الدفوف النوبية والعصا الأمنية.. وحلم العودة حول البحيرة

12:36:00 م


حسين بيكار - مصر
 
 
  •  
في العام 2014 كان الموعد. جاء 18 نيسان/ إبريل، وحمل معه الذكرى الخمسين لتهجير أهالي النوبة من قراهم وجزرهم المنتشرة بين ضفاف النيل، في إطار توسعات لبناء السد العالي، وكذلك من مدينة أسوان إلى خارجها في رحلة شتات نفسي وثقافي طويلة.
جاء 18 نيسان / إبريل بعد خمسين عام ليشهد مناقشة داخل اللجنة التأسيسية للدستور المصري بعد ثورة 25 يناير، حول حق العودة إلى الأراضي النوبية، وتعويض أهاليها عمّا لاقوه طوال تلك السنوات. وقد نصت المادة 236 من الدستور: "تكفل الدولة وضع وتنفيذ خطّة للتنمية الاقتصادية والعمرانية الشاملة للمناطق الحدودية والمحرومة، ومنها الصعيد وسيناء ومطروح ومناطق النوبة، وذلك بمشاركة أهلها في مشروعات التنمية وفي أولوية الاستفادة منها، مع مراعاة الأنماط الثقافية والبيئية للمجتمع المحلي، خلال عشر سنوات من تاريخ العمل بهذا الدستور، وذلك على النحو الذي ينظمه القانون، وتعمل الدولة على وضع وتنفيذ مشروعات تعيد سكان النوبة إلى مناطقهم الأصلية وتنميتها خلال عشر سنوات، وذلك على النحو الذي ينظمه القانون".
فرحةٌ سمراء انطلقت محمّلة بأصوات الدفوف والزغاريد، إلا إنها لم تنزل على الأرض. فمرّ عامان كاملان من دون أن يشهد البند الدستوري أي تطوير تشريعي أو تنفيذي، إلى أن فوجئ أهالي النوبة بإصدار قرار جمهوري آخر، هو إطلاق "مشروع المليون فدان"، والذي شمل ضمن ما
شمل طرح أراضي استصلاح زراعي في مناطق نوبية، مثل المغرة والفرافرة وتوشكى، الأمر الذي أثار غضب النوبيين، مطالبين باستبعاد أراضي النوبة من البيع فى المشروع، والتأكيد على أحقيّة أبناء النوبة في تملّك منطقة توشكى، حيث أنها الظهير الصحراوي لأراضيهم الأصلية.

الدم سماد الأرض


في أيلول/ سبتمبر 2016، عُقد مؤتمر واسع ضمّ ممثلين لاتحاد الأندية النوبية، تحت شعار "الدماء سماد الأرض"، وذلك في مركز "نصر النوبة"، أحد أهم المناطق التي هُجّر النوبيّون إليها. وأمهل المجتمعون الدولة ثلاثة أشهر لبدء إجراءات عودة النوبيين. مهلة كانت تحمل روح الاحتجاج أكثر من أيّ وقت مضى. فانطلق شباب من النوبة في حملات إلكترونية تدعو للتظاهر والخروج بقافلة تنطلق من نصر النوبة حتى بحيرة ناصر، لتمرّ في كل قراهم وجزرهم التاريخية، التي لم يعد الخوف يتعلّق فقط ببيعها ضمن مشروع المليون فدان، ولكن أيضاً بمنح عدد منها إلى رجال أعمال مصريين وخليجيين.
لم يتوقف الأمر عند مشروعات تنموية وتطلعات استثمارية، بل وصل إلى الحد الأصعب، وهو إصدار قرارات سيادية بإعادة رسم الحدود الجنوبية بما يشمل العديد من أراضي النوبة كأراضي عسكرية.

إقرأ أيضاً: بعد صبرٍ لسنوات.. السيسي يشعل غضب أهل النوبة


انطلقت القافلة، وجاء رد الفعل ليؤكد ما توحي به القرارات التي تعصف بأحلام النوبيين. تعرّض ثلاثة من المواطنين النوبيين لإصابات بالغة، جراء إطلاق رصاص حيّ من جانب قوات الشرطة العسكرية لفض التظاهرة، إلى جانب حصار المعتصمين بعد إغلاق قوات الأمن عدداً من الطرق داخل أسوان، ومنع دخول أي أحد إلى مكان الاعتصام، أو دخول أي مواد غذائية أو مياه للمعتصمين المحاصرين. "إنهم يتعاملون معنا بهواجس أمنية"، هكذا وصف المحامي والناشط النوبي محمد عزمي الوضع في تلك اللحظة، ليمرّ عام كامل ويصبح عزمي نفسه خلف القضبان، إثر مشاركته قبل شهر من الآن في وقفة احتجاجية جديدة لأهالي النوبة.
جاءت بيانات العديد من الأحزاب المصرية في الاتجاه  نفسه الذي يجد أن هناك تعمداً من الدولة في الجور على الحقوق النوبية. فقال بيان ل"حزب العيش والحرية" على سبيل المثال: "يثير قرار 444 الخاص بترسيم الحدود العديد من الأسئلة، حيث أن القرار حدّد 5 كيلومترات فقط كحدود عسكرية في المنطقة الشرقية المتاخمة لإسرائيل، لكنه حدّد 110 كيلومترات شرق بحيرة النوبة و25 كيلومترا غرب بحيرة النوبة، في مفارقة غريبة وكأن الحدود الجنوبية أكثر خطراً من الحدود الشرقية، وذلك على عكس الحقيقة. إن قرار ترسيم الحدود ما هو إلا دليل علي سيادة العقلية الأمنية التي تتعامل مع الملف النوبي دونما التفات إلى أي معايير أخرى غير النظرة القاصرة لمفهوم الأمن وإطلاق اتهامات التخوين على المطالبين بحقوقهم التاريخية".

إقرأ أيضاً: النوبة في السودان.. قضايا قديمة متجددة


موجة الغضب لم يستجب لها أي قرار تنفيذي يوازي حجم القلق لدى أهالي النوبة. واكتفى نواب البرلمان عن محافظة أسوان، التي تضم أغلب قرى النوبة، بالمطالبة بإطلاق قانون إعادة اعمار قرى النوبة الـ44، عدا ما تم اقتطاعه لأسباب سياسية او عسكرية. ورغم ذلك لم ير القانون حتى الآن.

وقفة الدفوف


مرّ عام على دعوة "الدماء سماد الأرض"، وفي التاريخ نفسه من هذا العام، في اليوم الثالث من أيام عيد الأضحى المبارك، نظّم عدد من شباب النوبة وقفة احتجاجية بالدفوف (من رموز الثقافة النوبية)، فلم يجدوا إلاّ عصا الأمن. قضوا يوم العيد في قسم الشرطة، "الشلال"، الذي يحمل هو أيضاً اسم أحدى قراهم التاريخية.
بعد أيام من الحبس (منذ السادس من أيلول/ سبتمبر) حصل المتهمون على إخلاء سبيل على ذمة القضية، لكن القرار لم ينفذ، بعدما استأنفت النيابة، ليتم تجديد حبسهم 15 يوماً إضافية. وبانتظار جلسة التجديد القادمة (يوم الثلاثاء في 3 تشرين الأول/ أكتوبر). يتساءل المهتمون من مئات آلاف من النوبيين والمتضامنين معهم، متى الوصول إلى حلّ حقيقي لهذه القضية التي تمثّل أكثر من غيرها قضايا الأقليات التاريخية وحقها في الوجود.
خطة الدولة لتهجير النوبين عن قراهم، في إطار بناء السد العالي، ليست الأولى، حيث تعرّض النوبيّون لعدة موجات تهجير منذ العام 1882 في إطار سياسة بناء السدود على ضفاف النيل لمحاصرة الفيضانات. وقد حصلت الدولة المصرية عام 2009 على منحة من منظمة "اليونسكو"، قدرها 200 مليون جنية، لتطوير المناطق التاريخية... التي لم يعد إليها أي نوبي حتى الآن!
* صحافية من مصر 
السفير العربي

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا

بين جلسة في الحديقة وإعدام شاعر: حيوات اسطنبول وأحلامها في القرن السادس عشر