هلال شومان... حول قضية زياد دويري: أين وصلت السياسة في لبنان؟

12:02:00 م

حول قضية زياد دويري: أين وصلت السياسة في لبنان؟

صورة: حول قضية زياد دويري: أين وصلت السياسة في لبنان؟
دائمًا ما أتناقش مع أصدقائي الفلسطينيين في تفاصيل ماهية التطبيع. بيننا «أخذ وعطا». نتحدَّث في مدى «موضعية» حركة الـBDS التي تقارب اللا سياسة، وفي ضرورة وجودها في الوقت عينه.
يخبرونني عن أزمات فلسطينيي الداخل وعن توقهم لزيارة بيروت. يفيض آخرون منهم عن كون أزمات فلسطينيي الداخل أزمات «كماليات» قبالة الخنق اليومي للحياة في غزة. نتكلَّم في مدى كون الثقافة نفسها واحدة من الكماليات أو في كونها فعلًا يخوض في الممنوع ضمنيًا ويدفع تجاه ما ليس متاحًا. يتطرقون للتنسيق الأمني. أخبرهم عن عدم فهمي لسبب وسم مهرجان ثقافي في فلسطين بـ«التطبيع»، في مقابل السكوت عن مهرجان آخر.
نتحدَّث عن استخفافنا بالأعمال التي يصفها صناعها بـ«الانسانية»، متخففين من  لفظ «السياسة»، وعن كرهنا للأعمال التي تدعي التسيّس، بينما هي خطاب ما بعد حدثي واعظ وآمن حفظناه بتكرار الأحداث.
عوضًا عن النقاش المؤسِّس عن الهوية الجامعة، تُستحضر مزاجات وطنية مع كل فاجعة تتسبب بها ميليشيا من ميليشيات تحالف الحكم، ثمَّ يتمدد المزاج إعلاميًا وشعبيًا بشكل يقبض القلب
قبل الخوض في حديث التطبيع «اللبناني»، يجب إيضاح بضعة أمور. اتَّجه لبنان نحو اللا سياسة منذ زمن. ضمرت السياسة في الـ12 عامًا الماضية على دفعات. في لبنان، المسألة مقلوبة. السعي لوجود دولة هدفه استعادة السياسة وإخراجها من منطقها العصابي. وهو سعي إن توقَّف عند الحد الذي توقًّف عنده مع نهاية الحرب الأهلية (أي إيقاف النقاش الفعلي عن هوية البلد وعدم الخوض في نقاش ماهية الأمة/الشعب اللبنانيين)، فسينتهي إلى ما انتهت إليه الدولة حاليًا: تجمعاتٍ لتوافقات عائلية وحزبية ومذهبية ومصرفية تتفاوت بحسب ميزان القوى ومع قوة منع طاغية يحوزها حزب مسلح.
عوضًا عن النقاش المؤسِّس عن الهوية الجامعة، تُستحضر مزاجات وطنية مع كل فاجعة تتسبب بها ميليشيا من ميليشيات تحالف الحكم. ثمَّ يتمدد المزاج إعلاميًا وشعبيًا بشكل يقبض القلب، أولًا لأن المزاج المفروض يفتقد للأصالة، وثانيًا لأنها علامة إضافية على مزاج النكران الطاغي لماهية توازن الحكم، وثالثًا لأن هذا المزاج يتَّسم بعنف كامن وهستيريا عنفية (ولو كلامية) لا معقولة. لذا ينتهي الأمر في لبنان، لأن يصير الخطاب الميليشياوي رافعةً للخطاب الوطني، ولأن يبدوَ أكثر الخطابات تماسكًا.
تل أبيب كما تظهر في فيلم الصدمة لزياد دويري
لهذا لم يكن مستغربًا أن تقف كل الميليشيات و«شعوبها» ومثقفيها وصحافييها قبالة حركات صغيرة مضيئة، مثل مظاهرات «النفايات» أو خوض مدنيين لتجربة الانتخابات البلدية، إما بالتخوين أو بالهزء أو بالاصطفاف والتحالف المواجه. في لحظة حدثية واحدة، وعند أول احتكاك فعلي لهذه الحركات بالسياسة، أمكن للمنظومة أن تصطف في نمط عصابي واحد، وأن تهضم الحدث.
في لبنان، يمكن لعضو مؤسِّس في حملة المقاطعة أن يتهم، هو والحملة، كاتبًا مشهورًا بكونه أحد أبرز مرسيي السرديات الفلسطينية الروائية، بـ«التطبيع»، وأن تبقى دار النشر التابعة لعائلة العضو تنشر للكاتب رواياته في نفس الوقت. يمكن للعضو المؤسِّس نفسه «تخفيف» حدة اتهامه لإدوارد سعيد (مقارنة بمتهمين آخرين) بـ«التطبيع»، لتعاونه مع موسيقي إسرائيلي، وأن تبقى الدار، بالطبع، تنشر كتبًا لسعيد.
أما الصحف، فأين نبدأ من الصحف؟ من واقعة تقلُّب صفحة ثقافية بين اتهام سينمائيين مصريين بالتطبيع في مهرجان كندي، وبين إسباغ الوطنية عليهم بعد يوم أو يومين؟ أو من كون العمالة حصرية لرئيس تيار سياسي، بينما يُطنَب المديح لوزير إعلام من التيار السياسي نفسه، بوصفه منقذًا للصحافة الورقية، فقط لأنه يقترح أن تدفع الحكومة 500 ليرة لبنانية عن كل عدد ورقي للصحف اللبنانية؟ من واقعة قرار رئيس تحرير الصحيفة أن محمود درويش «مزق تاريخه»، وطلبه منه مواصلة اللحاق بالصبايا اللواتي لم يحصل عليهن، فقط لأنه قرر الذهاب إلى حيفا؟ من أين نبدأ؟
هذا مدخل بسيط يشرح كيف تخرِّب مجموعات ثقافية وصحافية، بشكل مؤسساتي، الثقافة، عبر اعتمادها الخطاب الوطني النفعي. هذا المدخل ليس تهربًا من النقاش، ولا هو مقدمة للدفاع عن زياد دويري، المخرج حامل الجنسيتين اللبنانية والفرنسية، والذي صودر جوازا سفره في مطار بيروت ليوم، بعد عودته من مهرجان البندقية حيث عرض فيلمه الجديد «قضية رقم ٢٣»، واستُدعيَ للمحكمة العسكرية، وأُفرِج عنه.
مشهد من فيلم الصدمة
لقد قيل كل ما يجب قوله، قانونًا وأخلاقيًا وفنيًا وسياسيًا، خلال السنوات الماضية، عن ذهاب المخرج لتل أبيب وإقامته فيها، وتصوير فيلمه السابق «الصدمة» عام ٢٠١١ مع طاقم عمل فلسطيني إسرائيلي مشترك. كُتِب أيضًا الكثير عن مضمون فيلمه السابق، أو في الردّ على المتوازية اللا معقولة للفن والسياسة، ويبدو أن المخرج يحسن صنع الأفلام أكثر من الكلام أو تبرير أفعاله. لكنَّ استدعاء القضية والنقاش الآن بمثابة تنمُّر غير مفهوم سيخمد بفعل توازنات سياسية/مصرفية يحتمي بها المخرج نفسه.
كلما فُتِح موضوع التطبيع أفكِّر في الأسئلة التالية:
١- هل تخدم مقاطعة هذا العمل فلسطين والفلسطينيين؟
٢- هل أكون، بإعلاني لموقفي، جزءًا من حملة سياسية محلية، أكثر من كوني مفيدًا للقضية الفلسطينية؟
٣- هل أشارك بموقفي هذا في الدفع نحو إقصاء أو عنف عصابي يسهل حدوثه أصلًا في لبنان؟
٤- هل يفتح العمل محل المقاطعة الباب أمام سابقة يمكن تكريسها بالتتابع، وتضر بالقضية الفلسطينية؟
٥- ما جدوى مقاطعة الأعمال التي تمكن مشاهدتها على الانترنت؟
٦- هل يندرج العمل محل المقاطعة ضمن سياق مؤسساتي ثقافي/مالي لتطبيع وجود «إسرائيل»؟
تتفاوت الإجابات عندي في كل مرة، ويختلف الموقف باختلاف السياق. لكني، ورغم تفاوت إجاباتي، أشعر بوجوب ضبط النفس وعدم الركون لموقف عنفي لفظي أو إقصائي من جهة، وعدم الانزلاق إلى ذلك الاستقطاب الذي يستسهله لبنانيون في الضفة المواجهة  لحملة المقاطعة، عبر كلامهم عن تحضُّر «إسرائيل»، وعن «عزل الفن عن السياسة» وعن « خلصونا بقى!». ما أفكِّر فيه أولًا  هو أصدقائي الفلسطينيون، ولا يعنيني الخطاب الوطني في لبنان ولا الخطاب المواجه.
أمّا ما حدث مع قضية زياد دويري، فهو أنه جرى القفز من فعل المقاطعة، للمطالبة بالمحاسبة، للدفع نحو المنع الضمني لعمل فني جديد، لاحتجاز مؤقت لشخص بعد خمس سنوات من الفعل الأساسي، عبر مناشدة السلطات الأمنية، ومن ثمَّ توجيه التحيات لهم، وإعلان الانتصار. والمطلوب؟ اعتذار! كل هذه «الهمروجة الصحافية» كانت من أجل اعتذار. أي مشاهد للأخبار اليومية في لبنان، يمكنه إدراك مدى سماجة مثل هذا الطلب.
غريب أن تُبنى حملة مقاطعة دعمًا لفلسطين على توجيه مناشدات وتحيَّات للسلطات الأمنية، ومستهجَن أن تلعب الصحافة اللبنانية دور «المخبر الأمني» تحت عناوين مثل «المحاسبة» و«الخطاب الوطني».
أما فيلم دويري الجديد، والذي زُجَّ به بعد أشهر من الأخبار عن صناعته في هذا الصراع المستعاد، فيبدو أنَّه جزء من صراع سياسي داخلي، سواء عبر موضوعه أو عبر تمويله المصرفي (القواتي). رغم كل ذلك، يبقى مكان الفيلم الصالات، ويبقى مكان النقد (لا الإخبارات الأمنية) الصحف. ويمكن بعد المشاهدة تحديد إن كان الفيلم الجديد هو خطوة ثانية في مسار «سياسي» بدأه صاحب «ويست بيروت» مع فيلم «الصدمة» قبل سنوات، أم أنَّ ما شهدناه في الأيام الماضية كان محض نكايات على الطريقة اللبنانية المعتادة.
يبقى سؤالان أساسيان في ما حدث: أين صارت السياسة في لبنان؟ وهل هذا بالفعل ما تبقى من الصحافة اللبنانية؟

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا