موناليزا فريحة.. السعودية قبل الصحوة

10:49:00 ص


"السعودية لم تكن كذلك قبل 1979...السعودية والمنطقة كلها انتشر فيها مشروع الصحوة بعد عام 1979 لأسباب كثيرة لا مجال اليوم لذكرها، فنحن لم نكن بالشكل هذا في السابق"...هذا ما قاله ولي العهد. فماذا حصل في السعودية ذلك العام. وكيف كانت المملكة قبله؟ 
حركة جهيمان
 في 20 تشرين الثاني ١٩٧٩، اقتحمت مجموعة مسلحة من ٢٠٠ شخص الحرم المكي . كان أولئك الشبان بقيادة جهيمان العتيبي الذي أعلن أمام المصلين الذين احتجزهم أن زميله محمد عبدالله القحطاني الواقف أمامه، هو المهدي المنتظر، وأنه "خرج ليملأ الدنيا عدلاً بعدما ملئت جوراً".


هز ذلك التمرد الذي استمر أسبوعين العالم الاسلامي برمته. وبعد إصدار فتوى تبيح اقتحام المسجد الحرام بالأسلحة، اقتحمته قوة سعودية وسيطرت على الموقع وحررت الرهائن في معركة خلفت 28 قتيلاً من المسلحين ونحو 17 جريحاً من قوى الامن والمصلين. وأخرج الباقون بمن فيهم جهيمان الذين اعدم لاحقاً.
كان ذلك العام مفصلياً على صعيد التوجهات الدينية والسياسية في المنطقة لما حمله من تطورات. كانت "الثورة الاسلامية" تطيح حكم الشاه في ايران وتسعى الى نشر افكارها في المنطقة، وغزا السوفيات أفغانستان ليبدأ المجاهدون المسلمون حول العالم بالتجمع لصد ذلك العدوان. وفي السعودية، كانت تلك السنة بمعايير كثيرين انعطافاً في تاريخ المملكة.
فعلى رغم ردها بحزم على ذلك التمرد، لجأت السلطات الى تعزيز الروابط التي تجمعها مع المؤسسة الدينية السلفية التي تسيطر عليها المدرسة الفقهية الوهابية، ونالت شخصيات دينية سعودية مراكز اجتماعية متقدمة، وهو ما انعكس اغلاقاً لدور السينما والمسارح القليلة التي كانت موجودة في المملكة، إضافة الى تشدد حيال حقوق المرأة ودورها في المجتمع.


وتعززت في السنوات التالية قبضة السلطات الدينية، بما في ذلك هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي أوكلت إليها مهام تطبيق الأنظمة الاجتماعية الصارمة بالفصل بين الجنسين والحرص على وجود ولي الأمر في الكثير من التعاملات التي تحتاج اليها المرأة.
وبذلك، يعتبر البعض أنه أمكن القضاء على جهيمان جسدياً، ولكنه انتصر فكرياً وثقافياً، وأصبح الخطاب الديني المتعصب هو السيد في المملكة، حتى صارت إحدى أغنى دول العالم، الدولة الاكثر محافظة والوحيدة التي لا يحق فيها للمرأة قيادة سيارة، (قبل الامر الملكي الذي رفع الحظر في أيلول الماضي).
قبل جهيمان
 قبل حركة جهيمان لم يكن المجتمع السعودي منغلقاً، أو متعصباً، بل كانت أوجه التسامح تتغلب فيه على أوجه التعصب والموقف العدائي حيال الآخر المختلف.
 كان المجتمع السعودي دائماً مجتمعا مسلماً، يُمارس أفراده أركان الإسلام، ويعيشون حياتهم وفق تعاليمه، ولكنه لم يكن بهذا الحزم في قضية المرأة والاختلاط أو الفصل بين الجنسين. كما كان متقبلا لحرية الآخر الدينية طالما أنها لا تمس قناعاته وسلوكياته.


وتستعيد صحيفة "الوطن" اهتمام السعودية في الستينات بقطاع الفنون والثقافة واستضافة العديد من المطربين والعازفين العرب.
كانت الانطلاقة الحقيقية مع إنشاء التلفزيون عام 1965 في السعودية، ومعه تأسست فرق الدراما والمسرح والفلكلور والموسيقى والغناء وجمعيات الثقافة والفنون، كما نظم التيفزيون الرسمي حفلات لمطربين من مصر ودول عربية أخرى، إضافة إلى أمسيات لمطربين سعوديين.


وفي ذلك الوقت، اهتمت الأندية الرياضية بتنظيم الحفلات لكبار النجوم السعوديين والخليجيين والعرب، بينهم طلال مداح ومحمد عبده وعبدالحليم حافظ وأم كلثوم وفريد الأطرش، وغيرهم .
والمفاجأة الأهم أن السعودية لم يكن لديها مطربون فقط، بل مطربات أيضاً، ذاعت شهرتهن في الخليج، ومنهن صالحة حمدية، وبنات شافية، وابتسام لطفي حجية المكاوية، وغيرها .
وفي حوار قديم له مع الفنان سمير صبري ببرنامج "النادي الدولي"، قال عازف الكمان الشهير في فرقة أم كلثوم، أحمد الحفناوي: "كان هناك اهتمام كبير في السعودية بإنشاء معهد للموسيقى وفرق للتلفزيون، وانتدبت للعمل، وبالفعل ذهبت إلى هناك وأسسنا أول معهد للموسيقى، وعندما انتهينا فوجئت بالملك فيصل يطلب إنشاء فرقة من 80 عازفًا، وهو رقم كبير".
https://www.youtube.com/watch?v=QpQpsMw90R8
يضيف الحفناوي: " تم تدريب عدد كبير من العازفين وأحضرنا آخرين، وتأسست فرقة للتلفزيون السعودي وأوركسترا وفرقة للعروض العسكرية".
ويضم أرشيف التلفزيون السعودي برامج محمد حسين زيدان وعبد الرحمن الشبيلي والشيخ المسند والشيخ الطنطاوي والأيوبي والسباعي ومحمد بن شلاح المطيري، ومسلسلات، إضافة الى حفلات عبدالوهاب الدوكالي على المسرح في الرياض، وبرامج جاسم العثمان وحواراته مع حسين عبدالرضا وأبوبكر سالم.
كما يضم لقاءات مع فريد الأطرش وعبدالحليم حافظ ومطربين سعوديين وفنانين من مختلف الدول العربية.


منذ ثمانينات، صار كل ذلك من الماضي. وحظر بث الاغاني النسائية عن الشاشات السعودية. وعندما اطلت أم كلثوم على التلفزيون السعودي الرسمي ، شكل الامر حدثاً، وخصوصا مع اعلان القناة الثقافية السعودية في تغريدة على تويتر أنها ستعرض أغاني أم كلثوم أولا، على أن يتم عرض أغاني فيروز وأخريات في وقت لاحق. 
خالد المطرفي
 الصحافي السعودي خالد المطرفي يستعيد حقبة الاعتدال في السعودية من خلال نشأته في أسرة تدين بالاسلام المعتدل. ويقول لـ"النهار": "لم أعش المرحلة التي كانت فيها دور سينما ومسرح، ولكنني ولدت في أسرة تحافظ على الصلاة من دون أن تنشئ ارهابيين، وتحرص على مساعدة الاخر ايا يكن جنسه وملته.هذه هي السعودية قبل ما يسمى الصحوة".
أما حصل لاحقاً، أي بعد 1979، فهو مرفض لديه، وخصوصاً أن "الله لم يسلط الانسان على الانسان وهو تكفّل حماية الدين. القرآن الكريم مليء بالايات التي تحفظ ذلك". وهو يدرج المشاريع الاصلاحية للأمير محمد بن سلمان في سياق محاولات بناء الانسان السعودي من دون أن يبالغ في توقعاته، "فالسعودية لن تكف عن أن تكون مهد الاسلام ولن تتجاوز الانضباط وفقاً لشرعية الاسلامية"، ولكن "الدين الاسلامي هو دين الحضارة، وهو لا يمنع التطور ".


يبدو الصحافي السعودي واثقاً من قدرة السلطات السعودية على التزام الوعود التي تطلقها، ولا يخشى مقاومة كبيرة لها "فالسلطات لديها المعلومات والتقديرات التي لا وصول للانسان العادي اليها، وهي التأكيد تدرك نبض المجتمع وتوجهاته... المجتمع السعوي مجتمع شاب بغالبيته، جيل يعتمد على التكنولوجيا، ولم يعد يقبل بالجمود". باختصار، يقول إن "القطار انطلق ولا أحد سيوقفه".
عبدالله ثالبت
عن قراءته الشخصية للسعودية قبل السبعينات، يقول الروائي السعودي عبد الله ثابت لـ"النهار" أن "ليس هناك الكثير ليقال عن مجتمع ما قبل الصحوة. إنه المجتمع العادي والطبيعي، بأي مكان، بل ربما كان يتحلى بميزة نصف جيدة، أنه مجتمع في حالته الخام تماماً، ليس لديه أية خبرات ولا تجارب ولا اختبارات سياسية ولا تاريخية، لم يتعرض للاستعمار، وحتى المناطق التي كانت تحت النفوذ العثماني كانت في سياق ومفهوم تاريخي مختلف تماماً عن حالة الاستعمار. مجتمع السعودية ليس لديه ذكرى استقلال، لديه تاريخ وحدة. وبمعنى الكلمة كان كل شيء يحدث فيه للمرة الأولى".
في تلك الفترة كانت الحياة الاجتماعية تأخذ طابعها المستقر، بحسب ظروف المكان نفسه، مثلاً كان يوجد في جدة والطائف العشرات من دور وأحواش السينما.
في حواضر وقرى وأرياف الوسطى والشرق والجنوب والشمال كانت تعيش حياة منسجمة مع قيم إنتاجها. وحتى بعد اكتشاف النفط، والإثراء والتحولات التي مرت بها الدولة، بقي المجتمع الناشئ، إلى حد كبير يعيش في الامتداد الطبيعي لمكتسباته، وهي الحياة السوية التي توصف بمرحلة ما قبل الصحوة، أو ما قبل عام 79.

وفي مقارنة بين السعودية في تلك الايام والسعودية اليوم، يروي تجربة شخصية حصلت معه في السنوات الاخيرة، قائلاٍ: "ابنتي حين كانت في الأول الابتدائي، وهذا يعني أنها كانت في عمر الست سنوات، جاءتهم سيدة صباحاً، لتلقي محاضرة دعوية (محاضرة دعوية لأطفال في الابتدائية، بين السادسة والثانية عشرة من العمر) وعماذا حدثتهم؟ عن الأطفال الشهداء في سبيل الله، وليتها اكتفت بالكلام والنواح، بل عرضت لهم صوراً ومقاطع لاستشهاد أطفال في سنهم، وبالطبع لقطة محمد الدرة أولاً...إذا كان هذا ما يحدث للأطفال في الأول الابتدائي، فعليك الخيال بشأن البقية، يعني خذ من هذا وصعوداً".
 وفي رأيه أن "جماعات الإسلام السياسي، ومنذ أعوام الشؤم الثلاثة (79 - 80 – 81) أطلقت لهم الحبال، وكان هذا خطأ فادحاً. أما هم فبشكل متسارع، تغلغلوا في كل مفصل ومكان من واقعنا ومؤسساتنا، وتمكنوا في وقت قياسي، من أن يحصلوا على أكثر مما يريدونه، وعلى الفور سحقوا كل مظاهر الفرح والحياة والوجدان بما فيها حتى الفلكلورات الشعبية في أقاصي القرى، وصولاً لأدق التفاصيل اليومية بأيام الناس، استعملوا فتاوى المؤسسة الدينية،حرّموا كل شيء لا يجعل المجتمع في قبضتهم، زرعوا الريبة بين الأفراد والأسر، اقتحموا عفويات البيوت، في حواضر المدن والبوادي والريف، وفرقوا تكافلها البريء. اختفى كل شيء في غضون سنوات. صنعوا باقتدار فائق، عبر كل الوسائل التي كانت مفتوحة وموفرة أمامهم، نموذجهم كمثال قدسي أعلى، صاروا سلّم القوة الواحد والوحيد، وليس أمام من يريد أن يرتفع اجتماعياً إلا أن يترقى فيه، عبّدوا الطريق بكل امتيازاته، فصعدت شخصيات كانت مهمشة طبقياً، وشخصيات أخرى تاريخها حافل بالجهالات والسوابق، وشخصيات غيرها فاشلة ومنكرة اجتماعياً، وهكذا... الخ، وعبر هذا السلّم وجدوا أنفسهم أمام سيل هادر من المكاسب والامتيازات، وخلال وقت وجيز أصبحت هذه التركيبة بولائها المطلق، وبمنتهى السهولة، هي من يقود ويعيد تشكيل الحياة العامة لمجتمع ناشئ وبكر".


ونتيجة لذلك، يضيف: "تمكنوا بلا مقاومة من دك الحصون الأخيرة؛ الأغنية انسحبت من الشارع والتلفزيون، وأجيال الحياة السوية والذاكرة أدينو بالضلال والجاهلية واستدعوا للتوبة، الفنون بأهلها وأشكالها طوردت على مدار الساعة، وشُنت أخبث حملات التحريض والتكفير والسباب والمكائد وقطع الأرزاق، وأكثرها شراسة على المثقفين، وفي طليعتهم الأدباء. أما المرأة فهي أولى أولوياتهم بالطبع، محوا وجودها تماماً من الفضاء العام، وسيقت عليها أكثر مقولات التراث تعسفاً وتحقيراً واستغلالاً، ولم يكن مفاجئاً أن تنمو ظاهرة المرأة المعادية لحقها، لكل الترافع عن قهرهن، بل والتبشير به".
عام 1990 ومع الحرب الخليجية (غزو الكويت)، واتخاذ الدولة قرارها، ومزامنة خروج السيدات السبع والأربعين بسياراتهن، في تشرين الثاني من تلك السنة، استثمر كبراء الصحوة كل ما قد حققوه من المكاسب، لفرض سطوتهم المطلقة، وانقض أتباعهم كالجراد على ما بقي من مقاومة المجتمع وعلاقته بذاته ووجوده ومعناه، كان أصغر سفيه منهم، بسن المراهقة، يجول المدن والقرى والمنابر بالتكفير والتهديد والوعيد على أدنى شيء، ولم يكن هناك من أحد بوسعه أن يواجههم!
في سيرة هذا الاكتساح المطبق حدث أن ذهبت الآلاف من أرواح أبنائنا، سواء في أحزمة الداخل الناسفة، أو في ساحات القتال العدمي في أصقاع الأرض.
  بعد هذه المقاربة بين السعوديتين، يبدو ثابت متفائلاً بسعودية جديدة، معتبراً أن "هناك شيئاً حقيقياً وجوهرياً يتغير، هذه بلاد تنضم باندفاع وحماسة إلى مضمار العصر، سعودية اليوم هي المشاريع والاستثمار الذي تؤهله كبريات شركات المال المضمون، وهي أيضاً التي ستضطر شباب مواطنيها لخوض سباقات العالم".  
سعد البازعي
ومن جهته، يستعيد أستاذ آداب اللغة الانكليزية غير المتفرغ في جامعة الملك سعود سعد البازعي الفترات التاريخية المتفاوتة التي شهدتها السعودية والتي كانت سلسلة من الشد والجذب وصولاً الى الصحوة.
وفي تعليق لـ"النهار"، قال إن الصحوة لم تكن ظاهرة جديدة على التاريخ السعودي الذي يمكن القول إنه شهد سلسلة من الصحوات، وإن لم تكن بالعنف الذي شهدته حركة جهيمان وما تبعها.
منذ مرحلة التأسيس، كانت المملكة تتطلع الى التحديث واللحاق بركب التطور العالمي، ولكن كانت هناك ردود فعل من الاخوان، وهم جماعة من المتشددين الذين رفضوا التحديث، على أيام مملكة الحجاز قبل أن يهزمهم الملك عبدالعزيز.
ولاحقاً، عندما وجه الملك سعود بالسماح بتعليم البنات عام 1960 حصلت محاولات عدة لايقافه لكنه مضى في مشروعه وانخرطت الفتاة السعودية في التعليم النظامي، ثم سافرت بعضهن لمتابعة دراساتهن في الخارج. وأصبحت المرأة طبيبة ومصرفية وسيدة أعمال ومهندسة.


  ويقول البازعي إن الشد والجذب ومحاولات وقف المد التحديثي استمر حتى حصل ما حصل مع "حركة جهيمان"، والعنف الذي شهدناه في السنوات الاخيرة يتصل بتلك الحركة، وإن تمن برزت في السنوات العشرين الاخيرة مصادر أخرى للارهاب من خارج المملكة ب مع بروز القاعدة والارهاب. 
يبدو الاستاذ الجامعي متحمساً للمرحلة الجديدة والمسيرة التحديثية الجديدة، الا أنه يقر بأنها أكثر تعقيداً مما تبدو. ويقول: "الامير محمد بن سلمان لن يتساهل، وخطابه الاخير بدا نوعاً من التوقع لحركة رفض". ومع ذلك، يرى أن الوضع مختلف عما كان عليه ايام "حركة جهيمان"، إذ كانت هناك مخاوف من أن يكون للعنف صدى اجتماعي "ولكن حالياً تميل غالبية السعوديين الى الاعتدال، وحتى اذا حصل رفض لا أتوقع أن يكون بالحدة التي حصلت كنت تحصل سابقاً"، وخصوصاً في حقبة الثمانينات عندما حمل السلاح لقمع أي محاولات لما اعتبر خروجاً عن الدين.
عن النهار

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا