كافكا: العجز الجسدي عن الكتابة، والحاجة الداخلية لذلك

9:44:00 ص

ترجمة: خليل الشيخ

هذه النصوص تتكلم عن نفسها، وهي قاتمة ومفرغة من الهواء، وحقيقية جداً. ولكنها على الأقل – بالنسبة للكاتب المليء بالعجز والجفاف الأدبي –  تشكل نوعا من العزاء. يكفيك أن تعرف بأنه خلف الأعمال العظيمة التي قرأناها لكافكا، تكمن هذه الحقيقة، حقيقة الروح المسحوقة الساعية أبدا خلف لحظة “الكتابة” الفائقة.

الساعة العاشرة، لن أدع نفسي تصاب بالإرهاق. سأغمس نفسي في أقصوصتي. حتى لو مزقني ذلك الوجه (15. تشرين الثاني.1910).

إنني كمن قدّ من حجر، إنني أشبه النصب التذكاري لقبري، حيث لا فجوة للشك أو الإيمان، للحب أو الكراهية، للشجاعة أو الخوف، للعام أو الخاص. فهناك أمل غامض، لكنه ليس أحسن حالا من النقوش على النصب التذكارية للأضرحة.

إن معظم الكلمات التي أكتبها لا تنسجم مع بعضها بعضا، إنني أستمع إلى الحروف الصامتة وهي تحتك ببعضها على نحوٍ صفيحيّ، وإلى الحروف الصائتة، وهي تغني وكأنها زنجيّ في المعرض. إن شكوكي تحيط مثل الدائرة بكلّ كلمة، هذه الشكوك التي كنت أراها فيما مضى كالكلمة، إذ كيف يمكن لي أن أراها؟ إنني لم أرَ تلك الكلمة قط. لقد اخترعتها، وقد كادت تكون المصيبة الكبرى، لكن يتوجب عليّ أن أخترع كلمات تكون قادرة على نفخ رائحة الجثث في اتجاه لا يصيبني مثلما لا يصيب القارئ مباشرة.

عندما أجلس على طاولة الكتابة فإنني لا أشعر بالراحة، كمن يقع في ذروة الحركة في الأوبرا فتنكسر ساقه. (15. كانون الأول. 1910).

إن كوني أنحّي جانبا ما كتبته هذا العام وأنني أشطبه أمر يعيقني في الكتابة كثيرا، إن ما كتبته بحجم الجبل، ويبلغ خمسة أضعاف ما هو موجود هنا. وقد استطاع بوفرته أن يخترق ما أكتبه، وأن يجذبني مع ريشتي إلى ناحيته. (17. كانون الأول. 1910).

الساعة الحادية عشرة والنصف ليلا، أما أنني لم أستطع التحرر من مكتبي، وأنني بكل بساطة ضائع، فهي مسألة واضحة لي تماما قبل كل شيء. إن المسألة تتمثل في الاحتفاظ برأسي عالية ما أمكن حتى لا أغرق. ما أصعب ذلك! وكم من الجهد يتوجب علي استخراجه من أعماقي. لقد قمت بتنظيم جديد لوقتي، فقد مكثتُ من الثامنة حتى الحادية عشرة ليلا من دون انقطاع على مكتبي ومن دون أن أعد ذلك كارثة كبرى، فقد كتبت هذه السطور على عجل لأذهب إلى السرير. (18. كانون الأول. 1910).

لقد تأملت للتو مكتبي على نحوٍ دقيق، فاكتشفت أنه لا يمكن لعمل خيّر أن يحدث فوقه. ففي هذا المكتب تتكدس الأشياء وتصنع فوضى غير منظمة، تعوزها ألفة الأشياء غير المنظمة التي تجعل من الفوضى أمرا مقبولا. (24. كانون الأول. 1910).

إن سعادتي وقدراتي وكل فرصة يمكن أن أكون فيها نافعا تكمن منذ وقت طويل في الجانب الأدبي لدي.. إنني لا أكرس نفسي كاملة للجانب الأدبي كما ينبغي أن أفعل. ويرجع ذلك إلى أسباب متعددة، فبصرف النظر عن علاقاتي العائلية فإنني لا أستطيع أن أعيش من الأدب، وذلك لبطء تشكل أعمالي، ولطبيعة تلك الأعمال المميزة، كما أن صحتي وطبيعة شخصيتي تحولان بيني وبين ذلك التكريس، وتمنحاني في أحسن الأحوال حياة غير مؤكدة. لذا صرت موظفا في إحدى شركات التأمين، وهاتان مهنتان لا تتوافقان، ولا تمنحاني سعادة مشتركة، فالسعادة القليلة في واحدة منهما تغدو سوء حظ كبير في الأخرى، ولو حدث أن كتبت شيئا جميلا ذات مساء، فسأحترق في المكتب في اليوم التالي، وأغدو من ثم غير قادر على إنجاز ما كتبت على الإطلاق. إن التمزق بين هنا وهناك يغدو أكثر سوءا، ففي المكتب يكفيني أن أنجز واجباتي الخارجية، أما واجباتي الداخلية فلا، وكل واجب داخلي لا يتم إنجازه يتحول إلى تعاسة دائمة. (26. آذار. 1911).

إن لدي اعتقادا تعيسا يتمثل في أنني لا أمتلك الحد الأدنى من الوقت لإنجاز عمل جيد. لأنني لا أملك في واقع الأمر وقتا لإنجاز قصة كما ينبغي أن أفعل، فنفسي موزعة في الاتجاهات كلها. لكنني أكون أكثر إيمانا بأن رحلتي ستغدو أفضل، وأنني سأغدو أفضل إدراكا، إذا ما ارتحت من خلال الكتابة، وهذا ما سأحاوله من مرة ثانية. (20. آب. 1911).

إنني أؤمن أن سبب الأرق هو أنني أكتب، وكلما غدت كتاباتي قليلة ورديئة أغدو حساسا، من خلال هذه الاهتزازات القليلة، وأشعر عند اقتراب المساء وحتى في الصباح، بإمكانية حدوث آلام واقتراب اللحظة الكبرى التي ستغيّرني، وتجعلني قابلا لكل شيء. ولا أجد الراحة في هذا الضجيج الذي يملأ أعماق حياتي، والذي لا أملك الوقت للسيطرة عليه. وفي النهاية يتحول هذا الضجيج إلى إيقاع ضاغط ومقيّد، يدعني حرا، ويملؤني تماما، ويوسعني، وما زال يملؤني.. في النهار يساعدني العالم المرئي، أما في الليل فهو يمزقني من دون إعاقة. (2. تشرين الثاني. 1911).

إذا كنت قادرا على أن أكتب شيئا كبيرا شاملا، محكم البناء من بدايته إلى نهايته، فإن هذا الشيء لن يكون في خاتمة القصة قادرا على الانفصال عني على الإطلاق. (5. تشرين الثاني. 1911)

اجعل اليوميات أكثر إحكاما منذ اليوم! اكتب بانتظام! لا تستسلم! حتى لو أتى الخلاص الذي أرغب أن أكون جديرا به في كل لحظة. (25. شباط. 1912).

لم أكتب شيئا منذ مدة طويلة، سأبدأ غدا، وإلا فإنني سأدخل ثانية في حالة من القلق الممتد غير القابلة للتوقف. (9. تموز. 1912).

كم من الوقت يستغرق مني نشر الكتاب الصغير، وما مقدار الاعتداد بالذات الضار السخيف الذي يتشكل بعد قراءة أشياء قديمة بعين من يريد نشرها؟ ذلك ما يصرفني عن الكتابة. وإن كنت لم أستطع أن أصل في الواقع إلى شيء، والاضطراب هو أفضل برهان على ذلك، لذلك يتوجب علي أن أبقى بعد نشر الكتاب، بعيدا عن المجلات والمراجعات النقدية أكثر من قبل، إذا لم أرد أن أظل مكتفيا بلمس الحقيقة برؤوس أصابعي. (11. آب. 1912).

كتبتُ قصة “الحكم” من دون توقف ليلة الثاني والعشرين حتى ليلة الثالث والعشرين، منذ العاشرة لي إلى السادسة صباحا. ولم أكن قادرا على سحب ساقي المتصلبتين من تحت الطاولة جراء هذا الجلوس. وكان الإرهاق الفظيع والبهجة اللذان تابعت من خلالهما تطور القصة أمامي يشبه التقدم على الماء. كنت أحمل في أثناء تلك الليلة ثقلي الذاتي فوق ظهري مرات عديدة. كيف يمكن أن يقال كل شيء، وكيف يبدو أن ثمة نارا عظيمة تنطفئ وتتوهج من جديد، بانتظار كل شيء، بما في ذلك الخيالات الشديدة الغرابة.. بهذه الطريقة وحدها يمكن الكتابة، وبمثل هذا القدر من الانسجام، وبمثل هذا التفتح الكامل للجسد والروح. (23. أيلول. 1912).

أمنع نفسي بالقوة عن الكتابة، أتقلب على السرير، احتقان الدم في جمجمتي، والجريان العديم الفائدة للأشياء. (25. أيلول. 1912).

أدون في أثناء قراءتي لتجارب “الحكم” الطباعية كل العلاقات التي بدت واضحة لي في القصة، بقدر ما أستطيع أن أتذكرها. وهو أمر ضروري لأن القصة خرجت مني على نحو شبيه بالولادة الحقيقية، مغطاة بالقذارة والمخاط، وأنا وحدي من يمتلك اليد القادرة على اقتحام الجسد. (11.شباط.1913).

.. العجز الجسدي عن الكتابة، والحاجة الداخلية لذلك. (2. أيار. 1913).

إن وظيفتي لا تطاق لأنها تتعارض مع الأدب، وهو طموحي الوحيد ومهنتي الوحيدة. إنني لا شيء سوى أدب، ولا أستطيع أن أكون غير ذلك، ولا أرغب في ذلك أيضا. (21. آب. 1913).

إن كل الأشياء تقاوم عمليّة كتابتها. (20. تشرين الأول. 1913).

أقرأ في دوستوفيسكي الموضع الذي يذكرني بتعاستي. (14. كانون الأول. 1913).

أمس: كنت عاجزا عن كتابة كلمة واحدة، واليوم ليس أفضل. من سينقذني؟ ولا أحد يكاد يرى ما يصطرع في أعماقي، إنني شبكة حية، شبكة تقف بصلابة وترغب في السقوط. (8. نيسان. 1914).

لم أكد أكتب في خضم هذا العجز المطلق أكثر من صفحتين، فأنا أشعر بالنكوص التام هذا اليوم، على الرغم من أنني نمت جيدا يوم أمس. لكنني أعلم أنه لا يجوز لي أن أذعن، إذا كنت أرغب في تجاوز الآلام العميقة للكتابة، وكبح جماح تأثيرها في طريقة حياتي، وأرتفع إلى الحرية التي قد تكون في انتظاري. (1. أيلول. 1914).

شهوة كبرى أن تبدأ قصة جديدة لا أن تنهار. كل شيء عبث. هل أستطيع أن أطارد القصص عبر الليالي، فهي تنفجر ثم تتلاشى. (4. كانون الثاني. 1915).

يبدو أنني لا أستطيع أن أخترق العالم، لكنني أستطيع أن أتمدد بهدوء، وأن أستقبل، ليتسع هذا الذي استقبلته في داخلي، ولأخطو من ثمّ بهدوء. (20. كانون الثاني. 1915).

إنني عاجز ومجدب كالعادة، ولا أملك الوقت – حقيقة – للتفكير بأي شيء آخر، بقدر تفكيري في كيفية تشكل السؤال، وفي أن أحدا ما ليست لديه إلا رغبة وحيدة في أن يتلمسني بإصبعه الصغير. (24. كانون الثاني. 1915).

مقدار ضخم من التعاسة في التدوين الأخير، السير في طريق الهلاك. هكذا أذهب إلى الهلاك فاقدا للمعنى، وزائدا عن الحادة. (27. أيار. 1915).

الخوف المتزايد عند الكتابة ذلك أمر مفهوم، فكل كلمة في أيدي الأرواح – إن اهتزاز الي هي الحركة المميزة لها – تتحول إلى رمح ينطلق صوب المتكلم، وعلى وجه الخصوص صوب الملاحظات كهذه، على نحوٍ لا ينتهي. أما العزاء فهو: أن ذلك يحدث شئت أم أبيت، أما ما تريده فلا يساعدك إلا على نحو ضئيل. وأكثر من العزاء هو: أنك تمتلك سلاحا أيضاً. (12. حزيران. 1923).

من يوميات فرانز كافكا (1910 – 1923)، تحرير ماكس برود، ترجمة وتقديم خليل الشيخ، صادر عن هيئة “أبو ظبي للثقافة والتراث”.

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا