إعلان بلفور: وعدٌ أم وسيلة؟

1:35:00 ص



ثمار سايكس ـ بيكو والاستلهام التوراتي لخريطة فلسطين

فواز طرابلسي

Oct 28, 2017

 يروي هذا النص قصة «إعلان بلفور» الصادر في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر 1917، فيضعه في إطاره من وعود الحرب العالمية الأولى، والنزاع البريطاني- الفرنسي على الولايات العربية للسلطنة العثمانية. وتحلل هذه الصفحات الدوافع والمصالح والحجج وراء ما سمّي «أغرب وثيقة انتجتها حكومة في تاريخ البشرية»، وأثر تطورات الحرب، واتفاق سايكس – بيكو، على صياغة الرسالة؛ قبل ان تناقش عدداً من التفسيرات النمطية الرائجة للإعلان. والنص مسودة غير نهائية، وجزء من كتاب يصدر مطلع العام القادم عن اتفاق سايكس – بيكو وإعلان بلفور.
  بإطلالة العام 1917 كانت التصريحات البريطانية قد بدأت تتنصّل من اتفاق سايكس – بيكو. وصف سايكس الاتفاق بأنه مجرد مشروع وضعه جورج – بيكو ولا يمكن للحكومة البريطانية قبوله دون تعديلات عميقة. وفي آب/أغسطس نَعتَه بإنه «إجراء رجعي» نظرا للتطورات الجارية، بل «أنه اتفاق ميت وزائل وكلما أسرعنا في شطبه كلما أحسنّا فِعلا». (Barr, 60 Sykes, 304). وردّ لويد – جورج على حجة الأحقية الفرنسية في حماية الأماكن المقدسة في فلسطين بالقول إن بريطانيا أقدر على حماية الأراضي المقدسة من أي كان، وجزم بأن موضوع فلسطين الفرنسية «ليس وارداً أصلا». (Mansfield, 18). وعن اتفاق سايكس – بيكو أكد أنه «غير قابل للتطبيقً»، وقال في خلاصة الأمر إن بريطانيا هزمت الإمبراطورية العثمانية منفردة «وبريطانيا ينبغي أن تنال حصة الأسد من الغنائم». (Barr, 64). مع ذلك ظل آرثر بلفور يكرّر أن بريطانيا سوف تحترم اتفاقية سايكس – بيكو.
سوف تحمل تطورات ذلك العام على صعيدي الميدان والتنافس البريطاني- الفرنسي تعديلات جذرية للاتفاقية والخريطة المبنية عليها، أكان لجهة مصير كامل فلسطين أو الموصل أو المملكة العربية. وسوف يتأكد ما تخوّف منه جورج- بيكو عندما أبلغه سايكس قبل ذلك بعامين (في 13 آذار/مارس 1915) عن نيّة بريطانيا «تقديم فلسطين لليهود»: لم يخطئ الفهم بأن «تقديم فلسطين لليهود» يعني استحواذ بريطانيا عليها، فردّ قائلا «لن توافق فرنسا أبداً أن تصير فلسطين بريطانية». (Cloarec,153).

الاتصالات الأولى
في العام 1914 كان أول اتصال صهيوني مع الخارجية البريطانية. أجراه ناحوم سوكولوف، عضو المكتب التنفيذي للمنظمة الصهيونية في برلين، مركز قيادة المركزية الصهيونية حينها، ومسؤول العلاقات الخارجية فيها. رفض الأمين العام لوزارة الخارجية، سير آرثر نيكولصُن، لقاءه فتولى الأمر سكرتيره الخاص إيرل أونصلو. لم يتطرق الحديث إلى موضوع كيان يهودي في فلسطين. استمع المسؤول البريطاني إلى المبعوث الصهيوني يحاول اقناعه بمصلحة بريطانيا «أن يزيد عدد العنصر اليهودي في البلد المجاور لمصر» وأن يبلغه بتأسيس المنظمة الصهيونية لما يزيد عن 12 مستعمرة زراعية في فلسطين. انتهى اللقاء عند هذا الحد. في أيلول/سبتمبر، طلب سوكولوف مقابلة ثانية فأبلِغ بتقديم طلباته في مذكرة خطية.(Schneer, 109-110 ).
في نهاية ذلك العام، التقى حاييم وايزمان عددا من المسؤولين البريطانيين، منهم هربرت صموئيل، أول يهودي يدخل الوزارة البريطانية وقد دخلها العام 1914، ثم التقى آرثر بلفور ودافيد لويدـ جورج مطلع العام 1915. وقد سبق لوايزمان التعرف على الاثنين، الأول بما هو النائب المحافظ عن مدينة مانشستر، حيث كان وايزمان يدرّس في جامعتها؛ والثاني بما هو وزير للذخائر في حكومة الحرب اتصل بوايزمان للإفادة من اختراعه مادة الآسيتون التي يمكن استخدامها كبديل ناجح عن البارود في المتفجرات.
قبل نهاية ذلك العام قدّم صموئيل مذكرة إلى الحكومة تطالب بضم فلسطين إلى الإمبراطورية البريطانية مع إعطاء اليهود أفضلية في الهجرة إليها «بحيث ينمو الشعب اليهودي مع الوقت ليصير أكثرية ويستوطن الأرض فيُمنَح، ويُتنازل له، عن درجة من الحكم الذاتي تبررها ظروف تلك الأيام». (136 Schneer,).
في 13 آذار/مارس، اجتمعت حكومة أيرل آسكويث لبحث صيغة ملطّفة من مذكرة صموئيل عنوانها «مستقبل فلسطين» وقد قدّم لها الوزير بملاحظة أن اندلاع الحرب مناسبة لتغيير في «موقع فلسطين». وإذ لاحظ أنه من المبكر الحديث عن دولة يهودية مستقلة، فإن دمجها في الإمبراطورية البريطانية سوف يكون هو الحل الذي سيلقى الترحيب الشديد من قادة الحركة الصهيونية وجمهورها عبر العالم، فيعزز من سمعة الامبراطورية ويأتي بنتيجة إيجابية للإمبراطورية البريطانية، دون اضطرارها إلى تجريد ألمانيا من مستعمراتها وإثارة حرب انتقامية؛ ويعزز دفاعات مصر. وقد استعرضت المذكرة البدائل فعارضت ضم فلسطين إلى فرنسا، واستبعدت التدويل، الوارد في اتفاق سايكس – بيكو ، لأنه يضع فلسطين تحت سلطة غير واضحة، أما ضم فلسطين إلى مصر فيخلق تعقيدات، لكن التخلي عن فلسطين لتركيا لقاء ضمانات للاستيطان اليهودي لن يحسّن كثيرا من الوضع. وخلص صموئيل إلى أن «فلسطين بريطانية» هي وحدها الحل للمسألة اليهودية في أوروبا وسوف يكون لها الأثر الأبرز على «شخصية» يهود العالم ويكون من شأنها ان تثري العالم أجمع. (راجع  Bowle 168).
جرياً على الاستلهام التوراتي، وعلى الخريطة الأولى لفلسطين (1878)، حددت مذكرةُ صموئيل حدودَ فلسطين من دان شمالا إلى بير سبع جنوبا، وارتكزت حجتها إلى أن دعم إنشاء «مستعمرة يهودية شرقي السويس… سوف يسمح لبريطانيا بأن تحرم فلسطين على قوى منافسة قد تهدد سيطرتها على قناة السويس انطلاقاَ من الأراضي المذكورة». ( Barr, 32)  ودعت المذكرة إلى أن يُسمَح للحكم البريطاني في فلسطين بأن «يعطي تسهيلات للمنظمات اليهودية في شراء الأراضي وإنشاء المستوطنات وتنظيم الهجرة والمساعدة على التطور الاقتصادي، بما يمكّن اليهود من أن يصبحوا أكثرية في البلاد». (الشريف، أيار 2016).
لم تلقَ مذكرة صموئيل من يؤيدها داخل الحكومة، باستثناء لويد- جورج. عارضها إدوارد غراي، وزير الخارجية، ولم يتحمّس آسكويث لها الذي علّق قائلا إن لويد- جورج هو الوزير الوحيد الذي أيّد المذكرة لا لأنه يكترث قيد شعرة لليهود، ماضيهم أو مستقبلهم، لكن لأنه يستفظع ترك الأماكن المقدسة في يد «فرنسا المتشككة والمُلحدة، أو تحت حمايتها»(Lewi, 2009: 84). مهما يكن من مقدار الصحة والدقة في تفسير آسكويث لدوافع لويد- جورج، يجدر التذكير بأن مكتب المحاماة التابع له «جورج، روبرتس وشركاؤهما» كان وكيل الدفاع عن مشروع الدولة اليهودية في أوغاندا.
لكن أبرز معارضة لمذكرة صموئيل، جاءت من نسيبه إدوين مونتاغيو، مستشار دوقية لانكستر(1). كتب مونتاغيو، وهو من دعاة اندماج اليهود في المجتمع البريطاني، في تعليقه على المذكرة مستخفاً بأهمية فلسطين في حماية مصر، مشيراً إلى أن المنطقة المهمة لبريطانيا هي بلاد الرافدين، ومضيفا أنه لا يتصور أن اليهود سوف يعملون بالزراعة أو الرعي في فلسطين أصلا. على أن النقطة الأهم في مداخلة مونتاغيو هي نفيه أن اليهود يشكلون شعبا أو أمة، وتأكيده على أن قيام دولة يهودية في فلسطين سوف يهدّد مصير جميع اليهود خارجها. (Schneer, 146) .عدّل صموئيل من مذكرته بعض الشيء فاخذ يتحدث في الجلسات الحكومية عن إنشاء «كومنولث» – وهو تعبير عتيق يحتمل عدة معان: جماعة ذات مصالح مشتركة، كيان حكم ذاتي، دولة، الخ – وعن مساواة العرب باليهود، مضيفاً أن موضوع الدولة لن يطرح إلا بعد أن يتم استيطان عشرات الألوف من اليهود في فلسطين.
من كان ميالاً إلى فكرة وطن قومي لليهود من السياسيين البريطانيين في تلك الأيام كان لا يزال يناصر مشروع ثيودور هرتزل بانشاء مستعمرة يهودية في أوغاندا. ومعروف أن معارضة حاييم وايزمان لذلك المشروع، وتركيزه على فلسطين بصفتها «أرض الميعاد»، من بين عوامل صعوده في الحركة الصهيونية.
«إعلان بلفور» أم «إعلان سايكس»؟
قليلاً ما يذكر أن أبرز العاملين على استصدار إعلان بلفور هو مارك سايكس. يسمّيه ڤيريتي «مهندس إعلان بلفور» ويزيد: «مع شيء من التشديد وبعض المبالغة ربما نستطيع الحديث عن إعلان سايكس». (Vereté, 66).
تجدد البحث في موضوع الدولة اليهودية في نهاية العام 1916 مع مجيء لويد- جورج إلى رئاسة الحكومة وآرثر بلفور إلى وزارة الخارجية. وكان لويد- جورج اتخذ قراره باحتلال فلسطين فيما بدأت الجيوش البريطانية تطهير سيناء من الأتراك في تشرين الثاني/نوفمبر من ذلك العام. (بار، 34ـ35). في مطلع العام 1915، انطلقت الحملة التركية بقيادة جمال باشا، الآمر على سوريا وقائد الجيش التركي الرابع، الذي أقسم وهو يغادر لتسلّم مهمته الجديدة، بأنه لن يعود إلى اسطنبول إلا بعد دخول القاهرة. بمعاونة من قائد الأركان الألماني كريس ڤون كريسنستاين، شنّت القوات التركية هجومها الأول لاحتلال القناة مطلع1915، فحشدت القواتُ البريطانية لمواجهتها وحداتٍ هندية وأسترالية بقيادة الجنرال موراي وأفشلت الهجوم الأول. وكان آخر هجوم للقوات التركية في صيف 1916 بعده، اضطرت إلى التراجع أمام الهجوم المضاد للقوات البريطانية التي بدأت تطهير سيناء من الأتراك في تشرين الثاني/نوفمبر 1916 ووصلت إلى العريش في كانون الأول/ديسمبر 1916 ما شكّل خاتمة الوجود التركي في سيناء. وكانت الدبلوماسية البريطانية قد أخذت الموافقة الفرنسية على العملية العسكرية البريطانية في فلسطين، والافتراض أنها سوف تتم تحت سقف إدارة دولية لفلسطين كما في اتفاق سايكس- بيكو.  وتشير كافة الدلائل إلى العلاقة الوثيقة بين نمو الاهتمام الرسمي البريطاني بالسيطرة على فلسطين وتوطين اليهود فيها وتصاعد العمليات العسكرية على جبهة السويس.
باشر سايكس محادثاته مع القادة الصهاينة في ربيع العام 1916، بعيد توقيع اتفاق سايكس – بيكو، علماً أن الاتفاق لم يأت على ذكر أي مصالح لليهود في فلسطين. عُقِد أول اتصال له مع  اللجنة السياسية للمنظمة الصهيونية، في تشرين الأول/أكتوبر من العام وإتفق فيه على الآتي:1) إنشاء شركة يهودية مأذونة لها حق استخدام ما يمنحها إياه التاج البريطاني في فلسطين؛2) بسبب قلة عدد السكان المحليين وفقرهم وضعف تربيتهم على التقدم السريع، لا بد من إدخال عنصر جديد وتقدمي عليهم [هو العنصر اليهودي] مع حماية حقوق «الأقليات» [والسؤال هو: من هم الأقليات في هذه الحالة؟]؛3) الاعتراف بقومية يهودية منفصلة في فلسطين ومشاركة اليهود في الحكم الذاتي المحلي، وتوليهم الحكم الذاتي اليهودي في الشؤون اليهودية؛4) الاعتراف بمؤسسات الاستيطان اليهودية في فلسطين وتكريسها (John, 11). لم يصل هذا الاقتراح إلى أعمال الحكومة في ظل رئاسة آسكويث.
(1) منصب وزاري بريطاني، يقع من ضمن صلاحيات المستشار إدارة الممتلكات الملكية في دوقية لانكستر. تقع صلاحية تعيين لمستشار لدى الملك/ة بناء على نصيحة من رئيس الوزراء. وهو عادة ما يخدم بما هو وزير من دون حقيبة.
(يتبع)

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا