريطاني. فنحن نواجه هنا عدداً من المتطلبات المتضاربة. ما يُفترض أنه يهم لأصحاب عملنا هو منشورات عالية الجودة –وهذا يعني غالباً نظرية- والتي تسجل نقاطاً عالية في إطار التميز البحثي (REF). وفي الوقت ذاته، فإنهم يريدون أن يكون لنا تأثير، أي أن ننتج أبحاثاً متصلة مباشرة بالنقاش العام. ومع ذلك سيكون لك تأثير أكبر إن شابهت عمل الثينك تانك. 
وبالعودة إلى مسألة ماذا يمكن أن يفعل الأكاديميون بشكل مختلف، أشار بعض الزملاء لي أن واحدة من مزايانا النسبية هي العمق التاريخي الأكبر لأبحاثنا. لست متأكداً من أنني اتفق مع هذا. أولاً، يقرأ خبراء الثينك تانك كتب التاريخ أيضاً. ثانياً، كثير من الخلفية التاريخية المتصلة للتطورات الراهنة، مثل الديناميات المحلية، لم تُدرس أبداً كما ينبغي من قبل أي أحد قبل عام 2011. الآن فقط، وبسبب هذه التطورات، فنحن نكتشف أهميتها. ثالثاً، لقد تحوّل المجتمع السوري بشكل جذري من خلال النزاع الذي رفع فاعلين اجتماعيين كانوا مهمشين، كما حطّ من آخرين كانوا يوماً ما مؤثرين جداً. 
ومع ذلك، فالأكاديميون لديهم دور ليلعبوه في أوصاف تحليلية أوسع تساعد القارئ العادي على فهم التطورات على المدى الطويل. خبرة الثينك تانك جيدة، ولكنها مجزّأة جداً، إذ أن التقارير تركز عموماً على قضية محددة جداً أو على فترة زمنية قصيرة نسبياً. على سبيل المثال، بالنسبة لطلابي الذين لا يملكون خبرة سابقة في النزاع، غالباً ما يكون من الصعب الحصول على الصورة الأكبر من خلال استخدام تقارير كهذه. 
عن موقع العالم

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا