الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة


بعد اكثر من ثلاثة عقود على صدوره، يتكشف كتاب «الاستشراق» لادوار سعيد عن مفارقات كبرى. مع السنوات اكتسب الكتاب حياة قائمة بذاتها، منفصلة عن حياة مؤلفه وعن تطوره الفكري. بل اكثر من ذلك. جرى اختزال تراث ادوارد سعيد بكتاب واحد وتكاثرت القراءات لرائعته بالضد من استدراكاته وتصحيحاته ومؤلفاته اللاحقة. هكذا صودر فكر ادوار سعيد لحساب ثلاثة تيارات. الاول، هو الاتجاه الغالب على الدراسات المسماة «بعد كولونيالية » في جامعات اوروبا والولايات المتحدة. الثاني، هو الاصولية – الاثنية والقومية والدينية العربية والاسلامية – التي شاءت ان تقرأ في نقد سعيد للاستشراق تبشيرا بضرورة العودة الى «إصالة» مهجورة او مهجنة ودفاعا عن هوية «شرق» متمايز جوهريا عن «الغرب». التيار الثالث فيضم تيار من يمكن تسميتهم حديثي نعمة الماليين والثقافيين من عرب ومسلمين، يعيشون في الغرب او يبحثون عن اعتراف «الغرب» بهم، اختزلوا فكر ادوار سعيد الى نقيق احتجاجي على الكيفية التي يجري بها تشويه «صورة» العرب والمسلمين في «الغرب». 
هذه المقالة نتاج اعادة قراءة لكتاب «الاستشراق» تمت بعد ثلاثين سنة على صدوره. تدفعني النظرة الجديدة المتفحصة لهذا السفر الاستثنائي الى التساؤل النقدي للاستخدامات المجزوءة والمتغرضة المذكورة اعلاه بالاعتماد على عمليتين. الاولى، وصْل ما انقطع بين كتاب «الاستشراق» ومؤلفه ليعود الكتاب لاحتلال موقعه في تطور سعيد الفكري والثقافي. والثانية، اعادة وضع ادوارد سعيد نفسه في مكانه وزمانه من انتمائه الآخر، انتمائه العربي. وإختم بالقاء الضوء على جهد ادوارد سعيد النقدي الفكري بما هو فعل ترجمة.
اللحظات الثلاث في فكر سعيد
سار تطور ادوارد سعيد بطريقة جدلية، او طباقية، كما يحلو له ان يسميها، في لحظات ثلاث لم يكن الانتقال من الواحدة الى الاخرى مجرد سير في خط مستقيم وانما استلزم تحولات وتصحيحات وعمليات إعلاء وتجاوز غالبا ما استدعت الانتقال من اشكالية ومنهجية الى اخرى. 
اللحظة الاولى: نقد الاستشراق 
«الاستشراق» (١٩٧٨) مؤلف كبير، مكتوب باسلوب حصيف ومعقد، اكتسب شهرة عالمية فصار يشكو مما تشكو منه الروائع العالمية بعد ان اعترفت به وسائل الاعلام وتبنته الحياة الاكاديمية وتداوله الجمهور الاوسع. صارالكتاب معروفا بما يروى عنه، ويلخصه، اكثر مما هو معروف بما فيه. الشائع عن «الاستشراق» انه تمرين نظري في ثنائية «المعرفة/القوة» مطبقاً على العلاقة بين «شرق» و «غرب ». في مسح اولي لموجوداته يتبين ان الحيّز الاكبر منه مخصص لتأريخ نقدي دقيق وبطيء وعاجٍ بالاسماء والمراجع لمدرسة اكاديمية وفكرية وثقافية هي مدرسة المستشرقين. ولكن مسحا ثانيا اعمق وادق يستظهر الوميض الذي يشع من البناء المحكم والجهد التوثيقي والدأب البحثي والموهبة التحليلية والذوق الادبي والثراء الثقافي قبل ان يطلق سعيد شرارات الخيال والجمال والمحاججات الذكية ونفاد النقد وعمق التطلّب الفكري.
يعاين كتاب «الاستشراق» عملية انتاج «الشرق» في اطار انتاج «الغرب» لنفسه على يد جماعة احتكرت مع الوقت ترجمة هذا «الشرق» وتأويله وتفسيره وتقديمه للغربيين والشرقيين على حد سواء. ويتتبع الكتاب من ثم نشوء تلك المدرسة وتطورها. فيعرض ابحاث رجالاتها وانجازاتهم، ويناقش اعمالهم، مقارنا فيما بينهم، من خلال التحقيب لمراحل تطور افكارهم وابحاثهم والمناهج. 
ولا يكتفي سعيد بذلك، بل يقيم العلاقات الضرورية بين الاستشراق ورجالاته وبين مرجعيتين اثنتين في التاريخ والثقافة الغربيتين. 
المرجعية الاولى هي علاقات المدرسة الاستشراقية المتعددة الاوجه بالمؤسسة الاستعمارية ثم الامبريالية الاورو-اميركية، بمصالحها واستراتيجياتها والسياسات. وهي علاقات ليست تختزل بالتطابق والمباشرة والتبعية. لكنها ترى ان مدرسة الاستشراق ليس يقتصر دورها على المكتشفات والابحاث والدراسات في مضمار اللغات والجغرافية والآثار والثقافات الشعبية والديانات والحضارات «الشرقية»، قديمها والحديث. يصل دور المستشرق احيانا الى مستوى الفعل والتأثير المباشرين في مراكز القرار السياسي والاقتصادي في الدول الاستعمارية او الامبريالية حيث يلعب دور المثقف الهامس في أذن «الامير»، تقرر نصائحه واستشاراته وتقديراته مصائر شعوب وبلدان بأكملها. المثال المعاصر عن هذا النمط من المستشرقين هو البريطاني برنارد لويس، مستشار شؤون الاسلام والعراق خلال عهدي جورج بوش الاب والابن، ناحِت مصطلح «صدام الحضارات» وصاحب النصيحة بغزو العراق ردا على هجمات الحادي عشر من ايلول ٢٠٠١. 
المرجعية الثانية هي الوشائج التي تربط تيارات مدرسة الاستشراق بتطور العلوم الطبيعية والاجتماعية والانسانية الغربية. يكتشف سعيد هنا ان الوصل ليس مباشرا ولا هو آلي، وإن يكن يلاحظ انحياز المستشرقين الى مذاهب ومنهجيات دون اخرى وخصوصا استبعادهم المدارس التاريخانية والماركسية ومنهجية «التأريخ الجديد».
غير ان التوثيق الموسوعي الذي يمارسه ادوارد سعيد لن يقتصر على التأريخ الفكري والثقافي لابرز تيارات المدرسة الاستشراقية. يحللنقديا اعمال ادباء ومفكرين وسياسيين اسهموا في انتاج الغرب لـ«شرقه». ويخلص الى ان المستشرقين يشتركون في عدد من الثوابت في نظرتهم الى «الشرق» اهمها: 
١) النعرة الجوهرية، والمقصود بها تقديم الغرب والشرق بما هما جوهران متمايزان يختص كل منهما بخصائص اصلية ثابتة صارت طبيعة ثانية لكل منهما. ولكن التمايز يفصح عن تراتب عمودي صارم وثابت، حيث العقلانية والتطور والرقي هي جوهر جماعة، والروحانية واللاعقلانية والتخلف جوهر جماعة اخرى. 
٢) التعميم، اي الافتراض ان معرفة الجزء تكفي لمعرفة الكل.
٣) التنميط، اي اضفاء خاصة واحدة من خصائص الجماعة على الجماعة كلها. 
٤) الجمود، تصوير عالم الشرق وحياته على انهما ثابت لا يتحول، ما يعادل اعدام فعل الزمن والتاريخ فيه.
٥) التفرد، وهو عكس التعدد حيث «الشرق» دين واحد ومجتمع واحد و«عقل» واحد وجبلة نفسانية واحدة وثقافة واحدة.
٦) الثقافوية، اي تفسير افكار الشرقيين وسلوكهم ونمط حياتهم على اساس مبدأ تفسيري اوحد هو «ثقافتهم» التي تختزل الى دينهم بالدرجة الاولى. (سعيد، الاستشراق، طبعة العام ٢٠٠٣ الانكليزية، ص ٢٤-٤٨)
يختم سعيد كتابه على خاتمتين. تحذّر الاولى من ان «يسهم الشرق الحديث في تشريق ذاته » وتؤكد الثانية على ان «الاستغراب ليس هو الجواب على الاستشراق » (سعيد، الاستشراق، ٣٢٨)
انْ يستشرق الشرقي يعني ان يستبطن الخطابات الاستشراقية، بخصائصها المثبتة اعلاه، عن الشرق والغرب على حد سواء. اما الاستغراب، فيرى اليه سعيد على انه مجموعة سوانح وافكار وإنفعالات ترتضي بالقسمة الجوهرانية للعالم الى شرق/غرب لكنها تسعى الى الإعلاء الرمزي والنفخ في معنويات الشريك الدوني والتابع في علاقات السيطرة الامبريالية. بعبارة اخرى الاستغراب هو الوجه الآخر للاستشراق، انه التيار العاجز عن انتاج معارف مجدية عن الذات وعن الآخر، تنذر إعاقته الفكرية والثقافية بأوخم العواقب إذا ما تسنى له ان يشكل القيادة الفكرية لحركات التحرر من التبعية الاستعمارية المباشرة او من الاستعمار الجديد.
الخلاصة الابرز الواجب استخلاصها من تحليل هذه اللحظة – والتي نادرا ما يلتفت اليها- هي ان ادوارد سعيد في كتابه «الاستشراق» اسس لنظريتين نقديتين. ما لبثت واحدتهما – نقد التصورات الغربية عن الشرق – ان طغت على الاخرى – وهي نقد التصورات الشرقية عن الغرب.
اللحظة الثانية: «الثقافة والامبريالية »
يفتتح كتاب «الثقافة والامبريالية» (١٩٩٤) اللحظة الثانية في تطور فكر اداورد سعيد. الكتاب يكمل «الاستشراق» إذ يتناول الوجه الآخر لمشروع سعيد الفكري: «الغرب» في مرآة «الشرقيين». لا يكتفي «الثقافة والامبريالية » بدراسة دور الثقافة في تبرير الامبريالية وتزويدها بوسائل الشرعنة والطواعية على ضحاياها. انه يدرس ايضا دور الثقافة المقاوِمة في النضال التحرري من الاستعمار والامبريالية. لكننا هنا قد خرجنا اصلا من «الشرق» (منطقة غرب آسيا الذي جرى التركيز عليها في «الاستشراق») الى حركات التحرر لشعوب القارات الثلاث. 
في هذه اللحظة من تطوره الفكري فتح سعيد ورشة تصحيح لما في «الاستشراق» من شطح واحادية جانب، آخذا بعين الاعتبار الملاحظات النقدية الموجهة اليه خصوصا من جهة اليسار.
اولا، إتخذ مسافة نقدية من ثنائي «المعرفة/القوة» المنسوب الى فوكو، منتقداً الفيلسوف الفرنسي لأنه «يهمل دور الطبقات والاقتصاد ودور الثورات والانتفاضات في المجتمعات التي يتحدث عنها » ( ادوارد سعيد، العالَم والنص والناقد، ١٩٨٣، ٢٤٤). وفي الاتجاه ذاته، صحح احداية الجانب في مقاربته السياسة-الثقافية للاستعمار بأن أعاد الاعتبار لابعاد الاستعمار الاقتصادية والاستغلالية بما هو عملية «سيطرة على الاسواق والمواد الاولية واليد العاملة الرخيصة والاراضي المدرة لاعلى معدلات الربح » (سعيد، الثقافة والامبريالية، ١٣-١٤). 
ثانيا، إعترف سعيد بصحة النقد الذي وجهه الناقد الادبي الاميركي جيمس كليفورد اليه بأنه «ينتكس الىانماط النعرة الجوهرانية ذاتها التي يهاجمها [في كتاب «الاستشراق»]» (سعيد، الانسنية والنقد الديمقراطي، الترجمة العربية، دار الآداب، بيروت، ٢٠٠٥ ، ص ٢٤-٢٥ ). والاشارة هي الى تحويل سعيد الغرب الى جوهر قائم بذاته والتعامل معه على انه كيان ثقافي متجانس وموحد يمتد في خط مستقيم من إيسكيلُس الاغريقي الى كارل ماركس.
ثالثا، ينفي سعيد الزعم بأن غرض كتاب «الاستشراق» هو الدفاع عن شرق حقيقي يشوّهه الاستشراق الغربي، فيؤكد:
«لقد اعتمدت في نقدي [للاستشراِق] على الطبيعة المغلوطة لكافة التمثلات بسبب إرتباطها الوثيق بالدنيوية، اي بالسلطة والموقع والمصالح. وقد اقتضى ذلك ان اجاهر بأن كتابي لم يكن معدّا للدفاع عن الشرق الحقيقي، بل انه لم يكن يطرح فكرة وجود شرق حقيقي اصلا. والمؤكد اني لم اكن انافح عن نقاوة تصورات ضد اخرى، وكنت واضحا جدا في اقتراحي ان كامل مسار تحويل التجربة الى تعبير لا يمكن ان يكون منزّها عن التلوّث. والمسار ملوّث اصلا وبالضرورة لتورطه بالسلطة والموقع والمصالح، أكان ذلك من موقع الضحية او لم يكنه » (سعيد، الانسنية، ٧٠) 
هكذا استبدل سعيد ثنائي «معرفة/قوة» بثالوث «سلطة/موقع/مصالح»، اي السياسة والموقع الجغرافي (شمال/جنوب) والمصالح الاقتصادية والطبقية، وهو تعيين اشمل للمحددات التي تتحكم بتفكير الجماعات البشرية وسلوكها.
رابعا، إذ ينتقل سعيد الى التمثلات الشرقية للذات والآخر، ينتقد مرض «الغُراب» occidentosis اي اللوم العُصابي للغرب على كل ويلات النازلة بالشعوب المستعمرة. ويرفض «نظريات المؤامرة ». الا انه يوجه النصل الحاد في نقده الى النعرة البلدية nativism:
«.. ان القبول بالنعرة البلدية يعني القبول بكل مستتبعات السيطرة الامبريالية: كل الانقسامات العرقية والدينية والسياسية التي فرضتها الامبريالية هي ذاتها. ان مغادرة العالم التاريخي لصالح غيبيات الجواهر مثل النعرة الزنجية او الايرلندية او الكاثوليكية تعني مغادرة التاريخ لصالح نعرات جوهرانية تحمل الطاقة على استعداء البشر بعضهم ضد بعض » (سعيد، الثقافة والامبريالية، ٢٧٦)
ويمكننا ان نضيف النعرة الاسلامية الى لائحة النعرات البلدية.
يعود سعيد في رائعته الاخيرة،الصادرة بعد الوفاة، الى نقد اديولوجيات الانتماء والهوية على انها اخطر ما خلّفه العصر الامبريالي، في نص يرقى الى مستوى الوصية الفكرية: 
«ان الهوية هي العملية التي تتسلط بها الثقافةُ الاقوى والمجتمعُ الارقى بواسطة العنف على شعوب يتقرر انها شعوب دونية، بمقتضى عملية فرض الهوية تلك. إن الامبريالية ما هي الا عملية تصدير للهويات » (ادوارد سعيد،On Late Style – في الاسلوب المتأخر، ٢٠٠٦، ص ٨٥).
درءاً لمثل هذه الاخطار، وهي تحديدا اخطار «تشريق» الشرقيين، ينضم سعيد الى فرانتس فانون في الدعوة الى تحويل الوعي الوطني-القومي الذي ساد فترة النضال ضد الاستعمار الى وعي اجتماعي في الحقبة الاستقلالية، اي الانتقال من التحرر الوطني-القومي من المستعمر الى التحرر الاجتماعي الداخلي، اي بناء مجتمع الحرية والمساواة وبناء الثقافة الجديدة على انقاض ثقافة المستعمر والمجتمع التقليدي. 
بالتحرر الاجتماعي يغادر سعيد ثنائي شرق/غرب نهائيا، بما فيه من سيطرة ومقاومات للسيطرة، داعيا الى «اكتشاف عالم ليس مبنياً على جواهر متعادية ».
اللحظة الثالثة: الى الانسنية الديمقراطية العلمانية
شكلت دعوة سعيد الى اسكتشاف عالم «ليس مبنيا على جواهر متعادية» علامة الانتقال من نقد الاستشراق ونقد الاستغراب الى الانسنية الديمقراطية العلمانية بما هي الاوج والخاتمة في تطوره الفكري. لم تكن النقلة مفاجئة بل كانت تختمر في اللحظتين السابقتين بركيزتها الفلسفية التي تقول ان البشر يصنعون تاريخهم بأنفسهم وان مفاتيح فهم هذا العالم هي في هذا العالم ذاته. (الانسنية، ص ٧٠-٧١). هذا من حيث العلمانية. اما المكوّن الديمقراطي، فيتجلّى بأوضح صوره في كتابه «الانسنة والنقد الديمقراطي» حيث يعلن التزامه بـ«انسنية جذرية تشكل العنصر المكوّن للديمقراطية». في ضوء هذا الالتزام، يعمل سعيد منهجه الطباقي-الجدلي في نقد الاوجه النخبوية، على انواعها الدينية والارستقراطية والتربوية، العالقة بتراث الفكر الانسني، وخصوصا في الولايات المتحدة الاميركية، للبرهنة على انها - الانسنية - تستطيع ان تكون «مسارا ديمقراطيا ينتج فكرا نقديا مطرّد الوجهة التحررية» (الانسنية، ١٦). 
بعد هذا العرض لتطور فكر ادوارد سعيد يمكن القاء بعض الاضواء على وجه منسي من شخصيته الفكرية ودور مهمل من ادواره.
ترجمة ومترجمون
يشير ادوارد سعيد في اكثر من مكان الى ان الاستشراق لا يكتفي النطق بإسم شرقيين، لإدعائه عجزهم عن التعبير عن انفسهم، وانما يزعم ايضا امتلاك «الترجمة الرسمية» لكل ما هو شرقي او صادر عن الشرق. (الاستشراق، ص ٢٠٣، ٢٢٢). يقوم نقد ادوارد سعيد للاستشراق على سلسلة من الادلة والحجج والبراهين تثبت ان «المترجم» يحرّف في النقل من لغة الى اخرى ويتلاعب، تحديدا بسبب عدم قدرته التحرر من مركزيته الاورو-اميركية. في مقابل ترجمة المستشرقين العييّة، ينهض ادوارد سعيد بما هو «مترجم» بذاته.
ادوارد سعيد عربي يكتب في الانكليزية. امضى حياته البالغة «يترجم» فلسطين الى لغة المستعمر التي تعلّمها في مدرسة خصوصية في مدينة القاهرة التي لجأت اليها اسرته بعد احتلال الصهاينة فلسطين. الا ان سعيد يتعامل ولغة المستعمر على طريقة كبار الكتاب والادباء المناهضين للاستعمار في القارات الثلاث: بالتخريب وكسر المحرمات والتفوق على اصحاب اللغة الاصليين عن طريق الابتكار والتخييل والابداع. هكذا تصير الكتابة في لغة المستعمر فعل مقاومة بذاتها. 
ثم ان علاقة ادوارد سعيد بالعالم العربي فعل ترجمة هي ايضا. فالصدمة التي دفعت الجامعي العربي-الاميركي الى دراسة نتاج المستشرقين كانت هزيمة الجيوش العربية على يد اسرائيل في حرب حزيران ١٩٦٧ وما تبعها من احتلال كامل فلسطين التاريخية اضافة الى صحراء سيناء ومرتفعات الجولان. وانه لمعبّر جدا ان تكون ردة فعل ادوارد سعيد الفورية على صدمة الهزيمة هي قراره تعلم اللغة العربية. من هنا تضافرت صدمة نكسة ١٩٦٧ واستعادة اللغة الام على تكوين الحدث التأسيسي الذي استولد ادوارد سعيد الآخر، ادوارد سعيد المثقف العمومي والمناضل الذي نعرف، في مقابل ادوارد سعيد الآخر الذي تعرفنا اليه في «خارج المكان ». 
لذا ينبغي تصنيف ادوارد سعيد في عداد فريق المثقفين العرب الذين فجرّت نكسة ١٩٦٧ طاقاتهم الخلاقة والغضب. ضمن هذا الفريق مارس سعيد «الترجمة» مجددا، وهي الإسم الاخر لصيغته المحببة عن «تحويل التجربة الى تعبير ». آل على نفسه ان يعبّر عن تجربة المخاض الفكري النقدي الجذري وعن الحركات التحررية والثورية لحقبة ما بعد نكسة ١٩٦٧ وأن يسكبها في اللغة المفهومية لغرامشي وفانون ووليامز وبولانتزاس وستيوارت هِلّ وسواهم. سلّط سوط النقد على الانظمة الاستبدادية والدكتاتورية لعجزها عن مواجهة الامبريالية والصهيونية ولقمعها شعوبها. مع ان نقده الانظمة الشعبوية العسكرية كان ابرز واقسى من تناوله الانظمة السلالية النفطية المحافظة والموالية للغرب. طاول نقده ايضا حركات التحرر العربية وفي مقدمها تلك التي التزم بها- منظمة التحرير الفلسطينية. عارض إتفاق اوسلو ١٩٩٣ – الذي وصفه بـ «سلام الضعفاء » - لأنه نتج عن قراءة مغلوطة للستراتيجيات الاميركية والاسرائيلية من قبل القيادة الفلسطينية، التي ما لبث ان قطع علاقاته بها. ولم يعف سعيد مثقفين عربا من النقد، كما في حال الذين تضامنوا مع المفكر الفرنسي روجيه غارودي لإنكاره المحرقة اليهودية (راجع: الموند دبلوماتيك، آب-ايلول ١٩٩٨).
لم يكل ادوارد سعيد يوما عن ممارسة دوره في «ترجمة» الستراتيجيات الاميركية الى لغة مواطنيه العرب مقترحا اين وكيف ومتى يمكن مواجهتها. رغم المرض، وجد الوقت الكافي ليحلل لقرائه العرب أواليات اتخاذ القرار في الادارة الاميركية مع وصول المحافظين الجدد الى الحكم. وكان من اوائل من نبه الى خطورة ظاهرة الاصولية المسيحية في الولايات المتحدة، وإن يكن عبّر، في الوقت ذاته، عن اعجابه بزخم حركة الاحتجاج الشعبية الاميركية ضد الحرب على العراق. وفي آخر زيارة له الى لبنان، قبل رقاده الاخير فيه، إقترح إدراج دراسة المجتمع والدولة الاميركيين في برامج التعليم العربية بديلا من مجرد تعليم التلامذة والطلاب العرب في كتب مدرسية اميركية او منقولة عن الكتب المدرسية الاميركية. 
في الامر اكثر من وصية استاذ جامعي. انه ادوارد سعيد يستعيد الهاجسين الذين ختم بهما كتاب «الاستشراق»: التحذير من تشريق الشرقيين ومن الرد على الاستشراق بواسطة الاستغراب. لكن «الترجمة» هذه المرة تدرج التحذير في اللغة المفهومية لاسلوب ادوارد سعيد المتأخر، لغة انسانوية ديمقراطية علمانية قد تجاوزت الثنائيات والهويات المتعادية.

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
مرصد © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top