فوّاز طرابلسي...تشي غيفارا: طوبي الانسان الجديد

10:25:00 م


يوم الثامن من تشرين الاول ١٩٦٧، بعد اسابيع معدودة على هزيمة حزيران ١٩٦٧، رجل كان قد اختفى يظهر فجأة. يقع في كمين نصبه له جنود النخبة في الجيش البوليفي، يؤطرهم ويقودهم ضباط اميركيون من «القبعات الخضر» و«السي آي إي». يعرّف بنفسه. تعطلت بندقية الـ «م ١» الاميركية الصنع التي كان يحملها وإلا لما امكنهم القبض عليه حيا. انا تشي غيفارا، قال الرجل المهزوم المريض الذي اشتدّت عليه وطأة مرض الربو. 
في اليوم التالي قتله احد الجنود برشق رصاص بأمر من القيادة.
عرض القتلة جثته. فذاعت صورته مسجى على ما يشبه مزود للماشية، تقول موته. شبه جون برجر الصورة بصورة المسيح المنزَل عن الصليب، وقارنها بلوحة «درس الشِراحة» الشهيرة لرامبرادت إشارة الى عميل «السي أي إي» يدلّ بأصبعه الصحفيين على جروح الشهيد تأكيدا على موته. الصورة الشاهد على موته، كانت المقدمة لاخفاء جثته. لكنهم إذ اخفوا جثته، اكدوا حضور تشي دون جسد. هكذا ولدت اسطورته. تحملها صورة أيقونية للمناضل ابن التاسعة والثلاثين ربيعا، مرسل الشعر، شبيها بالسيد المسيح، يعتمر «بيريه» عسكرية تتوسطها نجمة. تناقل العالم الصورة الايقونية ولا يزال. ولعلها الصورة الاوسع انتشارا والملصق الاكثر شعبية في اربعة عقود من الزمن. 
كأنها اربعون يوما لا اربعون سنة!
في بيروت، «يوميات بوليفيا» مترجمة الى الانكليزية تصل تباعا الى «دار الطليعة» على شكل برقيات من وكالة «برنسا لاتينا» الكوبية وبشير الداعوق يوزعها على كاتب هذه السطور وعلى منير شفيق للترجمة. 
وفي القاهرة، «غيفارا مات» في قصيدة احمد فؤاد. والشيخ إمام يصدح بصوته النحاسي مولولاً مثل ندّابات مصر.
الصورة والرجل.
الرجل. هي قصة شاب من ارجنتيني اعتزم مع رفيق له رحلة عبر اميركا اللاتينية حيث إكتشف «العروق الذبيحة» - حسب تعبير ادواردو غاليانو- لقارة باكملها تعيش البؤس والاستغلال اليانكي وعسف الدكتاتوريات المحلية. فقرر ان الظلم والاستغلال واللامساواة لا هي معطى طبيعيا ولا فريضة ربانية وليست قدرا مقدرا بأي حال. حمله القرار الى الشيوعية والتصميم على المساهمة في تغيير العالم. جاءت الفرصة عندما التقى «فيديل» الثائر الكوبي الخارج للتوّ من السجن بعد محاولة اولى لاسقاط الدكتاتور باتيستا، عميل للولايات المتحدة. فكانت مغامرة المركب «غرانما»، عندما «فيديل كاسترو واثنا عشر من رفاقه ومع الحرية هبطوا الى الشاطيء»، حسب تعبير بابلو نيرودا. 
من هنا تصير القصة معروفة الى حد كبير. يسهم الشيوعي الارجنتيني في صنع النصر إذ يقود احد فصيلين من الثوار، ثانيهما يقوده كاميليو ثينفويغوس، ويفرّ الدكتاتور. غيفارا القائد والوزير، يكاد يختصر بمسلك اوحد: القسوة على النفس لتقديم المثال على العمل والتفاني للآخرين. سوف يكون هذا دأبه كل حياته. اما بديله للرأسمالية فلم يكن بناء نظام اقتصادي آخر، وانما توفير الشروط لانتاج انسان جديد. هكذا كان يرى الى تغيير الحياة لا المجتمع، إن اردنا استخدام عبارة الشاعر آرتور ريمبو الموحية. هي رسالة حمّلها اهم مجموعة من كتاباته بعنوان «الاشتراكية والانسان». لم يكن ذلك الحالم ليكتفي بالنموذج السوفياتي وباشتراكية تقصّر عن تلك الرسالة الرؤيوية. اختلف مع الاكثرية العظمى من رفاقه خلال النقاش الذي اطلقه عن الانتقال الى الاشتراكية ودافع فيه عن الحوافز المعنوية لزيادة الانتاج، بديلا عن الحوافز المادية، وعن ضرورة الخروج تدريجيا من السوق والتخلي عن المال كمعيار للقيمة. كان ذلك الخلاف الايذان بضرورة المغادرة. تحت شعار اطلقه وتردد صداه في العالم اجمع: «يجب خلق اكثر من فيتنام واحدة» من اجل تشتيت قوى الامبريالية الاميركية والتخفيف من الضغط عن الشعب الفيتنامي البطل، اراد غيفارا الشهادة على ممارسة اممية من نوع آخر، لا تكون طاعة للاخ الاكبر او تضحية بالمصالح الوطنية والقومية على مذبح كوزموبوليتية عدمية ما. ومن اجل الشهادة على ذلك اللون من الاممية استشهد.
الصورة.
تعبير عن استيعاب رأسمالية الاتصالات والاستهلاك للقائد الثوري وتحوير صورته ورسالته؟ ام تعميم لما يمثله غيفارا اصلا ولا يمكن نزعه منه. غيفارا-الصورة والاسطورة يبث رسائل متعددة. لم يكن في وسع رأسمالية العولمة ان تدعو لنفسها بواسطة بيل غيتس او رئيس البنك الدولى مثلا؟ فحقيقة الامر ان التشي يلبّي حاجة عند الشباب الى مثال ما، الى نبرة اخلاقية، الى الحلم والتمرّد. عانى جيل الستينات والسبعينات من تخمة في الاحلام. وفوائض من الهزائم والانتكاسات. ويعاني الجيل الحالي من فقر احلام مثلما يعاني المرء من فقر دم. وفقر الاحلام مثل فقر الدم مفقد للمناعة. وصورة تشي هي تلك المناعة التي تعيد الاعتبار للحلم. 
لكن الايقونية الغيفارية لعبت دورا ادق بالنسبة للعدد الاكبر من ضحايا العولمة. فاذا صورته تأكيد على هوية، على انتساب الى مشروع يقول ببساطة ان الرأسمالية ليست نهاية التاريخ ولا سقف الطموح الانساني. 
لا معنى هنا لاعادة قراءة حياة وفكر ومماسرة غيفارا في ضوء الديمقراطية. على ما يحاول البعض الآن في تراث انطون سعادة او فرج الله الحلو. لم يكن غيفارا من دعاة الديمقراطية السياسية. وكان يتأرجح بين الديمقراطية القاعدية والديمقراطية الاستفتائية كالتي ظل يحاولها كاسترو في المهرجانات والتظاهارات العملاقة في ظل سيطرة الحزب الواحد وقمع المعارضات.
المؤكد هنا امر واحد. يمثل تشي النقيض من القيم التي تسعى العولمة لفرضها. ضد المادية والسباق المحموم على الارباح، يمثل الاخلاق والشفافية. في وجه نزعة الاستهلاك المنفلتة من كل عقال، يمثل قيمة العمل دأب العدالة. ضد الفردانية التنافسية العصابية الرهابية، هو الداعي الى الاخوة والتضامن بل الى انكار الذات والغيرية. وضد عولمة القهر والتهميش، يمكن اعتبار تشي اول دعاة العولمة البديلة.
بسبب رؤيويته هذه وتركيزه على اهمية الارادة والخيال، رفع تشي السياسة الى مستوى الفن. فن تغيير الانسان لنفسه ومن خلال ذلك تغيير الحياة ذاتها. وقد مارس هذا الفن على نفسه قبل اي كائن آخر.
الصورة فعل ايمان بالطاقات والامكانات غير المحدودة التي يملكها الانسان.
والرجل هو من ازال الحواجز بين القول والفعل. يقول ما هو فاعله ويفعل ما هو قائله. وهذا في زمن التباهي بأن «الكذب ملح الرجال».
وغياب تشي هو حضور قيمة المساواة. لا توجد حرية من دون مساواة والعكس أصح من الصحيح.
لهذا كله، التشي معمار آمال.
ولهذا لا يزال يشع نور من صورته.
السفير، ٧ اكتوبر ٢٠٠٧

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا