الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة





لا بدّ لي من الإقرار بأنّ لنيكولاس فان دام دَيناً شخصيّاً عليّ. في 1979، حين صدر كتابه «الصراع على السلطة في سوريّة»، محلّلاً نزاعات الستينات وتصفياتها الدمويّة داخل حزب البعث الحاكم، وهي أحداث أعرفها جيّداً، صعقني الكتاب بأن كشف لي مدى جهلي في تعقّل تلك الأحداث وفي تأويلها. ذاك أنّ تحليلنا المعمول به حينذاك كان لا يزال من النوع الطبقيّ الضيّق والجامد: مثلاً، صراع البورجوازيّة الصغيرة الريفيّة والبورجوازيّة الصغيرة المدينيّة...، وفي أحسن الأحوال وأكثرها رحابة ومرونةً، هو صراع الجناح الراديكاليّ في البورجوازيّة الصغيرة ضدّ جناحها المحافظ...

لقد أظهر ذاك الكتاب المرجعيّ كيف أنّ التطوّرات المذكورة تبقى معتمة وسوداء ما لم تُفهم المسألة الطائفيّة التي تفسّر وحدها التخلّص من «كتلة الضبّاط الدروز» في إحدى الفترات، ومن ضبّاط «سنّة الأرياف» في فترة أخرى، قبل أن تنتقل شفرة العصبيّة القاتلة إلى داخل «الضبّاط العلويّين» أنفسهم (محمّد عمران ثمّ صلاح جديد...). ومع أنّ حرب لبنان الأهليّة – الإقليميّة في 1975-76 كانت قد كسرت مُحرّم استخدام الطائفيّة في التحليل، احتفظ كتاب فان دام بخصوصيّة استعماله المسألة الطائفيّة في تأويل وضع سياسيّ محكم الإغلاق، فضلاً عن «قوميّته» الفائضة المتعالية على الأجزاء، كالوضع السوريّ حينذاك.
وكان ما يزيد الإغراء في قراءة نيكولاس فان دام، السفير الهولنديّ السابق في دمشق (قبل أن يصبح في السنتين الفائتتين مندوب بلاده الخاصّ في سوريّة)، أنّ الطائفيّة عنده ليست في النصّ والطقس الدينيّين أو الطائفيّين، ولا هي بالطبع معطى ماهويّ، أبديّ وجوهريّ، بل هي مشدودة إلى علاقات السلطة بما تستدعيه من تنفيع لشبكة الأقارب والمحاسيب ومن اعتماد عليها وتقريب لها. بعد ذاك، وبسببه، يغدو الحفاظ على السلطة معادلاً للحفاظ على «تلك الآفة» وتوسيع العمل بها، والعكس بالعكس.
صلاح جديد
في هذا المعنى، فإنّ الطائفيّة، وفقاً لفهم فان دام، قد تخالف نوايا أصحابها ورغباتهم الأصليّة ممّن ينشأون في كنف أحزاب، كحزب البعث العربيّ الاشتراكيّ، ساعية إلى «الوحدة العربيّة» أو «العلمانيّة»، وبالتالي مناهِضة بالضرورة لتلك الطائفيّة.

الأيديولوجيا تضرب في اتّجاهين
في كتابه الجديد «تدمير أمّة – الحرب الأهليّة في سوريّة» (دار أي بي تاورس)، يلتزم المؤلّف بذاك التحليل وتلك الرؤية اللذين حملهما كتابه الأصليّ «الصراع على السلطة...»، كما يحافظ على تخفّفه من مبالغات التأويل الأيديولوجيّ المتحذلق حين يعاند الواقع والوقائع معاً فيُعمي أكثر ممّا يضيء. ولهذا السبب نراه في مقدّمة كتابه الثاني، كما في الفصل الأوّل منه، يستعيد عمله الأصليّ ويتبنّاه. وهذا ما يشجّع على استنتاج تقديراته السياسيّة ورسمه للمسار السوريّ انطلاقاً من تلك الأساسيّات.


ثمّ إنّ المؤلّف يختلف عن كثيرين من زملائه الذين يتناولون الشأن السوريّ في أنّه يولي اهتماماً أكبر بانقلاب البعث (ومعه بعض الشركاء الصغار «السنّة» الذين تمّ التخلّص منهم لاحقاً، كـ «المستقلّ» زياد الحريري أو الضبّاط الناصريّين) في 1963، فلا يتعامل مع انقلاب حافظ الأسد عام 1970 بوصفه نقطة انطلاقه المرجعيّ أو الصاعقة الهابطة فجأة من سماء صافية.
ومن هذا القبيل، نراه لا يكفّ عن تشبيه أعمال قمعيّة راهنة بمثيلات لها حصلت في الحقبة الممتدّة ما بين 1963 و2011، سنة انفجار الثورة، مع التنبيه إلى الفارق المؤكّد في الأحجام والأكلاف.

مع ذلك، ثمّة مشكلة في فهم فان دام المتعادل للطائفيّة عكست نفسها على مجمل كتابه الجديد. ذاك أنّ الكاتب بدا وكأنّه يبرهن الشيء ونقيضه في ما خصّ طائفيّة النظام، غير محتاطٍ دائماً إلى المكر الذي تستبطنه أيديولوجيّات غير طائفيّة وغير دينيّة، أو أنّه بالغ في التعويل على العنصر الأيديولوجيّ (الحديث والحداثيّ) كما ينسبه واحدنا إلى نفسه، وهذا علماً بأنّ أحداً لا ينعت نفسه، في هذا الزمن الموصوف بالحداثة، بأنّه طائفيّ (أو عشائريّ)، وقد يبحث عن غطاء أيديولوجيّ فضفاض (أمّة عربيّة، أمّة إسلاميّة، أمميّة بروليتاريّة...) يغطّي به طائفيّته ويبرّرها.
فالمؤلّف بقدر ما اعتبر أنّ الطائفيّة قد تخالف المقدّمات الأيديولوجيّة، اعتبر أنّ تلك المقدّمات قد تحدّ من الطائفيّة ومن فاعليّة اشتغالها. وبالنتيجة، كانت السوسيولوجيا ومعها الصراع على السلطة يثقّلان الطائفيّة بالتاريخ، فيما كانت الأيديولوجيا تثقّلها بالنيّات الحسنة. وهذا علماً بأنّ بعثيّة حافظ الأسد لا تشهد كثيراً لمصلحة هذا التقدير الأخير. والحال أنّه بات وراءنا تراث ضخم شكّله شيوعيّون روس وبولنديّون غدوا بسهولة مناهضين للساميّة، وبعثيّون نهلوا الأفكار العفلقيّة نفسها في سوريّة والعراق، لكنّهم أنتجوا خلاصات متباينة: في سوريّة أعطوا، مثلاً لا حصراً، رجلاً كرفعت الأسد يرعى مظلّيّات درجن على نزع الحجاب بالقوّة عن وجوه النساء السنّيّات، كما أعطوا في العراق، وأيضاً مثلاً لا حصراً، رجلاً كعلي حسن المجيد «الكيماويّ»، يتقدّم جنوباً، هو وجنوده، مُظلَّلين بشعار «لا شيعة بعد اليوم». وهناك اليوم الكثيرون من البعثيّين السوريّين «السنّة» الذين غدوا، تحت وطأة الاحتكاك المُرّ بالنظام البعثيّ «العلويّ»، سنّةً من دون بعث، كما هناك الكثيرون من البعثيّين العراقيّين «الشيعة» الذين غدوا، تحت وطأة الاحتكاك الذي لا يقلّ مرارةً بالنظام البعثيّ «السنّيّ»، شيعةً منزوعي البعثيّة.

والحقّ أنّ تناقض الطائفيّ – اللاطائفيّ في حالة النظام الأسديّ، إنّما يجعل قراءة نصّ فان دام تتوزّع على مستويين متفاوتين: المستوى الأوّل الظاهر الذي يدفعه، ولو بكثير من التشاؤم الاستدراكيّ والذكيّ، إلى التعويل على التفاوض والحلّ السياسيّ للمأساة السوريّة. وهنا، يُعتقَد أنّ الكاتب ينظر إلى الوضع السوريّ انطلاقاً من الانسداد الذي آلت إليه الثورة والحرب الأهليّة، والمصحوب بالرغبة المفهومة والمحترمة في وقف النزيف الدمويّ، إذ في آخر المطاف، ما الذي يمكن اقتراحه في وضع كهذا؟ أوليس الوعظ والتبشير، في أسوأ حالاتهما، خيراً من التحريض على القتل؟ لكنّ القارئ، مع ذلك، لا سيّما متى كان لبنانيّاً، لا يستطيع إلّا أن يتذكّر الدعوات الفولكلوريّة إلى «عناق الصليب والهلال» فيما كانت المناطق المسيحيّة والمسلمة تتبادل القصف والموت. وغنيّ عن القول إنّ الفولكلور لا يحجب القصف إلّا بقدر ما يحجب عجز السياسة والديبلوماسيّة عن التعامل مع مشكلة فاضت عن السياسة والعلاج الديبلوماسيّ. أليس دالاًّ، وهذا مجرّد مثل من أمثلة عدّة، أنّ اثنين ممّن انتدبتهم الأمم المتّحدة للتوسّط في النزاع السوريّ (كوفي عنان والأخضر الابراهيمي) عادا منه بخفّي حنين، فيما الثالث (ستيفان دي ميستورا) يسلك الطريق ذاته وينبّه إلى خراب لا نهاية له يحدّق بسوريّة؟

وقد يقال إنّ فان دام بدا مضطرّاً إلى تصويب بعض المسائل والتدقيق في بعض أحجام الكلام التي حملتها المبالغات الطائفيّة لدى الحديث عن «العلويّين» و «خططهم»، أو «التكفيريّين» و«مؤامرتهم»، أو مراجعة بعض أحكام رآها متسرّعة في إدانتها المساعي الدوليّة، أو إشعار النظام بعدم اكتمال «انتصاره» وبلا جدوى تبجّحه به. لكنّ جهداً تصويبيّاً كهذا يحيل، بدوره، إلى خصوبة التنميط وشيوعه في وضع استقطابيّ كهذا، وإلى «شعبيّة» الخروج السوريّ، الموالي كما المعارض، عن أحكام تحظى بدرجة من الإجماع خارج سوريّة، ودائماً إلى التشدّق بانتصار هدفه الانتقام والإخضاع فوق عالم من الجثث والأطلال.

مشكلة الاجتماع الوطنيّ
أمّا المستوى الآخر للقراءة فهو الذي يقول ضمناً باستحالة أيّ حلّ ما دام الاجتماع الوطنيّ السوريّ وخريطته على حالهما الراهنة. وهنا، في المادّة التي يعاود فان دام تجميعها بما يعزّز لدى القارئ استنتاجه هذا، يتبدّى المؤلّف ذاك الصائغ الماهر الذي يُعنى بتفاصيل التفاصيل ممّا يهمله محلّلون كثيرون مشغولون بالكبائر.

وليس بلا دلالة، في هذا المجال، أنّ مقدّمة الكتاب إنّما تذكّرنا بتغيّر الخرائط السوريّة ومعه تغيّر موقع مدينة حلب من العاصمة دمشق، وبأنّ شمال سوريّة الشرقيّ أقرب إلى «بلاد الرافدين» منه إلى «بلاد الشام»، كما تتسلّل إلى متن الكتاب تعابير وصور كثيرة لا توحي إلّا بالمأزق والحلقة المفرغة.
بكلام آخر تعاد معه رواية التجربة البائسة: لقد تسلّم البعث سوريّة ذات النسيج الوطنيّ الضعيف أصلاً، مثلها مثل سائر بلدان المشرق العربيّ، وأيضاً ذات الافتقار التقليديّ إلى الديموقراطيّة. وهذا جميعاً إنّما هو وثيق الصلة بتركيب أهليّ، طائفيّ وإثنيّ، يميّز البلد المذكور عن البلدان الأخرى التي عرفت «الربيع العربيّ»، خصوصاً مصر وتونس. وبغضّ النظر عن مقدّماته الأيديولوجيّة (العروبة، العلمنة إلخ...) التي لا تزن وزن ذبابة في الحسابات الفعليّة، فإنّ حكم البعث طيّف البلد وطيّف حياته العامّة ووعيه لنفسه، وأكثر ما طيّفه مؤسّسات القمع العسكريّة والأمنيّة التي تسهر على بقاء النظام واستمراره. يكفي التذكير هنا بأنّ كلّ مديري أجهزة الأمن الكثيرة ممّن يسيطرون على مفاصل الجيش وحركة المجتمع، من الطائفة العلويّة، ومثلهم جميع قادة الحرس الجمهوريّ والفرقة الرابعة وآمري القوّات الخاصّة. وبالنسب المئويّة، فإنّ 86 في المئة من هؤلاء الضبّاط علويّون قياساً بنسبتهم المئويّة التي لا تزيد إلّا قليلاً عن عُشر السكّان. واستشهاداً بدراسة أعدّها الباحث اللبنانيّ الشابّ هشام بو ناصيف، شكّل العلويّون، منذ مطالع الثمانينات، ما بين 80 و85 في المئة من كلّ دفعة جديدة تخرّجها الكلّيّة الحربيّة، علماً بأنّ تلك الطائفة ظلّت بين الأكثر فقراً وحرماناً في سوريّة.
وهذا ما يضعنا، كما في حالات كثيرة مشابهة عرفتها بلدان أخرى، خصوصاً في «العالم الثالث»، أمام نوع من الانفصام بين الوعي والواقع، يتعطّل معه الرهان على تغيير الواقع عقلانيّاً وسياسيّاً ليحلّ محلّه تضامن الجماعة الذي يوفّر لها المنعة والحماية، أو يوهمها بذلك وينجح في إيهامها. فمثلاً، في مقابل وجهة الإفقار التي طالت العلويّين، هناك وجهة تمكين بدأت تدريجاً، وإن بتصاعد، مع انقلاب 8 آذار (مارس) البعثيّ وتصفيته الضبّاط «الانفصاليّين» السنّة والدمشقيّين، قبل تصفيته الضبّاط الناصريّين و «الوحدويّين المستقلّين»، وهم سنّة أيضاً.
والمؤلّف حاسم في تحميله نظام الأسد مسؤوليّة الخراب السوريّ والعذابات التي انتهى إليها السوريّون وما زالوا يتخبّطون فيها، كما أنّه لا يكتفي بوصف «الديكتاتوريّ» للنظام المذكور، إذ يصفه بـ «التوتاليتاريّ» أيضاً، علماً بأنّ الوصف هذا ينطوي على إشكالات نظريّة لا تخلو من تعقيد.

فهو نظام يستحيل، في رأيه، أن يقدّم إصلاحات أو تنازلات لأنّ الخيار عنده هو بين المضيّ في الاستبداد والموت، أو ما صاغه الشعار الشهير: «الأسد أو نحرق البلد». لهذا فهو كان يدخل «المفاوضات» – التي لم تكن مرّة مباشرة، أي لم تكن مرّة مفاوضات – بوصفه صاحب الشرعيّة الكاملة التي تقف في مواجهة «إرهابيّين» مدعومين بقوى خارجيّة معادية وطامعة. وهو كان يرفض بلا انقطاع أن يقدّم «تنازلات» تسبق «التفاوض» وتعطيه صدقيّة وطابعاً جدّيّاً، علماً أنّ «التنازلات» المقصودة لا تتعدّى كونها استجابة لقرارات مجلس الأمن، كشأن تمرير موادّ غذائيّة إلى مناطق محاصرة، أو الكفّ عن قصف مدنيّين، أو إطلاق سراح سجناء أبرياء... لا بل ذهب نظام كهذا، في دفاعه حتّى الرمق الأخير عن نفسه، إلى تعفين نفسه ذاتها وفق منطق «عليّ وعلى أعدائي». ففي الجبهة المدافعة عنه تناسلت الميليشيات المسلّحة و «الشبّيحة»، مع ما يرافق بالضرورة مثل هذا التناسل من فساد ورشى وانتهاكات وتعدّد في المراكز والمصالح. كذلك حصلت تصفيات «غامضة» لعدد من كبار ضبّاط النظام نفسه.

معارضة سياسيّة؟
بيد أنّ التعفين الطائفيّ الذي أحدثه النظام البعثيّ، لا سيّما في طوره الأسديّ، إنّما طال معارضته أيضاً، من ضمن سطوته الشاملة على عموم المجتمع. ولم يكن التجذّر الذي تعاظم، تحت وطأة العنف والعداء الصريحين على مدى السنوات الستّ الماضية، غير جرعة سمّ كبرى تضاف إلى ذاك التعفين.
فبعد انقضاء الفترة الأولى للنضالات السلميّة و «التنسيقيّات» المدينيّة، بدأ يغلب اللون الجهاديّ والإسلاميّ على حساب الفصائل «العلمانيّة» وعلى رأسها «الجيش السوريّ الحرّ»، بل بدأ عناصر من هذا الأخير ينشقّون عنه وينضمّون إلى التنظيمات الجهاديّة.
والأخيرة إنّما تشارك النظام فهمه للسياسة، ولو من موقع الخصم والنقيض: فإذا كان الأسد «يفاوض» من يصفهم بـ «الإرهابيّين»، فإنّ الجهاديّين ومن لفّ لفّهم «يفاوضون» رئيساً يعتبرونه «منزوع الشرعيّة»، ما ينسف، بدوره، فكرة التفاوض.
وإلى الجهاديّين، بالنزاعات التي سادت في ما بينهم، والتي انفجرت غير مرّة على هيئة اشتباكات وتصفيات دمويّة، هناك المشكلة الكرديّة في الشمال والشمال الشرقيّ، بما يعقّد الحديث عن معارضة وطنيّة جامعة، ويضاعف البعد الإقليميّ في نزاع يُفترض أنّه داخليّ. وهناك أيضاً الخلافات الأساسيّة التي تشقّ المعارضين في ما خصّ الموقف من العلمانيّة وضمانات الأقلّيّات، أو، في حدود ما يتعلّق بالأكراد، ما إذا كانت الجمهوريّة المرغوب فيها سوريّة فحسب أو «عربيّة سوريّة»... وبالطبع لا يغيب عن البال تعدّد الارتباطات الخارجيّة وتضارب الدول الداعمة في ما بينها، على ما بيّن بجلاء الخلاف الأميركيّ – التركيّ المستمرّ والمتصاعد حيال الدور الكرديّ في مكافحة «داعش» في سوريّة. وهذا كلّه معطوف على ما يشبه القطيعة بين القوى الكثيرة المقاتلة وبين سياسيّي المعارضة الذين يكادون يكونون عديمي الوزن والتأثير.
أبعد من هذا، إنّ الدور المتعاظم للتنظيمات الإسلاميّة، الجهاديّة وشبه الجهاديّة، وصولاً إلى الوحشيّة التي اتّصف بها «داعش» وأفعاله، إنّما تصلّب تأييد الأقلّيّات الدينيّة والطائفيّة والإثنيّة للنظام، بل توسّع القاعدة الأقليّة التي يستند إليها. أمّا فرضيّة سقوط سوريّة، بعد إطاحة الأسد، في عهدة الحركات السنّيّة المتطرّفة، فلا تفعل غير تحفيز النشاطيّة الأقلّيّة حيث يغدو الدفاع عن النظام دفاعاً عن النفس، والدفاع عن النفس دفاعاً عن النظام.
بلغة أخرى، فإنّ الهيمنة البديلة لهيمنة الأسد لا تعدو كونها واحدة من الأماني وأضغاث الأحلام. وحرقةٌ كهذه هي، على الأرجح، ما حمل مثقّفاً سوريّاً بارزاً، مسكوناً بالتغيير الديموقراطي والعلمانيّ، كياسين الحاج صالح، على الدعوة إلى أكثريّة سياسيّة لا تحيل إلى العرب السنّة، بل إلى «أكثريّة اجتماعيّة» عابرة للطوائف والجماعات.

دور الخارج
والوضع هذا، في عمومه، نتاج استقطاب قاطع ومطلق لا يكسره إلّا تدخّل خارجيّ يتيح للمعارضة أن تعدّل، على الأرض، توازن القوى. غير أنّ الدول الغربيّة بدأت تخطئ، في رأي الكاتب، منذ سحبت جميع تمثيلها الديبلوماسيّ والسياسيّ من دمشق بما حرمها كلّ أداة للضغط على بشّار الأسد والتأثير فيه(!). لكنْ من وجهة النظر التي تحلّل النظام بوصفه طرفاً لا يساوم ولا يتنازل، يعيدنا هذا الحكم مجدّداً إلى الوعظ الحسن النوايا. وقد سبق، بعد اغتيال رفيق الحريري وخروج الجيش السوريّ من لبنان، أن جُرّب هذا النهج الذي يجمع بين الضغط على الأسد وممالأته، كما روهن على إمكان فصله وفصل نظامه عن طهران، فانتهى الرهانان إلى إخفاق مجلجل.
من ناحية أخرى، فإنّ موقف الحدّ الأقصى الأخلاقيّ لفظيّاً للدول الغربيّة، والذي حملها على تأييد الثورة مبكراً ورفض التعامل مع الأسد، إنّما صحبه حدّ أدنى عمليّ لجهة دعم الجيش الحر والفصائل المعارضة والمسلّحة الأخرى. وهذه حجّة قد تكون وجيهة يرفعها الكاتب الذي يجد في الموقف الغربيّ من الثورة السوريّة (لا سيّما وقد زار السفير الأميركيّ روبرت فورد مدينة حماة مصحوباً بالسفير الفرنسيّ إريك شيفالييه، في صيف 2011)، ما يشبه الموقف الأميركيّ في عهد جورج بوش الأب، إثر تحرير الكويت، حين دعي الشيعة العراقيّون للانتفاض على صدّام حسين، فعندما لبّوا وانتفضوا تُركوا لشأنهم في مواجهة الديكتاتور العراقيّ.
والنهج هذا إنّما بلغ ذروته في صيف 2013، بعدما تراجع باراك أوباما عن خطّه الأحمر المعلن، فانتهى استخدام النظام السلاحَ الكيماويّ بالصفقة الشهيرة التي رعتها روسيا، وأضعفت بنتيجتها الصدقيّة الغربيّة إلى حدّ بعيد. لكنّ التدخّل الوحيد المؤثّر، وفقاً لفان دام، هو ذاك الكبير والحاسم، وليس التدخّل الجزئيّ والعابر على غرار ما فعله دونالد ترامب، في ربيع 2017، ردّاً على قصف خان شيخون بالسلاح الكيماويّ. ذاك أنّ تدخّلاً لا ينهي قدرة النظام على الاستمرار في القمع سيكون عرضة للالتفاف عليه وعلى أضراره، مثلما فعل النظام البعثيّ بعد 1967، مع أنّ هزيمته عامذاك على أيدي الإسرائيليّين لم تكن ضربة بسيطة.
ولئن كان السوريّون مؤهّلين لاستحقاق تدخّل كهذا أكثر ممّا بدا الليبيّون مؤهّلين، فإنّ احتمالات عمل في هذا الحجم إنّما تراجعت بسبب ما آل إليه إخفاق تجربة التدخّل في ليبيا، ناهيك بالخلفيّة العراقيّة الموجعة. فإذا أضفنا احتمال الصدام المباشر بالنظام السوريّ وإيران، ولاحقاً بروسيا، وتداخل النظر الغربيّ إلى سوريّة بالموضوعين الأوكرانيّ والنوويّ الإيرانيّ، والتناقضات داخل جبهة «أصدقاء سوريّة»، وعدم استعداد أيّ من القوى الغربيّة للإنزال البرّي، تكاملت الأسباب التي حالت وتحول دون التدخّل الغربيّ المرتجى كما راهن عليه بعض سوريّي الثورة وحلفائهم.
ومعروفٌ أنّ خليطاً كهذا من الانكفاء وتراجع الصدقيّة الغربيّين إنّما أدّى إلى فتح الباب واسعاً أمام التدخّل الروسيّ المباشر الذي أضاف إضافة نوعيّة إلى وزن الدور الإيرانيّ والحزب-اللهيّ، خصوصاً مع حرب حلب الأخيرة.
مع هذا، فالكتاب يتجاهل أو يهمّش إلى أبعد الحدود عناصر «خارجيّة» أخرى ودورها في نظام الأسد، من العراق بعد 2003 إلى لبنان قبل 2005 وخصوصاً بعده، وربّما أيضاً دور إسرائيل. وتجاهل كهذا (وهو، كائناً ما كان الأمر، يبقى من نواقص الكتاب الكبرى) إنّما يوحي بأنّ فان دام يعامل النظام ككائن ناجز ومتخشّب لا يتأثّر حتّى بالعوامل «الخارجيّة» التي هي، في الوقت عينه، داخليّة جدّاً. فإذا صحّ هذا التقدير الذي ينسجم مع وصف الكاتب لجمود النظام الحائل دون أيّ تنازل أو مساومة، صحّ التساؤل عن اكتراث المؤلّف بدور التدخّل الخارجيّ واحتمالاته. وما يعزّز هذا الشكّ أنّه أوحى لقارئه، في عبارة أو عبارتين، بأنّ حصول التدخّل الكبير نفسه لن ينقذ سوريّة من التعفّن والتعفين الطائفيّين اللذين أحدثهما نظام البعث والأسد وكرّسهما.

علّة العلل
قصارى القول إنّ الأساس الحاكم للموضوع السوريّ هو الديناميّات الداخليّة للاجتماع السوريّ (والمشرقيّ عموماً). فللقمع الوحشيّ الذي مارسه ويمارسه النظام دوره المؤكّد، وكذلك للامتناع الغربيّ عن التدخّل، لكنّ هذين العاملين إنّما اشتغلا وأثّرا في مناخ التفتّت الهائل الذي أبانته الثورة بعد كبت تعبيريّ وسياسيّ مديد. وهذا ما يجيز القول إنّه إذا كان إسقاط النظام ضرورة مبدئيّة وأخلاقيّة وسياسيّة، بل إذا كان نظام كهذا محكوماً، من حيث المبدأ، بسقوط أوتوماتيكيّ لا بدّ أن يحصل ذات مرّة، فإنّ الانتقال إلى سوريّة موحّدة ومستقرّة وديموقراطيّة وعلمانيّة شيء آخر تماماً، شيء لا يتعلّق بالسياسة قدر تعلّقه بالاجتماع (وإن كان للسياسة البعثيّة – الأسديّة سهمها الكبير في تشكيل هذا الاجتماع). وهذا إنّما يعني ضرورة كسر الاجتماع المذكور المانع أيّ تغيير وأيّة ثورة، والذي هو الأمّ الولّادة للأسديّة ولكلّ شكل استبداديّ آخر، سابق أو محتمل في المستقبل، تماماً بقدر ما هو الأمّ المنجبة للحروب الأهليّة بوصفها مقبرة الثورات أو نهايتها «المنطقيّة».
صحيح، كما يقول الكاتب، أنّ الطوائف السوريّة لم تعد كلّها تنتمي حصراً إلى المناطق التي جاءت أصلاً منها، وأنّ الدمشقيّة باتت محطّ تقاطع بين سنّة دمشقيّين وكثيرين من غير السنّة ومن غير الدمشقيّين. وهذا ما يطرح، لدى أيّة إعادة نظر في أشكال الاجتماع القائمة في بلدان مضطربة كثيرة، صعوباتٍ جدّيّة ناجمة عن اصطدام عاملين: من جهة، الانخداع بالوطنيّة وبسوقها وتعليمها وما يصحب ذلك بالضرورة من هجرات داخليّة وتحوّلات ديموغرافيّة، ومن جهة أخرى، مضيّ النظام الاستبداديّ في سياسة إضعاف وتفكيك يوميّين لما هو متوافر من رابطة وطنيّة. هكذا يتحوّل اقتراب المواطن من مواطنه، في لحظات السلم الأهليّ السطحيّ، إلى تقريب للعدوّ من عدوّه في لحظات الانفجار وكفّ يد السلطة المركزيّة.
لكنّ الصعوبات، على ضخامتها، شيء، والاستحالات شيء آخر، فيما خريطة الاجتماع السوريّ إنّما تندرج، على ما يتأكّد يوماً بعد يوم، في الاستحالات. ويكاد نيكولاس فان دام يقول هذا غير مرّة في كتابه، إلّا أنّه لا يقوله لأنّه... لا يقال.

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top