فخرية صالح عن سركون بولص

1:42:00 ص


سركون مازلت لا استطيع الكتابة، وعنك بالذات منذ يوم ودعتك بطبع قبلة على جبين وجهك البارد جدا جدا في مستشفى فريدريشهاين حيث وقف مؤيد خارجا فهو لايستطيع توديعك هذه المرة الاخيرة، وكلنا حتى اولادي غير مصدقين ان صوتك وضحكاتك وحضورك الانساني الجميل قد ذهب الى الابد
انتظارعشر سنوات ياسركون لن تستطيع ان تكتب عنها اخر قصائدك ولا عن مؤيد الراوي الحبيب 
اريد ان احدثك عن سفر مؤيد الطويل المضني كما هو سفرك
قصيدة لبابلو نيرودا ترجمها سركون بولص
المدخل
يالهُ من قَرنٍ طويل!
تساءلنا: متى ينتهي؟
متى يسقط رأسيّاً
في الكثافة، في المتاهة؟
في الثورة التي عبدناها؟
أو في الأكذوبة
البطريركية كاملة الصفات؟
لكنّ ما هو أكيدٌ
هو أننا لم نعشه أبداً
كما كنّا نريد.
كان يتعذّب دائماً.
كان دائماً يُحتضر. يبزغُ في الفجر ويدمى بعد الظهيرة.
يمطر في الصباح، وعند المساء يبكي.
اكتشفت الحبيبات
أنّ لكعكة الزفاف جراحاً
كما بعد استئصال الزائدة الدوديّة.
تسلّق الرجال الكونيّون
سلّماً من نار
وعندما لمسنا أقدام الحقيقة
كانت قد انتقلت إلى كوكب آخر.
تطلّعنا إلى بعضنا كارهين:
أشدُّ الرأسماليين دناءةً لم يعرفوا
ما العمل:
كانوا قد تعبوا من المال
لأنّ المال كان قد تعب
والطائرات تُقلعُ من دون ركّاب
وما من علامةٍ على الركّاب الجدد.
كنّا جميعاً ننتظر
كما في محطات القطار، في ليالي الشتاء:
كنّا ننتظر السلام
فجاءت الحرب.
لا أحد كان يريد
أن يقول شيئاً
الكلُّ كان يخاف التورّط:
بين الشخص والآخر كبرت المسافات
وصار التنافُر بين الاصطلاحات من الحدّة
بحيث كفّ الجميع عن الكلام
أو أخذوا جميعاً يتكلّمون دفعةً واحدة.
عندما سقطت القنبلة
(البشرُ، الحشراتُ، الأسماك
أُبيدت كلّها) فكّرنا بالرحيل
حاملين صرّةً صغيرة، 
باستبدال كوكبنا وجنسنا.
أردنا أن نكون خيولاً، خيولاً بريئة.
أردنا أن نغادر هذا المكان.
بعيداً، بعيداً من هنا.
لم تكن الإبادةُ وحسب
لم يكن الموت وحده
(رغم أن الخوف كان خبزنا اليومي)
بل أن لا نقدر على الحركة
بقدمين أثنتين.
لقد كان ثقيلاً، 
هذا العار
في أن نكون بشراً
كالذين دَمَّروا ومن أبادوا.
ومرّةً أخرى، مرّةً أخرى.
كم من المرّات، إلى متى؟
الكلابُ وحدها بقيت تنبح
في العلوّ الريفيّ للبلدان الفقيرة.
هكذا كان نصف القرن صمتاً
والنصف الآخر، كلاباً تنبح
في ليل الأرياف.
مع ذلك، لم يسقط النابُ المرير
وظلّ يصلبنا.
فتح لنا باباً، تبعناهُ إلى الداخل
وهو يشعلُ ثقاباً مثل مذَّنب، 
وعندما أغلق الباب
ضربنا في البطن بعقب بندقيّة.
أطلقوا سراح سجين
وعندما رفعناه على الأكتاف
ابتلع السجنُ مليونَ سجين آخر
وخرج مليون آخر من المنفيّين، 
ثمّ دخل مليونٌ إلى الأفران
وأُحيلوا إلى رماد.
إنا في مدخل الباب، أغادر
وأستقبلُ القادمين الجدد.
قصائد مناخنا
I
ماءٌ صافٍ في وعاء برّاق، 
شقائق أرجوانيّة، وبيضاء، الضياء
في الغرفة أقرب ما يكون إلى الهواء الثلجي، 
إذ يعكس الثلجَ. ثلجٌ حديثُ السقوط
في نهاية الشتاء عندما تعودُ الأماسي.
شقائق أرجوانيّة وبيضاء ـ إنّ المرء
ليرغبُ في أكثر من هذا، إن النهار ذاته
قد بُسِّط: وعاءٌ من البياض، بارد، 
من الصينيّ البارد، خفيضٌ ومدوَّر، 
ليس فيه شيء آخر سوى الشقائق.
II
قُل حتى لو أن هذه البساطة الكاملة
جرّدت الواحد من كلّ عذاباته، وأخفت
الأنا شريرة التراكيب، الحيويّة
وجعلتها طازجة في عالم من البياض، 
عالم من الماء الصافي، برّاق الحواف، 
فإن المرء سيرغب في المزيد مع ذلك، .
سيرغبُ في المزيد، 
أكثر من عالم من العطور البيضاء والثلجيّة.
III
سيبقى هناك العقل الذي لا يستريح
بحيث أن الواحد سيريدُ أن يهرب، أن يعود
إلى ما تمَّ تأليفُه حتّى الآن.
الناقصُ جنّتُنا.
لاحظ أن المسرّة، وسط هذه المرارة، 
طالما أن الناقص يشتعلُ هكذا فينا، 
إنّما تكمنُ في الكلمات النافلة والأصوات العنيدة.
ولا حضورك، 
خسارة;
جحيمي ليست أسوأ من جحيمك
رغم أنك تعبر بين الأزهار
وتكلّمُ الأرواح فوق الأرض.
VI
في مواجهة الأسود
لديّ حُميّا أكثر ممّا لديك
في ذلك المكان المنوَّر المجيد، 
في مواجهة السواد
والرماديّ الكابي
لديّ نورٌ أكثر;
والأزهار، 
لو أنني أخبرتك، 
لاستدرتَ عن طرقاتك الأليفة
نحو الجحيم، 
لاستدرت ثانيةً وتطلّعت إلى الخلف
وكنتُ سأغرقُ في مكانٍ
أكثر رعباً من هذا.
VII
لديّ على الأقلّ أزهار نفسي، 
وأفكاري، مامن إله
يمكنه أن يَحرمني من ذلك;
لديّ حُميّا نفسي
لتكون حضوراً، وروحي
لتكون الضياء;
وروحي في خسرانها
تعرفُ هذا، 
رغم أنها صغيرة
في مواجهة الأسود، 
صغيرة في مواجهة الصخور عديمة الشكل، 
على الجحيم أن تنشقَّ قبل أن أضيع;
قبل أن أضيع، 
على الجحيم أن تنفتح كزهرةٍ حمراء
ليعبر الموتى.

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا