أحمد سعداوي... ما هو الفنتازي وما هو الواقعي؟

7:28:00 ص


أتذكر من قراءاتي التراثية تلك الحوادث العجيبة التي يرويها إبن قتيبة الدينوري في كتابه "الامامة والسياسة"، ومنها ما وجده موسى بن نصير بعد ان عبر البحر الى أرض قبائل الوندالوس "أرض الاندلس". وكيف عثر على جرار مدفونة، وبعد ان كسرها، اكتشف أنه حرّر جنّاً محبوسين فيها منذ زمن سليمان النبي.


كذلك الأمر في كتب تراثية وتاريخية تجمع الحوادث والنوادر الغريبة والعجيبة، وكتب السير.
ذلك الأسد الذي ظهر لصهيب غلام النبي أثناء ضياعه عن القافلة العائدة الى المدينة المنوّرة. فصاح به صهيب: استحلفك بما تعبد لا تؤذني فأنا غلام النبي، فرد الأسد: لا تثريب عليك!!

.
بشكل عام يبدو الفنتازي مثل خرق للمألوف الواقعي، ولكن ما هو الواقعي أصلاً؟!
إن الكثير من الموروث الديني والشعبي، والقناعات الاجتماعية العامة نتصرّف معها على أنها وقائع، لكنها في جوهرها مخلوقات ميتافيزيقة وفنتازية.

.
أنت تعرف، باعتبارك انساناً مثقفاً ومتنوّراً أنه لا وجود لـ"الطنطل"، وأنه من منتجات الخيال الاجتماعي الشعبي، ولكن، ماذا لو أن الجميع من حولك تصرّفوا على أنه موجود؟!
هو غير موجود، كائن خيالي فنتازي تماماً، ولكنه يؤثر في سلوك الآخرين، ويصنع وقائع على الأرض، وما هو أكثر طرافة: أن هذه الوقائع تؤثر عليك أنت [انت الذي لا تؤمن بالطنطل].

.
حياتنا الواقعية، في مجتمعاتنا الشرقية على الأقل، مليئة بالكائنات الفنتازية والميتافيزيقة، ورغم أنها غير موجودة إلا أنها تساهم في صناعة الوقائع، وتؤثر على سلوك وأفعال الناس المحيطين بك، وبالتالي يساهمون في تشكيل "الواقع".
.
ما سوى الكائنات الفنتازية، هناك قماشة أوسع، هي السلوك غير العقلاني، فالإنسان بصورة عامة، مهما بلغ من الواقعية والعقلانية، يبقى خاضعاً لمجموعة من الأوهام الشخصية عن الذات وعن الآخرين. مجموعة من التنبؤات غير العلمية لما يمكن أن يحدث غداً، رغبات وآمال وأحلام، كلها تؤثر على الحكم المنطقي الذي يمكن أن نتخذه.
.
ما دمنا نتصل بالواقع من خلال "تصوّراتنا عن الواقع" ولا يوجد [علمياً على الأقل] قدرة على الاتصال المباشر مع الواقع، فإن كل واقع نتحدث عنه يبقى مشوباً وملوثاً بـ"اللا واقع" أو الواقع الموازي أو المفارق. 
هناك دائماً شريحة خيالية شفافة بيننا وبين الواقع الذي نحاول رصده.
.
بالنسبة لي لا أستطيع الفصل بين الخيالي والواقعي، الخيالي بكل انعكاساته "الفنتازية والميتافيزيقة".
دائماً هناك ظل لـ"طنطل" ما على جدار الواقع!
.
الصورة: أحد أغلفة رواية المسخ لكافكا.
عن الفايسبوك

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا