الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة



ترجمة وتقديم لطفية الدليمي 


كازو إيشيغورو Kazuo Ishiguro : روائيّ بريطاني يابانيّ المولد عرِف بحكاياته الغنائية المرهفة التي تحكي عن الندم المشوب بروح تفاؤليّة رقيقة وحاذقة.

ولد إيشيغورو سنة 1954 في ناغازاكي وغادرت عائلته إلى لندن سنة 1960 وهو في سنّ السادسة  مع أخته الكبرى فوميكو على أمل أن يعودوا بعد عام إلى اليابان لكنّهم آثروا البقاء في بريطانيا  ربّما هرباً من عار الهزيمة  ولأنّ  الحكومة البريطانيّة عيّنت والده كمختصّ بعلم المحيطات للعمل في بحر الشمال، ويعلّق إيشيغورو على هذا بقوله : "أهلي  أرادوا الإغتسال من العار والهزيمة بالمسافة والضباب  لكي لا يتهدّموا كجدران ناغازاكي"، وبعد عشر سنوات من وصوله إلى بريطانيا توفيّ جدّه في بيت العائلة القديم في ناغازاكي حيث عاشوا مجتمعين وكان الجدّ  يمثّل له الصلة الوحيدة باليابان، ولم يزر إيشيغورو اليابان إلّا مرّة واحدة  بمناسبة  صدور الطبعة اليابانيّة لروايته "بقايا  النهار" THE REMAINS OF THE DAY )،  ثم تجنّب العودة ثانية لأنّه خشي أن  (يقترف جريمة اكتشاف موت الجميع) كما صرّح مرّة  . حصل إيشيغورو على شهادة جامعيّة أوّلية من جامعة كنت عام 1978 ثم حصل على الماجستير من جامعة إيست أنكليا عام 1980 وعمل بعد تخرّجه في منظمّة خيريّة بريطانيّة تعنى بالمشرّدين وكان يستغلّ أوقات الفراغ المتاحة له في الكتابة .

أدهش إيشيغورو الناشرين البريطانيين وهو في الثالثة والعشرين عندما قدّم لهم روايته الأولى  "منظر شاحب للتلال"A PALE VIEW OF HILLS ) الّتي تحكي عن الذكريات الأليمة لإمرأة يابانيّة في حقبة ما بعد الحرب العالميّة الثانية ومحاولتها التعامل مع حقيقة إنتحار ابنتها، ويقول إيشيغورو عن ذلك:  "كان لدى الناشرين نهم عظيم  لهذا الطراز الجديد من النزعة العالمية في الأدب، وكان النقّاد توّاقين إلى إكتشاف جيل جديد  من الروائيّين بعد إستغراق المجتمع  لزمن طويل في روايات تتحدّث عن النظام الطبقيّ الإنكليزي وزنا المحارم والخيانة الزوجية وغيرها، أراد القرّاء جيلاً مختلفاً تماماً عن الجيل العجوز من الكتاّب البريطانيين".

حقّق إيشيغورو موازنةً بارعةً  بين جذوره اليابانيّة وتربيته ودراسته البريطانية  ولغته الإنكليزية وقد حبّبه هذا المزيج المثير من الثقافات إلى الناشرين البريطانيّين، ويخبرنا ايشيغورو عن ذلك: "منذ البدء قدّمت نفسي لهم  بوصف محدّد أثار إنتباههم: أنا ياباني لكنّي لاأعرف  اليابان معرفة عميقة، أنا من ناغازاكي لكنّي لست عميلاً  للموت".
آخر أعمال  إيشيغورو رواية "نوكتيرن"NOCTURNES )  2009 و"نوكتيرن" مصطلح موسيقيّ  يعني "ليليّات" وترجم البعض عنوان الرّواية إلى "لوحات ليليّة" وقد سبقت هذه الرواية روايته الضخمة  "لا تدعني أذهب أبداً NEVER LET ME GO ) التي حوّلت إلى فيلم سينمائي في 2009 ويتناول إيشيغورو في هذه الرواية الإشكاليّات الأخلاقياتيّة الّتي  تترافق مع الإرتقاء الإنفجاري للهندسة الوراثيّة. كتب إيشيغورو سيناريوهات سينمائيّة وتمثيليات للتلفزيون وكتب ولحّن أغنيات لمغنّية الجاز "ستاسي كنت" وحقّقت أسطوانتهما المدمجة المشتركة "فطور في ترام الصباح" أعلى مبيعات لآلبوم جاز في فرنسا. حقّقت رواية إيشيغورو  "بقايا نهار" شهرة عالميّة للكاتب وباعت في إنكلترا وحدها مليون نسخة، وفازت بجائزة البوكر البريطانية لسنة 1989، وحوّلت عام 1993 إلى فيلم سينمائي بطولة النجم  البريطاني اللورد أنتوني هوبكنز. حاز إيشيغورو وسام الإمبراطورية البريطانية  OBE وعلقت صورته  في 10 داوننغ ستريت  مقرّ الحكومة البريطانية، وتحدّياً لنفسه بعد هذا التكريس الرسمي أدهش القرّاء بروايته الكبيرة "من لاعزاء لهم" - و قد صدرت بالعربيّة سنة 2005 عن المشروع القومي للترجمة في  مصر - ، وهي رواية تعتمد إنهمارات تيّار الوعي  على مدى 650  صفحة وتبدو مشاهدها الملتبسة مربكةً أحياناً وثقيلة الوطأة ومملّة  وكأنّها  كابوس يتشظّى، وقد تعرّضت الرواية إلى هجوم  قاس من  بعض النقّاد الذين أربكهم أسلوبها  لكنّ نقّاداً آخرين تصدّوا للدفاع عنها ووصفتها أنيتا بروكنر: إنّها بحق رائعة إيشيغورو .

يعرف عن إيشيغورو إنتقاده اللاذع للنزعة العسكرتارية اليابانيّة ويقول في هذا الصّدد: "قادة اليابان وعجائزها الذين إستنهضوا  غريزة الحلم العسكري والتفوّق الشوفيني قادوا البلاد إلى الجحيم، وعندما إنتهت الحرب  إنصرف بعضهم لترميم الخراب فيما إنتحر البعض الآخر، جدّي رفض أن يصحبنا إلى بريطانيا، لم نقل له وداعاً، وهذه محنة عذابنا، كان لديه مفهوم آخر للأرض والوطن: حتّى الموتى يحمون الأرض من الرحيل  أو من التفكك! بقي جدّي شاهداً على أنّ ناغازاكي لن تزول، ولكن أليس جدّي واحداً من جيل العار ذاك ؟ ".

تلعب موضوعة الإنتحار دور ثيمة أساسيّة في اعمال إيشيغورو يقاربها بكثير من الرهافة غير المتوقّعة : ففي رواية "منظر شاحب للتلال" ينتحر (أغاتا)  وفي رواية "فنان من عالم عائم" ينتحر الرسّام العجوز، ويعلّق ايشيغورو: "لكنّ إنتحارهم  جاء متأخّراً جدّاً: كان عليهم أن ينتحروا ساعة  دقّت طبول الحرب فهم مسؤولون  عن إلقاء اليابان في  هوّة الجحيم".  يدين إيشيغورو في كلّ وقت  ذلك الجيل الذي تغنّى بالحرب ومجّد  الطيّارين الإنتحاريّين (الكاميكاز) ممّن ألقوا بأنفسهم وطائراتهم على سفن الحلفاء، ولم يكن هؤلاء المبتهجون بالحرب والموت يأبهون بأنّ آلاف الأمّهات  ثكلن بأبنائهنّ وماعدن  ينتظرن  عودة الإبن  المجنّد. يعلّق إيشيغورو: "هل يدري هؤلاء ماذا يعني أن تمضي الأمّ دون انتظار؟؟  معنى ذلك أنّنا نضع قنبلة موقوتة  في قلبها".


الحوار التالي  ترجمة لبعض الاسئلة المنتخبة مع إجابات إيشيغورو عليها وهي منقولة عن موقعين: الاوّل هو الحوار الذي أجراه موقع  ( BOOKBROWSE ) مع إيشيغورو ويمكن الإطّلاع عليه في خانة الحوارات في الموقع ، والموقع الثاني هو مجلّة (باريس ريفيو) المرموقة في عددها الصادر ربيع عام 2008 .

الحوار
*  لنبدأ من واحدةٍ من رواياتك الأحدث: لا تدعني أذهب أبداً . كيف بدأت في حياكة نسيج هذه الرواية؟
-  خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة واظبت على كتابة قصاصات تحكي كلّ واحدة منها عن جزء من قصّة حول مجموعة من الطلبة الإنكليز الذين يحيون حياة غريبة في بيت ريفيّ أقرب إلى بناءٍ متداعٍ في أطراف الريف الإنكليزيّ. لم أكن أعرف عن هؤلاء شيئاً بإستثناء أنّهم مجموعة غريبة من الطلبة الذين يتجادلون دوماً حول الكتب التي يقرأونها وبعدها ينغمسون في كتابة مقالةٍ ما، و كان ثمّة علاقات عاطفيّة تجمعهم و لم يرد ذكر لأيّة مدينة جامعيّةٍ و لا أستاذ في المشاهد الروائيّة المدوّنة على قصاصاتي !. إعتدت طوال حياتي على كتابة قصاصاتٍ مثل هذه ولو زرتني في مكتبي البيتيّ لرأيت على طاولة مكتبي الكثير من أمثال هذه القصاصات الورقيّة التي لا أعرف كيف سأجعلها تستحيل فكرة لروايةٍ يوماً ما. حصل مرّة أنّني كنت أستمع إلى المذياع و كان البرنامج الإذاعي يدور حول موضوع علميّ في التقنية الأحيائيّة و كان هذا إيذاناً لي لكي أغادر بعيداً فأنا لا أطيق أمثال هذه البرامج العلميّة و لكن حصل - و لدهشتي المفرطة – أنّني واظبت على الإستماع و قدحت في ذهني فكرة لِما سأعمله مع طلّابي المنزوين في كوخهم الريفيّ، وهكذا خرجت برواية بسيطة في نسيجها الروائيّ و لكنّها تحكي عن الحزن الذي يبدو سمةً أساسيّةً ملازمةً للحالة البشريّة . 


*  تعدّ روايتك هذه من الروايات الّتي تحكي عن البؤس الملازم للحياة الإنسانيّة DYSTOPIAN ، كما تحتوي على عنصرٍ من العناصر المشكّلة لروايات الخيال العلميّ التي تتنبّأ بالفتوحات العلميّة المستقبليّة  مثل (عالم جديد شجاع) (الرواية الأشهر بين اعمال ألدوس هكسلي ALDOUS HUXLEY، المترجمة ). هل راودك إغراء منذ بدء العمل في جعل روايتك هذه مستقبليّة التوجّه؟
-  لم أجد نفسي أبداً واقعاً تحت ضغط  الإغراء بكتابة حكايات مستقبليّة : أنا لست من مريدي أدب المستقبليّات ولا أحِبّ الكتابة عن تضاريس العالم المستقبليّ ولست امتلك ما يكفي من الطاقة في التفكير بالشكل الذي ستكون عليه السيّارات أو مقابض الأكواب في حضارتنا المستقبليّة بالإضافة إلى انّني لم أرغب يوماً بكتابة ما يمكن أن يفهم على أنّه نصّ يحمل شحنة نبوئيّة و كلّ ما ابتغيه دوماً هو كتابة حكايةٍ يمكن لكلّ فرد أن يجد فيها صدىً لجانبٍ من جوانب حياته. بالنسبة لروايتي يمكنني القول أنّ  ثمّة ملمح إنسانيّ مأساويّ بالإضافة إلى شئٍ من مذاق "الخيال العلميّ" يمكن أن نتحسّسه في الرواية ولكنّني لا أراها مستقبليّةً بالمعنى المهنيّ لأدب المستقبليّات وأراها تنتمي إلى ما يجوز تسميته روايات "التأريخ البديل" من مثل: ما الّذي سيكون عليه العالم لو أنّ هتلر ربح الحرب؟ أو كيف كانت صورة أمريكا والعالم ستبدو لو أنّ كينيدي لم يلاقِ حتفه إغتيالاً؟ إنّ روايتي تتحدّث ببساطة عن الشكل الذي كانت ستبدو عليه بريطانيا لو أنّ أمراً علميّاً أو إثنين حصلا بطريقة مختلفةٍ عّما حصلا به فعلاً. 

* هل تبدو لك تجربةً مدهشةً عندما تكتب من وجهة نظر أنثويّة ؟
-  لست أبه كثيراً لكون السارد في رواياتي شخصيّة أنثويّةً ، ففي روايتي الأولى المنشورة كان السارد امرأة. عندما كنت يافعاً أعتدت على الإستعانة بساردين من ذوي خلفيّاتٍ شتّى : كبار سنّ أو ممّن يقيمون في بيئاتٍ ثقافيّةٍ متباينةٍ عن بيئتي الثقافيّة ، و ثمّة الكثير من قدرة الخيال في تخليق شخصيّاتٍ روائيّة كهذه ولا أرى انّ الإستعانة بإمرأة في السرد يشكّل إستثناءً من هذا بل أرى أنّ المرأة أقلً تطلّباً من شخصيّاتٍ ساردة ذات مواصفات غير أنثويّة.

لم تزر اليابان مذ كنت في الخامسة  لكنّك كتبت عن اليابان . أيّ  طراز من اليابانيّين كان والداك؟
- والدتي كانت سيّدة مميّزة بين بنات جيلها  ولديها عادات وسلوكيات  سيّدات اليابان في عهد ما قبل نشوء الحركات النسويّة. عندما أشاهد افلاماً يابانيّة قديمةً  أجد ان تصرّفات النساء وطريقة حديثهنّ تشبه تصرفات  أمّي وأسلوب حديثها: النساء اليابانيّات كنّ يستخدمن لغة تختلف إلى حدّ ما عن اللغة   المتعارف عليها  لدى الرجال، أمّا في أيّامنا هذه فقد  زالت الفوارق وتمازجت لغتا الرجال والنساء، وقد فوجئت والدتي – عندما عادت لزيارة اليابان في الثمانينيات من القرن الماضي - وصعقت لدى سماعها البنات يتحدّثن لغة ذكوريّة!.  عاشت والدتي في مدينة ناغازاكي وعندما ألقيت القنبلة النووية  كانت تقترب من الثلاثين وهي الفتاة الوحيدة بين أربعة أخوة،  دمّر الإنفجار منزلها وتهاوت أجزاء منه  وأصابتها شظية من حطام الانفجار وبينما كانت  تتعافى في البيت من اصابتها كان افراد عائلتها يساعدون في إغاثة  الناس على الجانب الآخر من المدينة ، تخبرني أمي ان خوفها لم يكن من القنبلة النووية بقدر ما كان من الغارات الجوية المتتالية  وهم مختبئون في ملجأ المصنع  الذي كانت تعمل فيه، وكانوا  واثقين من الموت والقنابل تتساقط فوق رؤوسهم، أبي لم يكن يابانيا بالقدر ذاته فقد  نشأ في شانغهاي واكتسب ميزة صينية خاصة  وهي   مواجهة المصائب بابتسامة عريضة .

* لماذا انتقلت أسرتك إلى إنكلترا؟
- كانت في أول الأمر مجرد رحلة قصيرة ، وكان والدي يعمل اختصاصيا في علم المحيطات، دعاه رئيس المركز البريطاني لعلم المحيطات ليجرب اختراعه الذي يقيس حركة العواصف وتيارات المحيط ولم افهم قط ما يمثله هذا الاختراع، ثم علمت ان هذا المعهد قد اسس ضمن ضرورات الحرب الباردة وأحيط بالسرية التامة والتكتم والتحق أبي بالعمل في هذا الموقع السري في عمق الغابات ولم أزره فيه سوى مرة واحدة .

* هل كنت مولعاً بالقراءة في طفولتك؟
- قبل مغادرتي اليابان –كان هناك بطل خارق يدعى ( جيكو كامين ) حظي بشعبية واسعة وكنت اقف طويلا لدى بائع الكتب اتفرج على الرسومات التي تمثل مغامرات البطل في قصص الاطفال المصورة واحفظ تفاصيلها ثم اعود الى البيت وأقوم برسمها رسما دقيقا فتعمد امي الى خياطة الاوراق المرسومة لتجعل منها كتابا حقيقيا. وفي بريطانيا بدأت اقرأ كتب (انظر وتعلم ) المصحوبة برسوم كاريكاتورية وهي كراسات تعليمية للاطفال البريطانيين مملة وسخيفة .

* حققت النجاح منذ البداية مع اول عمل روائي لك ، ولكن هل ثمة كتابات من مرحلة شبابك المبكرة لم يقيض لها ان تنشر؟
- إثر تخرجي من الجامعة - وكنت أعمل في مساعدة المشردين غرب لندن، كتبت تمثيلية اذاعية وأرسلتها إلى محطة (بي بي سي)، رفضوا التمثيلية لكنهم كتبوا لي عبارات مشجعة ، كان عملا لم أشأ أبدا أن يطلع عليه الآخرون..

* ما الذي أغراك لكتابة تمثيليّة إذاعية ؟
- كنت قد بدأت افكر في مهنة مستقبلية بما أنني فشلت في أن اصبح موسيقيا بعد مقابلات عديدة مع منتجين موسيقيين ، فكرت بالكتابة للإذاعة، ثم بمحض مصادفة قرأت اعلانا عن دورة لتعليم الكتابة الابداعية يديرها الكاتب الشهير ( مالكولم برادبوري) في جامعة ايست أنجليا وغدت هذه الدورات اليوم شأنا شهيرا وراسخا لكنها كانت مثار تندرنا حينذاك ، واعتبرناها بدعة أمريكية مضحكة ، أخبرني احدهم ان الكاتب (إيان ماكوان) كان يرتاد هذه الدورة قبل عقد من الزمن ، فأغراني الموضوع لكن للحقيقة كان الإغراء الاول هو الحصول على منحة تمولها الحكومة لمدة عام كامل فقدمت طلبا للدورة ، واستأجرت لمدة شهر واحد كوخا منعزلا وسط منطقة ( كورنوال) كان مكانا مخصصا لمعالجة المدمنين، حسنا أريد ان اعلم نفسي مهنة الكتابة – كان ذلك سنة 1979 وبدأت افكر للمرة الاولى بالبناء الفني للقصة والتعرف على موضوعة (وجهة النظر) وكيف يسرد الراوي الحكاية، وعند انتهاء الشهر كانت بين يدي قصتان قصيرتان.

* هل كتبت تلك السنة في جامعة ايست أنغليا قصتك الاولى عن اليابان؟
- نعم، اكتشفت ان مخيلتي تتقد وتنشط عندما ابتعد عن الوسط الذي اعيش فيه، حاولت كتابة قصة تدور في لندن فكتبت عبارة واحدة (جئت من محطة مترو كامدن تاون الى ماكدونالد وهناك وجدت هاري صديقي في الجامعة) وتوقف القلم لم اعرف ما الذي سأكتبه بعدها، أما عندما كنت اكتب عن المكان النائي - اليابان فإن الكتابة تتدفق والقلم يمضي دونما توقف، كانت احدى القصص عن حادثة القاء القنبلة النووية على ناغازاكي وتروى من وجهة نظر امرأة شابة ، ولقيت اعجابا وتعاطفا كبيرين من الجميع ، قالوا : مادتك الخام عن اليابان مثيرة وممتعة جدا وسوف تجد لك موقعا في عالم الادب من خلالها ،وبعد الدورة وانا لم اكتب غير بضعة قصص اتصلت بي دار نشر ( فابر ) وابلغوني قبولهم لثلاث من قصصي في سلسلة التعريف بالقصة القصيرة .
كانت خطوة ممتازة على الطريق الصحيح ، وعلمت ان (توم ستوبارد) و(تيد هيوز) قد تم اكتشافهما بالطريقة ذاتها .

* هل حدث ذلك عندما شرعت بكتابة روايتك (مشهد شاحب للتلال)؟
- نعم وقد منحتني دار (فابر) مبلغا من المال كمقدمة عن اتعابي لأنجز الرواية في وقت محدد .

* ما الّذي يمكن عدّه نقطة شروعٍ في انطلاقتك لكتابة روايتك "بقايا النّهار"؟
- بدأ الأمر كلّه بمزحةٍ من جانب زوجتي : فقد كنت يوماً ما على موعدٍ مع صحفيٍّ لإجراء حوارٍ معه حول روايتي المنشورة الاولى ، وقد تساءلت زوجتي بدعابة وطريقة تلقائيّة : تصوّر كم كان الامر سيبدو مثيرا للسخرية لو جاءك هذا الصحفيّ وأمطرك بوابلٍ من الأسئلة المعقّدة والجادّة ثمّ قلت له انّك تعمل مدير الخدم في هذا المنزل ؟!! . ظننّا أنا و زوجتي أنّ هذه الفكرة مدهشة للغاية ومنذ ذلك الحين وأنا مهووس بفكرة كبير الخدم الذي صار لازمةً أساسيةً في أغلب رواياتي .

* عندما ركبت الطائرة للمرة الثانية في عمر الثامنة عشرة، إلى اين اتجهت رحلتك؟
- ذهبت إلى امريكا، كان ذلك طموحي منذ وقت مبكر جدا ، كنت مفتونا بالثقافة الاميركية ، جمعت مبلغا من المال من عملي في شركة لمنتجات الاطفال، في صيف1974 كنت على متن طائرة كندية كانت أرخص وسيلة للوصول إلى حلمي الاميركي، حطت بي الطائرة في مدينة فانكوفر، ثم عبرت الحدود عند منتصف الليل ولبثت ثلاثة شهور في أميركا ، كنت أتجول بدولار واحد كل يوم / في ذلك الحين كان لدى كل شخص موقف رومانسي إزاء هذه الأمور، وعندما تعود  تقوم بجرد حساباتك قبل ان تنام او تنهار من الإرهاق كل ليلة.

* هل كنت هيبيّاً يوماً ما؟
- أفترض انني كنت ، ولو ظاهريا ، شعر طويل مرسل وشاربان وغيتار وحقيبة على الظهر، ومن المفارقات اننا جميعنا كنا نخال انفسنا افرادا ذوي شخصيات فذة مميزة، وكنا نجوب الولايات بطريقة ( الاوتو – ستوب ) من طريق الشاطئ الباسيفيكي السريع حتى لوس انجلوس وسان فرانسيسكو ومعظم شمال كاليفورنيا.

* هل كان لك مظهر راعي بقر؟
- نعم الى حد ما ، فثمة شيء ساخر ووقح في اللكنة الاميركية .

*  يبدو أن هناك نموذجا أو مثالا كنت تغرم به في شبابك ثم تبدأ بمحاكاته ، هناك شرلوك هولمز وبوب ديلان ثم كيرواك؟
- في مراهقتي كان اهتمامي منصبا على كتابة الاغاني وهو مجال بوسعي ان اكون حقيقيا فيه دون ان اقلد احدا، لانني ساتعرض لازدراء رفاقي، فلا اجرؤعلى عزف الغيتار مقلدا بوب ديلان بل علي ان اكتشف قدراتي الغنائية الخاصة ،كنت ومعي اصدقائي ندرك تماما حقيقة كوننا بريطانيين، ولايمكننا مطلقا كتابة اغان على النمط الاميركي وعندما تقول "على الطريق" وهي رواية كيرواك – ستواجه تحديا في ايجاد معنى مكافئ في الانكليزية لهذه العبارة وتحس بمدى كونك بريطانيا فتتخيل طرقا رمادية ملتوية تحت رذاذ المطر تفضي الى الحدود الاسكتلندية التي يغمرها الضباب بدل ان تتخيل سيارة كاديلاك على الطريق الاسطوري الاميركي السريع !! .
* فيما يخصّ روايتك الأولى المنشورة: منظر شاحب للتلال، كيف تراها اليوم؟
- أنا مغرم للغاية بهذه الرواية ولكنّي أراها مدهشة وباعثة على الحيرة بذات الوقت: فخاتمة الرواية تبدو كأحجية PUZZLE ولا ارى اليوم فائدة ترتجى من الناحية الفنّية من وراء ترك الناس يغرقون في مستنقع أحجيات مربكة، ولكن على العموم كانت تلك تجربة أردت من ورائها مغادرة ماهو واضح تماماً إلى ماهو محيّر قليلاً، ولكن حتّى مع هذه الفكرة فإنّ الأحجية بدت غير مرضية زمن نشر الرواية .

* ما الذي كنت تبتغيه من وراء كتابة هذه الرواية؟
- كان السارد في هذه الرواية امرأة متوسّطة العمر ولها ابنة وضعت خاتمة لحياتها بالانتحار ، وقد أشرت إلى حادثة الانتحار مبكّراً في الرواية ، وبدلاً من أن تنغمس الساردة في الحديث عن فعل انتحار ابنتها فإنّها تلجأ إلى الانغماس في تذكّر إحدى صداقاتها الحميمة في ناغازاكي في أعقاب انتهاء الحرب العالميّة الثانية . كنت أرمي إلى جعل القارئ يتساءل : لماذا نقرأ عن ذكريات الساردة بدل الانغماس في أسباب و تداعيات الفعل الانتحاريّ ؟ و كيف تشعر أزاء انتحار ابنتها ؟ . كنت أتوقع أن يدرك القارئ منذ البدء أنّ تفاصيل الفعل الانتحاريّ ستروى في سياق ذكريات الصداقة الحميمة التي تحكي عنها الساردة.

* ما الذي بعث فيك الإلهام لكتابة روايتك الثانية: فنّان من العالم العائم AN ARTIST OF THE FLOATING WORLD التي تحكي عن رسّام بات مطارداً من قبل أفكاره الداعمة للعسكرتاريا الغاربة؟
- في روايتي الأولى "منظر شاحب للتلال" كانت ثمّة حبكة ثانويّة عن معلّم عجوز كان يريد إعادة مساءلة نظام القيم الذي تأسّست عليه حياته ، و قد فكّرت في هذه الحبكة و قلت سأجعل منها نقطة شروعِ لرواية جديدة عن فنّان تلوّثت حياته ببقايا أفكار نجمت عن معايشته لحقبة معيّنة في حياته . عندما أنظر اليوم إلى رواية "فنّان من العالم العائم" أراها قد قاربت هذه الثيمة: "أن تشهد خسران حياتك أمام ناظريك وأنت في عمر متقدّم بفعل مهنة ما امتهنتها من دون أن تسائل روحك: وماذا عن حياتي الشخصيّة؟. عندما يكون المرء شابّاً يشعر أنّ كلّ شيء ينبغي ان يوجّه لخدمة مهنة ناجحة له في الحياة و لكنّه مع السنوات يدرك أن المهنة هي جزء من لعبة الحياة وليست الحياة بأكملها.

* تبدو معجباً بـدوستويفسكي؟!
- نعم ، أنا معجب للغاية بدوستويفسكي وديكنز وجين أوستن وجورج إليوت وشارلوت برونتي وريلكي كولنز: كتّاب القرن التاسع عشر الرائعون الذين قرأت لهم أوّلاً و أنا طالب في الجامعة.

* ما الّذي تحبّه في هؤلاء الكتّاب؟
- أحبّ في هؤلاء الكتّاب أنّهم واقعيّون بمعنى انّ العالم الروائيّ الذي يخلقونه قريب بقليل أم كثير للعالم الذي نحيا فيه، كما يمكننا ان نستغرق في أعمالهم بسهولة كبيرة للغاية حدّ أن ننسى أنفسنا! ثمّة ثقة محبّبة في سردياتهم التي تستخدم وسائل وأدوات السرد التقليديّ من حبكة وهيكل وشخصيّات. أريد أيضاً البوح باسم كاتب أحبّه كثيراً: أفلاطون .

* ولماذا أفلاطون؟
- في الكثير من محاوراته السقراطيّة يتحدّث أفلاطون عن شاب يافع يتجوّل في الطّرقات ويرى في نفسه العليم بكلّ شيء ولكنّ سقراط يعمل على زعزعة اعتداده المفرط بنفسه، وقد يبدو هذا محبِطاً ولكنّه ينطوي على فكرة ثمينة: الأفكار الجميلة صعبة المنال دوماً. يحصل كثيراً أنّ أغلب الأفراد يؤسّسون حياتهم كلّها على معتقدات محدّدة وثابتة هي في الغالب خاطئة ومضلّلة وهذه بالضبط هي الثيمة الأساسيّة في كتبي الأولى: الناس الذين يتصرّفون وكأنّهم كلّيو العلم والمعرفة ولكن للأسف ليس من سقراط يكبح جماحهم ويلجمهم، فقد صار كلّ واحد منهم سقراطاً شخصيّاً لذاته.

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
مرصد © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top