«ينتهي الغلاء إذا تحجبت النساء»: تاريخ موجز للحِشمة الإسلامية

6:58:00 ص

عيب يا لولو عيب


أحمد الشربيني
 هذا الموضوع ضمن هاجس شهر سبتمبر حول «ماذا تبقى من الصحوة الإسلامية». اقرأ موضوعات أخرى ضمن الهاجس من هنا، وشارك في الكتابة من هنا.

في تفسيره للآية الثالثة من سورة النساء، وتعليقًا على قول القرآن «فَوَاحِدَةً أَو مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم»، يخبرنا سيد قطب في نبرة أخلاقية حادة أن «ما وقع في بعض العصور من الاستكثار من الإماء، عن طريق الشراء والخطف والنخاسة، وتجميعهن في القصور، واتخاذهن وسيلةً للالتذاذ الجنسي البهيمي، وتمضية الليالي الحمراء بين قطعان الإماء، وعربدة السكر والرقص والغناء، إلى آخر ما نقلته إلينا الأخبار الصادقة والمبالَغ فيها على السواء، أما هذا كله فليس هو الإسلام، وليس من فعل الإسلام، ولا إيحاء الإسلام، ولا يجوز أن يُحسب على النظام الإسلامي، ولا أن يُضاف إلى واقعه التاريخي».
يلجأ قطب في هذه الفقرة إلى وضع «الاستكثار من الإماء» بين حكم فقهي مشهور هو «عربدة السكر والرقص والغناء»، وبين مجموعة أشمل من الأحكام الأخلاقية المحتشمة، هي النفور من «الالتذاذ الجنسي البهيمي» و«تمضية الليالي الحمراء بين قطعان الإماء».
وإذا كان السؤال عن صحة تحريم العربدة والسكر والرقص والغناء لا داعي له، باعتبار الحكم موروثًا فقهيًّا راسخًا، فإن السؤال بشأن تحريم الالتذاذ الجنسي البهيمي وتمضية الليالي الحمراء بين قطعان الإماء يبدو مبررًّا تمامًا، إذ يسوقه قطب دون تأصيل فقهي واضح من جهة، وهو من جهة أخرى لا ينفيه عن الإسلام قاصدًا أن الأخير محايد تجاهه، ولا أن المسألة تنتمي إلى مجال «أخلاقي خالص» مثلًا، ولكنه لا «يُحسَب منه، لأنه انحراف عنه».
لكن الاستكثار من الإماء والتمتع بهن «دون ضوابط» لم يكن ضمن المسائل الفقهية الكلاسيكية بإطلاق، ومن اللافت أن هذه القضية لم تُثَر بالحدة نفسها وقتما وُجد مِلك اليمين فعلًا، إذ تخلو كلاسيكيات الفقه الإسلامي من أي حرج مُعلَن أو مُضمَر تجاه التمتع بالجواري، وهي متعة لا يبدو، كما سنرى، أنها حُدَّت بأي نوع من الضوابط من النوع الذي يقصده قطب.
أمام هذا التناقض بالذات، الممثَّل في محاولة قطب تأسيس ضوابط مِلك اليمين بأثر رجعي، وبين ثنايا لغة قطب العنيفة وألفاظه الأخلاقية، ينكشف واحد من أهم العناصر التي استحدثتها الهوية الإسلامية المعاصرة لنفسها: التقشف الجنسي.
لم يكن قطب أول من رأى في الوفرة الجنسية، ممثلةً هنا في «الاستكثار من الإماء»، انحرافًا عن الإسلام، ففي تفسيره للآية نفسها، يخبرنا رشيد رضا باستحياء واضح: «وأتذكر أنني سمعت منه (الإمام محمد عبده) أنه يرى عدم الزيادة في الإماء على أربع، ولكنني لم أرَ ذلك مكتوبًا عندي». فلا يكتفي رضا بتجاوز سؤال التأصيل، بل يقدم «رأي» محمد عبده كذلك بصيغة شديدة التردد، لأن هذا الرأي كما سنرى لاحقًا غريب بالكلية عن التراث الفقهي السابق كله.
لم يكن التأصيل الفقهي مُلحًّا حينما تعلق الأمر بالمَثَل الأعلى لحشمة إسلامية، إذ كان النفور الأخلاقي الذي استطاع قطب أو عبده استفزازه كافيًا لتبرير الحكم الذي قد يرقى إلى مرتبة الفتوى. فوفقًا لمحمد عبده، لا يحل «ما جرى عليه المسلمون منذ قرون كثيرة من الإسراف في التمتع بالجواري المملوكات بحق، أو بغير حق، مهما ترتب على ذلك من المفاسد، كما شوهد، ولا يزال يُشاهَد في بعض البلاد».
هكذا، دون استدلال فقهي أو مقاصدي واضح، ودون بيان لطبيعة «المفاسد» المترتبة على «الإسراف في التمتع بالجواري»، وضع المفسرون المحدِثون المتعة الجنسية تحت المجهر من أجل تقنينها ورسم حدودها، ودفعها نحو «إسراف» أقل، وحدث هذا بطريقة غير مألوفة بالكامل، أدت بهم إلى حد المناقضة التامة للتفاسير الكلاسيكية للآية، إذ رأى القرطبي أن «الله تعالى قد أباح كثرة السراري»، ومن ثَمَّ «لا عليك أكثرت منهن أم أقللت»، بحسب الزمخشري.
هذا الميل الحديث إلى تقنين الاستمتاع بملكات اليمين، اللاتي شكلن بذاتهن أزمة كبيرة للإسلام المعاصر، يلقي الضوء على قصة التشكل البطيء لمَثل أعلى للحشمة الإسلامية، يعتبر الجنس أساسًا من جهة وظيفته، ويأنف من وفرة اللذة الجنسية، ويتناولها بحذر شديد وغير مسبوق.
كان تشكل هذا النوع من «التقشف الجنسي» المعاصر حدثًا تاريخيًّا بطيئًا وطويلًا، أسهم حراك الصحوة الإسلامية في دفعه إلى أقصاه، وكذلك، كما سنرى، في إبراز التناقضات التي أنتجها في جسم الخطاب الإسلامي نفسه.

تمهيد: الاحتفاء بالجنس في النص النبوي

 إحدى لوحات «Pavel Svedomsky» عن الحرملك
ربما يجدر بنا بدايةً أن نسأل، بما أننا افترضنا تشكلًا تاريخيًّا حديثًا لمثل أعلى إسلامي للتقشف الجنسي، عن مدى تناقض هذا المثل الأعلى مع التراث الإسلامي السابق على تشكله.
الملحوظ مبدئيًّا أن الإلحاح الذي سنجده حديثًا على قيم الحشمة والاعتدال سيكون بالضرورة أكثر حدة، بسبب طبيعته كنزعة تحريمية، من أي مأثور يحتفي بالمتعة الجنسية، لكننا نعرف أن «النبي كان يطوف على نسائه في ليلة واحدة، وكان له تسع نسوة»، بالإضافة إلى ملك يمينه.
بعض النصوص النبوية تهدف إلى إبراز احتفاء إسلامي بالجنس يبلغ حد مناقضة المُثُل العليا القائمة اليوم.
وينسب البخاري إلى ابن عباس أن سعيد بن جبير قال له: هل تزوجت؟ فقال لا، فقال: فتزوج، فإن خير هذه الأمة أكثرها نساءً. ونحن هنا غير معنيين بصدق الرواية، وإنما يعنينا منها فقط انتسابها إلى جسم الموروث الإسلامي، وإلى نص البخاري تحديدًا، ومن ثَمَّ فعاليتها الفقهية المؤكدة.
من الواضح كذلك أننا نجد في النص النبوي غيابًا تامًّا للتصور الوظيفي للجنس الذي ظهر حديثًا، فاللذة الجنسية في النص النبوي مُحبذَّة لذاتها، وفي البخاري عن جابر بن عبد الله أنه قال: «تزوجت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تزوجت؟ فقلت تزوجت ثيبًا، فقال ما لَكَ وللعذارى ولعابها. فذكرت ذلك لعمرو بن دينار، فقال عمرو: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: هلَّا جاريةً تلاعبها وتلاعبك».
لا يمكن الاعتداد بهذه الأحاديث مع ذلك لإثبات أي شيء عام بخصوص الثقافة الإسلامية في أي مرحلة من تاريخها، لأن النص النبوي (في البخاري وغيره) متسع وخصب، وعادةً تُغربله الثقافة بإثقال انتقائي يجعل بعض النصوص أكثر تداولًا في الكتب وجريًا على الألسنة من غيرها.
ليست هذه النصوص إلا القرينة الأضعف بين قرينتين أخريين تهدفان إلى إبراز احتفاء إسلامي بالجنس يبلغ حد مناقضة المُثُل العليا القائمة اليوم، وهاتان القرينتان هما الأدبيات الجنسية في الإسلام، والتصور الإسلامي عن مِلك اليمين كموضوع جنسي خالص، ونتناولهم تباعًا.

رشف الزُّلال، أو: لماذا لا يكتب الأزهريون أدبًا جنسيًّا؟

لوحة للفنان «John Frederick» عن الحرملك
يواجه استدلالنا بالكتابات الجنسية «الإسلامية» الإشكال نفسه الذي يواجهه استدلالنا بالحديث، لكن بدرجة أخف، فكل النصوص يمكن اعتبارها هامشية وفاجرة ببساطة، ولهذا لا يمكن لأنظارنا أن تتجه نحو كتابات من عينة «ألف ليلة وليلة» أو شعر أبي نواس، إذ أن الخطاب السُّني المعاصر يُفسِّق هذه الكتابات على أي حال، فنفضل بدلًا عن ذلك ضرب المثل بمجموعة من الكتابات التي أنتجها أحد الرجال المعتبرين في الثقافة الإسلامية السُّنيَّة إلى اليوم.
المقصود بالطبع هو جلال الدين السيوطي، صاحب القسم الأول من «تفسير الجلالين» ومؤلف «الدر المنثور»، والاثنان من أُمَّهات التفاسير عند أهل السنة. خصص السيوطي عددًا كبيرًا من مؤلفاته للجنس، ومن بينها، مثلًا لا حصرًا، «شقائق الأُتْرُجّ في رقائق الغُنج» و«الوشاح في فوائد النكاح» و«المستظرفة في أحكام دخول الحشفة». ولا علاقة بين هذه الكتب وبين المؤلفات الحديثة التي تتناول الأحكام المتعلقة بالزواج، أو كتب فقه النكاح، إذ تشمل كتب السيوطي المذكورة بالأساس نصائح للمتعة الجنسية، بالإضافة إلى مجموعة من الطرائف والنكات.
كان مؤلف كتاب «تحفة العروس» إمامًا مالكيًّا، وكان مؤلف «الإيضاح في أسرار النكاح» قاضيًا لمدينة طبرية في فلسطين.
 
المثير للاهتمام خصوصًا في كتابات السيوطي أن بعضها ربما يكون مستفزًا جدًّا لمشاعر الإسلاميين المعاصرين لو كُتب مثلها حديثًا.وربما تجدر الإشارة هنا خصوصًا إلى كتاب «رشف الزُّلال من السحر الحلال»، وهو 20 مقامة رتبها السيوطي على ألسنة مجموعة متخيَّلة من أرباب العلوم المختلفة، يحكي كلٌّ منهم عن ليلة زفافه.
يقول الكتاب على لسان المُقرئ مثلًا: «ثم مددتها باللين، واستعملتُ التسهيل والتليين، فجردت من رجليها الإشالة، وفي رأسها الإمالة، ووثبت إليها بحمزة، وبالغت في تحقيق الهمزة»، فيستخدم مصطلحات المقرئين لوصف العملية الجنسية، ويشير توريةً، على لسان مُقرئ مُفترَض، إلى عضو ذكري باسم أحد القراء السبعة، أي حمزة الكوفي.
بنفس الطريقة، يضع السيوطي على لسان المُحدِّث قوله «فأخذتُ في الإرسال والوقف والإدراج»، وعلى لسان الفقيه قوله «فيه شرح كبير، وراؤه ردف وسيط بسيط، يُقال عن وصف تموجه هو البحر المحيط، بل مَجْمَع البحرين»، وهنا يواري بأسماء كتب الفقه والتفسير في وصفه فَرْج زوجة الفقيه المُتخيَّل وردفها.
يصعب العثور على حجم الاعتناء بالجنس الذي نجده هنا عند أي عالم آخر بحجم السيوطي، لكن لا يصعب العثور على بعض الأعمال المتناثرة هنا وهناك لرجال أقل شهرة، فمحمد بن أحمد التجاني مثلًا، مؤلف «تحفة العروس»، كان إمامًا مالكيًّا، وكان عبد الرحمن بن نصر الشيزري، مؤلف «الإيضاح في أسرار النكاح»، قاضيًا لمدينة طبرية في فلسطين.
تشير هذه النماذج إلى نمط غير مألوف من التعايش بين ما نعُدُّه اليوم «فجاجة جنسية»، وبين الصورة التقليدية لحامل العلم الشرعي، وهو ما أشار إليه محمد خلف الله في تعليق مبكر نسبيًّا، يذكره جليل العطية في مقدمته لـ«تحفة العروس».
يقول خلف الله إن «هناك ظاهرة في كتاب الأذكياء لابن الجَوْزي (الفقيه الحنبلي)، رأيت أن أشير إليها لتفشيها في كتب الأدب العربي (هي) ما يسميه الناس في هذه الأيام الأدب المكشوف، فترى المؤلف، سواء أكان عالم أدب، أم عالم دين، يذكر أعضاء الجسم تصريحًا لا تلميحًا، ويكشف عن شؤون الجواري والغلمان كل مستور، وربما لم يجد حرجًا في أن يصف أحوال الجنس، ما يُعَد استهتارًا وفجورًا، وقد يضيف إلى ذلك أحيانًا من القرآن الكريم».
إن دهشة خلف الله إزاء الظاهرة المتفشية في كتب الأدب العربي وليدة تقليد حديث جدًّا، إذ لم تصبح «الحشمة»، في صورتها المعاصرة المتحفظة جدًّا والعنيفة إذا قورنت بالنصوص أعلاه، جزءًا جوهريًّا من الثقافة الإسلامية إلا منذ وقت قريب، وربما يفيدنا الاطلاع على التناقض الواسع بين فهم القدماء والمُحدثين لقضية مِلك اليمين تحديدًا في مزيد من إيضاح هذه المسألة.

مِلك اليمين: ما بين الشافعي و«داعش»

سوق العبيد - الصورة: J Ewing Ritchie
كانت الأَمَة، في نظر الفقه الكلاسيكي، موضوعًا جنسيًّا بحتًا، وتظهر شفافة في التشريعات التي تتناولها، ليصبح ممكنًا النظر من خلالها إلى تشريع يتناول المتعة الجنسية الذكورية بالأساس، ويقننها بالطريقة التي تحول دون جَوْر رجل على غيره فقط، وهو «الضابط» الوحيد الذي عرفه الفقه للمتعة الجنسية في العصر الوسيط.
يقلب مُحدثو المفسرين الآية بتقديمهم تصورًا وظيفيًّا للجنس، تسهل رؤيته في قول سيد قطبإن «الأسيرات المسترَقَّات لهن مطالب فطرية لا بد أن يُحسَب حسابها في حياتهن، ولا يمكن إغفالها في نظام واقعي يراعي فطرة الإنسان وواقعه. فإما أن تتم تلبية هذه المطالب عن طريق الزواج، وإما أن تتم عن طريق تسري السيد، ما دام نظام الاسترقاق قائمًا، كي لا ينشُرن في المجتمع حالة من الانحلال الخلقي، والفوضى الجنسية، لا ضابط لها».
يبرر هذا القول الاستمتاع بملكات اليمين بضرورة حفظ الهيئة الاجتماعية أساسًا، ويجعل الجنس تابعًا لمقصد اجتماعي أشمل، وليست هذه الفكرة مستحدثة فقط، بل لم تكن مُتخيَّلة بإطلاق داخل الجسد الفقهي الأقدم.
إن مِلك اليمين، ابتداءً من مجرد تسميته، هو «مِلك» للرجل، وبمزيد من التحديد، فإن الرجل يملك من الأمة «بُضعها» خصوصًا، أي عضوها ووظيفتها الجنسيين، من بين جملة ما يملكه، فهي «إذا وُطِئت بشبهة: كان المهر لمولاها، وليس كالزوجة، لأن الزوج لا يملك بُضعها (أي الزوجة) بعقد النكاح، وإنما يملك الاستباحة»، بحسب الجصاص.
الفرق بين الزوجة والأمة إذًا أن الرجل يستحِلُّ فرج الزوجة بالمهر، لكن لا يملكه، والعكس مع الجارية. وتؤدي علاقة الملكية إلى مجموعة واسعة من الحقوق للمالك على أَمَته، كلها متعلقة بالجنس، إذ يخلو التشريع الكلاسيكي بشأن مِلك اليمين تقريبًا من أي تناول لا يراه كموضوع جنسي بالأساس.
حاول المفسرون المعاصرون التحايل على هذه الجَنسَنَة الكاملة للإماء، فأنتجوا خطابًا شاذًّا عن المأثور، ومن ذلك ما نقرأ عند الشعراوي عندما يدعونا إلى تصور «هذه الأَمَة أو الأسيرة في بيت سيدها ومعها زوجة أو أكثر، وهي تشاهد هذه العلاقات الزوجية في المجتمع من حولها. إن من حكمة الله أن أباح لسيدها معاشرتها، لأنها لن ترى لربة البيت بعد ذلك مِزيَة عليها، لأنهما أصبحتا سواء».
قد يكون طريفًا أن توضع هذه الفقرة أمام فقرة من كتاب «الأُم» للشافعي، ورد فيها أن الأَمَة «لو أفضاها أحدهما (أي أحد الشريكين فيها)، ضمن لشريكه نصف قيمتها ونصف مهرها (...) قال الربيع: أفضاها يعني: شق الفرج إلى الدبر».
بلغت جنسنة الإماء في إسلام العصر الوسيط أن أصبحت إعارتهن، تحت اسم «إعارة الفروج»،محلًّا للخلاف، فيقول السيوطي: «أخرج عبد الرزاق عن سعيد بن وهب قال: جاء رجل إلى ابن عمر فقال: إن أمي كانت لها جارية، وإنها أحلَّتها إليَّ أطوف عليها. فقال: لا تحلُّ لك إلا أن تشتريها أو تهبها لك».
وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس قال: «إذا أحلَّت امرأة الرجل، أو ابنته، أو أخته، له جاريتها فليُصبها وهي لها». وأخرج عبد الرزاق عن طاوس أنه قال: «هو أحلُّ من الطعام، فإن وَلَدت فولدها للذي أُحلَّت له، وهي لسيدها الأول». وأخرج عبد الرزاق عن عطاء قال: «كان يفعل، يُحِلُّ الرجل وليدته لغلامه، وابنه، وأخيه، وأبيه، والمرأة لزوجها. ولقد بلغني أن الرجل يرسل وليدته إلى ضيفه». وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سيرين قال: «الفرج لا يُعار». وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: «لا يُعار الفرج».
يقوم «داعش» كنموذج محاكاة لنمط وجود إسلامي أقدم، لكن من المستبعد أن تمتد المحاكاة إلى عرض الجواري بسبب التحفظ الجنسي للسلفية المعاصرة.
 
انشغل القدماء والمُحدِثون بقضايا جَدَّ مختلفة حينما تعلق الأمر بمِلك اليمين إذًا، ومَرَدُّ ذلك ببساطة أن الإسلام السُّني في نسخته المعاصرة ينظر إلى المتعة الجنسية بقدر كبير من الشك سنتعرض لأسبابه تاليًا. وفي حين رأى الشافعي في شَقِّ فَرْج الأَمَة حتى يتصل بدبرها، ببساطة، مسألة تتعلق بالملكية وإفساد المتاع المشترك، اكتشف المُحدِثون الجارية فجأةً كذات لها اعتبار قانوني.
وفي حين أقر الشافعي ببساطة أن «الجواري إذا كانت لهن فراهة وجمال، فالمعروف أنهن يكسين أحسن من كسوة اللاتي دونهن»، حاول المُحدِثون بناء موقفهم من مِلك اليمين وفق فلسفة مساواتية، وباعتباره قضية غير جنسية في جوهرها، فأنتجوا من ثَمَّ خطابًا مغايرًا تمامًا للمأثور، وممارسات مناقضة كذلك.
هذا الموقف المساواتي حديث إلى حد أننا نقرأ عند عبد الرحمن الألوسي، في منتصف القرن التاسع عشر، أن «المراد ممَّا ملكت أيمانهم السريات، (...) والتعبير عنهن بما، على القول باختصاصها بغير العقلاء، لأنهن يشبهن السلع بيعًا وشراء، أو لأنهن، لأنوثتهن المنبِئة عن قلة عقولهن، جاريات مجرى غير العقلاء، وهذا ظاهر فيما إذا كن من الجركس أو الروم أو نحوهم، فكيف إذا كن من الزنج أو الحبش وسائر السودان، فلعمري إنهن حينئذ إن لم يكن من نوع البهائم فما نوع البهائم منهن ببعيد».
وإذا كانت بعض الصور من أواخر القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين تُطلعنا على استمرار حضور الجارية بزيها التقليدي الذي يحجب عورتها من السُّرة إلى الركبة فقط، فإن بعض التقدم البسيط في الزمن يفاجئنا بانقلاب حاد ومفاجئ في التصور والممارسة، ربما نرى أكثر أشكاله وضوحًا في موقف تنظيم ما يسمى بـ«الدولة الإسلامية في العراق والشام»، باعتباره قائمًا أساسًا على كونه «نموذج محاكاة» لنمط وجود إسلامي أقدم.
إذا كان داعش قد استطاع التأصيل لمعظم سلوكه «القروسطي» فقهيًّا، بما في ذلك أكثر مسالكه إثارةً للجدل، كقتله الطيار الأردني معاذ الكساسبة بالتحريق، فإنه يظل مستبعدًا أن يمتد نموذج المحاكاة هذا ليشمل مشهدًا كالمشهد المأثور عن ابن عمر الذي أورده الشيباني، أنه «مرَّ بجارية تُباع فضرب في صدرها ومسَّ ذراعيها وقال اشتروا، ثم مضى وتركها»، بما يحيل إليه هذا المشهد من أسواق لعرض الجواري مكشوفات الأثداء، لأنه يُفلت ببساطة من الإمكانات الخطابية القائمة للسلفية المعاصرة بكل تياراتها، بسبب تحفظها الجنسي بالذات.
ربما يكفي الاعتذار بخوف الفتنة اجتنابًا لهذا الفعل الفاضح، لكن هذا الاجتناب نفسه، خصوصًا مع المقارنة بالجرأة في فيديو التحريق، يصبح فاضحًا في ذاته لحدود الخطاب الإسلامي القائم ونقاط انكساره: إن التقشف الجنسي الإسلامي المعاصر أقوى من «داعش»، ويمكن أن يُكفَّر التنظيم، ويُكذَّب البخاري، قبل أن تخرج جارية مكشوفة الصدر من «كتب العلم» لتظهر على الشاشات، الأمر الذي يبدو لذهن المسلم المعاصر أقرب إلى البورنوغرافي من أي ممارسة شرعية.

إسلام رائع جديد: اختراع التقشف الجنسي

لوحة «بنات بحري» للفنان محمود سعيد
تأتي القوة الاستثنائية لنزعة التقشف هذه من استنادها إلى رافدين أساسيين: إدماجها كمكون جوهري للهوية الإسلامية التي تأسست كمركز لمقاومة الاستعمار في القرن التاسع عشر، وتأثيرات الحداثة بمختلف مراحلها، خصوصًا الصعود العالمي لثقافة ذات طابع صناعي عسكري في النصف الأول من القرن العشرين (يمكن الإشارة هنا، مثلًا لا حصرًا، إلى الشيوعية الروسية على مستوى السياسة، والحركة المستقبلية الإيطالية على مستوى الفنون، والتيلورية الأمريكية على مستوى الأعمال).
ومع أن هذه الثقافة المنضبطة بدأت في الانحسار عقب الحرب العالمية الثانية، فإن الارتباط التاريخي الذي تأسس بين المَثل الأعلى للحشمة الإسلامية، والهوية الإسلامية كما تصورت نفسها نقيضًا للغرب، أسهم في تأجيل هذا الانحسار بالنسبة للثقافة الإسلامية، أي في ما يتعلق بتأثير ثقافة الانضباط هذه في مسألة الحشمة تحديدًا. وعلى أي حال، يمكن اعتبار الرافد الأول، أي بناء الهوية، أكثر العوامل التأسيسية مركزية.
1. كل هوية هي هوية مضادة
أسِّست الهوية الإسلامية بمناقضة الغرب، فكان في المركز فكرتان أساسيتان: الشرق مؤمن والغرب مُلحد، والشرق محتشم والغرب منحل و«بهيمي».
 
يفتتح إدوارد سعيد مقدمته للاستشراق بقوله إنالشرق كان «تقريبًا، اختراعًا أوروبيًّا»، وإنه «ساعد في تحديد صورة أوروبا (أو الغرب) باعتباره الصورة المضادة، والفكرة والشخصية والخبرة المضادة»، وتوجز هذه الفكرة مجمل تصور سعيد عن الاستشراق كمؤسسة حامية لنمط بعينه من التفاعل الثقافي، يغيب فيه الواقع لصالح صورة «الشرق» التي تحيط به من كل جانب.
تُطلِعنا متابعة هذا التصور إلى أقصاه على بعض العناصر الاستشراقية في نقد سعيد نفسه للاستشراق، فصورة الشرق هنا تؤسَّس من جانب واحد هو الجانب الغربي، الذي بلغت قدرته على تمثيل الآخر حد تغييب واقعه، حتى لم يعد قادرًا على الظهور ولو ومضًا من تحت صورته الشاملة.
هذه الصورة المؤسَّسة من جانب واحد تخدم قضية واحدة بسيطة كذلك، هي تأسيس الهوية الغربية، بالتموضع كنقيض لها، في صورة «أناوحدية» (Solipsistic) لغرب يؤسس شرقًا ليؤسس ذاته، وواقعُ آخر مفصوم عن صورته، ومعزول عن الغرب بالصورة التي رسمها الأخير نفسه كي يتعامل معها، والتي لا يقدر الواقع الشرقي على اختراقها.
لكن الاطلاع على أنماط التفاعل بين «الغرب» و«الإسلام» في أي نقطة من تاريخه يوضح لنا صورًا أعقد كثيرًا من التفاعل بين هويات متعددة ومعقدة، في حالة سيولة وتأسيس وتفكيك دائمين، للذات وللآخر، وفي عملية لا تُفهم إلا باعتبارها جدلًا ومساومة مستمرين بين أكثر من ذات.
بهذه الطريقة أُعيد تأسيس «هوية إسلامية» في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، للارتكاز إليها في مقاومة التدخل الأوروبي، والبريطاني خصوصًا، في الإمبراطورية العثمانية. وتُطلعنا العودة إلى رفاعة الطهطاوي مثلًا على تعدد وانفتاح هوياتي نسبي، فهو يكتب مرة كشرقي ومرة كمصري ومرة كمسلم، ثم يتضاءل هذا الانفتاح تدريجيًّا حتى يختفي تقريبًا في بعض نصوص جمال الدين الأفغاني، خصوصًا ما كُتب منها في لحظات اشتداد الأزمة.
إذ أُسِّست هذه الهوية بمناقضة الغرب، كان في المركز منها فكرتان أساسيتان: أن الشرق مؤمن والغرب ملحد، وأن الشرق محتشم والغرب منحل و«بهيمي». وهكذا، يبدأ الأفغاني رده الشهيرعلى سؤال جاءه بشأن المذهب الطبيعي، أو «النيتشرية»، بأن «مقصد أرباب هذه الطريقة محو الأديان، ووضع أساس الإباحة، والاشتراك في الأموال والأبضاع بين الناس عامة». وإذا كان «الاشتراك في الأموال» ربما يشير إلى وعي بخطر خِصم اشتراكي قائم آنذاك، فإن الرد أكثر انشغالًا بحماية «الدين» و«الحشمة»، ركيزتا الهوية الإسلامية الحديثة التي كانت في طور التشكل.
من اللافت أن الأفغاني يضع ثلاث خصال أساسية يودعها الدين قلب الإنسان، هذه الخصال هي أعمدة التحضر الإنساني: الحياء والأمانة والصدق، بالترتيب. ومن اللافت أنه يجعل الأولى، مع الدين، مؤسِّسة للآخرين، إذ إن «الأمانة والصدق منشؤهما في النفس الإنسانية أمران: الإيمان بيوم الجزاء، ومَلَكة الحياء»، أي التدين والحشمة، كصفتين أصبحتا في المركز من رؤية «الشرق الإسلامي» لنفسه.
يعود التشديد على التدين إلى الطريقة التي روَّج بها الغرب نفسه، لِما كان من تقاطع الاستعمار مع مشروع التنوير، في حين يعود التصور الإسلامي عن «بهيمية» أوروبا إلى تراث أطول عن التحرر الجنسي النسبي، الواقعي أو المتخيَّل، للنساء الأوروبيات، ازدهر خصوصًا وقت الحروب الصليبية، وأعيد استدعاؤه والبناء عليه في القرن التاسع عشر.
بهذه الطريقة كانت درجة ما من التقشف الجنسي المناقض لأوروبا في المركز من تصور المسلم الحديث عن ذاته منذ لحظة تأسيس الهوية الإسلامية الحديثة، فأصبحت هذه النزعة المحتشمة تدور مع الهوية وجودًا وعدمًا.
ويُضاف إلى العامل السابق لجوء الإسلام السُّني في نسخته المعاصرة إلى التشديد على المكوِّن الزهدي، بسبب رغبته، كرؤية للعالم تطمح إلى الهيمنة الثقافية، في الاستيلاء على مرتكزات التصوف من أجل إقصائه، وكانت الصوفية هي النسخة الأكثر رواجًا للإسلام قبل اكتمال تبلور السلفية المعاصرة.
2. الحداثة والانضباط
لوحة «John Frederick» عن حي الغورية في القاهرة
لم يسلَم العالم الإسلامي من تنظيم العلاقات الجنسية وتقنينها، فكانت التنظيمات العقدية، مثل الإخوان، مساحةً لإنتاج أفكار الانضباط الأخلاقي والجنسي.
 
حاول «ميشيل فوكو» في تاريخه للجنسانية أن ينقض ما سمَّاه «فرضية القمع»، وهي فرضية راجت أواسط القرن العشرين بتأثير الكتابات المتراكمة للأنثروبولوجيين المبكرين، الذين رأوا في «المجتمعات البدائية» ما ظنوه درجة من التحرر الجنسي ترفضها وتقمعها الحضارة الغربية الحديثة، وكذلك بتأثير مجموعة من أدبيات التحليل النفسي. وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع تحليل فوكو، فلا شك أن الحداثة تُظهر تحفظًا جنسيًّا وأخلاقيًّا مُعلَنًا يغري بافتراض القمع، حتى لو كان خطابٌ أكثر ثراءً عن الجنسانية ينتشر متسللًا تحت سطح هذا التحفظ العلني.
في النصف الأول من القرن العشرين تحديدًا، راجت فكرة «التنظيم المنضبط» لتستوعب كل مجالات النشاط الإنساني، فشددت «الفوردية» والاتجاهات المشابهة على تنظيم العلاقات الجنسية وتقنينها، بالإضافة إلى غيرها من الملذات الأخرى، كالخمور والمخدرات، ورأى لينين في «الحب الحر» للنساء مظهرًا للأخلاق البرجوازية، ورسَّخت الفاشية التصور الوظيفي للجنس وأحالته إلى وظيفة اجتماعية أشمل، وكان تشديدها على قيم الذكورة التقليدية أساسًا في رأي «إمبيرتو إكو» لتحبيذها انضباطًا جنسيًّا أصبح مقدمةً لرفض أي نوع من العلاقات الجنسية غير التقليدية، أو «المسرفة».
لم يسلَم العالم الإسلامي من امتدادات هذه الظاهرة، فكانت التنظيمات العقدية، وعلى رأسها «الإخوان»، والأحزاب والحركات الهوياتية، مثل «الإحياء العربي» («البعث» لاحقًا) و«مصر الفتاة»، مساحةً لإنتاج الأفكار ذاتها عن الانضباط الأخلاقي والجنسي، الذي لقى صدًى خاصًّا بسبب العلاقة التي كانت له فعلًا عندئذ مع الإسلام.
قامت وَشائِج وثيقة بين البرامج السياسية الإصلاحية في ذلك الوقت وبين نزعة أخلاقية محافظة، واتحد الاثنان مجددًا مع الهوية الإسلامية التي قامت بمناقضة هوية غربية «مادية بغيضة لا قلب لها وضمير (...) حضارة زائفة لأنها لم تقدم للإنسان زادًا روحيًّا»، بتعبير سيد قطب.
أعلن القرن العشرين اكتمال تشكل الهوية الإسلامية المعاصرة في صورتها التي أفضت أخيرًا إلى الصحوة، وتحمِل هذه الهوية في قلبها نزعة حربية، ومن ثَمَّ سياسية في جوهرها، نشأت بفعل تشكلها في سياق الصراع مع الاستعمار.
ويرتبط هذا الميل العسكري باحتشام شكل أحد أركان هذه الهوية وعززته الحداثة، أقيم بمقابل غرب منحل ومسرف جنسيًّا، ويرتبط من جهة أخرى بمفهوم شامل للتدين، أقيم بمقابل الإلحاد والعلمانية والشرك «الغربيين»، وصِيْغَ هذا كله في مُرَكَّب هوياتي عُدَّ لَمْسُ أيٍّ من أركانه تهديدًا وجوديًّا.

الصحوة الإسلامية وحدود الخطاب

لوحة للحرملك من رسم «John Frederick»
ظهر تضخم الخطاب الهوياتي في تصاعد الشعبوية الإسلامية، التي مثَّلها شيوخ جماهيريون كالشعراوي وكِشْك.
 
تضعنا الأطروحة التي دافعنا عنها أعلاه أمام إشكال عند تناول الظاهرة المعروفة بالصحوة الإسلامية، فقد دافعنا عن مقولة تفيد أن الهوية الإسلامية الحديثة اكتملت أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وشكلت مجمل التجربة الإسلامية إلى اليوم الحالي، فما هي الصحوة إذًا، إذا كان خطاب التدين والاحتشام هيمن فعلًا على تفكير المسلم طَوَال القرن العشرين؟
يأتي هذا السؤال أساسًا من سوء فهم يتعلق بمصطلحات «التأسيس» و«الاكتمال» و«الهوية»، التي توحي بسكون واستقرار غير واقعي لهوية هي دائمًا في حالة حركة وصراع ومساومة. وإذا كان هذا التصور السكوني يعود في جزء منه إلى أفكار الحِسِّ العام، فإن جزءًا أكبر منه يعود إلى تصور شائع عن الإسلام والهوية الإسلامية بالذات، تواطأ على إنتاجه التيارات الاستشراقية والسلفية، مفاده أن الإسلام يطابق ذاته باستمرار، فلا يمكن أن نقع في الجسم التاريخي للثقافة الإسلامية على تحولات كبيرة، أو قطائع، أو إعادات بناء، لأنه يعود إلى ذاته دائمًا، ويعيد إنتاج المقولات نفسها كل مرة.
لكن مفاهيم التأسيس والاكتمال لا تشير إلى أي سكون ثقافي تام، وإنما سكون نسبي لهوية تعيد إنتاج نفسها وتفكك وتركب ذاتها باستمرار. وفي سياق هذا التصور تُفهم الصحوة الإسلامية باعتبارها، ببساطة، أعلى درجات الهيمنة التي بلغها خطاب الهوية الإسلامية في تاريخه، أي أعلى درجات قدرته على إخضاع مجمل مقولات الثقافة وعدم الخضوع لها. وبلغ خطاب الهوية هذه الدرجة من القوة في الثلث الأخير من القرن العشرين بالذات لأسباب متعددة لا محل لسردها هنا، وإن كان أهمها على الإطلاق الصعود العالمي لسياسات الهوية.
الصحوة الإسلامية إذًا ظاهرة كَمِّية، لا نوعية، فقد انتهت هذه التغذية للهوية الإسلامية إلى تضخيم خطابها بدرجة غير مسبوقة، وتجلى تأثير هذا التضخم في عدد من المشاهد الثقافية، منها، على سبيل المثال لا الحصر، ارتباط الصحوة في أذهان بعض الناس بظاهرة الحجاب تحديدًا، بسبب إلحاحها الشديد عليه، كنتيجة طبيعية لمكوِّن التقشف الجنسي المدمَج في الهوية.
ظهر تضخم الخطاب الهوياتي كذلك في تصاعد الشعبوية الإسلامية، التي مثَّلها شيوخ جماهيريون كالشعراوي وكِشْك، وهو الأمر الدال على هيمنة اجتماعية متصاعدة لخطاب يتغذى على كونه مهدَّدًا، كنتيجة طبيعية للمكوِّن الحربي في الهوية الإسلامية المعاصرة، التي لا تزدهر إلا في سياق شعورها الدائم بالتهديد والمظلومية. وبتأثير تصاعد هيمنته والقطيعة التي أحدثها مع تراثه الجنسي، راح خطاب الصحوية يطارد هذا التراث بالتفسيق والتعتيم.
لكن أهم هذه المشاهد الثقافية الجديدة تمثَّل في التناقضات الحادة التي أنتجها الخطاب نفسه، بسبب احتشامه بالذات، فأصبحت الساحة الإعلامية فجأةً مسرحًا لمناقشة «شُبهات» جديدة، شكَّلت أعلى درجات تضخم المثل الأعلى للتقشف الجنسي، وشكَّلت واحدًا من حدود الخطاب الهوياتي كله في الآن نفسه، ونقطة من نقاط انكساره.
انتهت عملية التغذية التاريخية الطويلة للحشمة الإسلامية إلى توترات عنيفة بين هذا المكوِّن الهوياتي بالذات، وبين مجموعة من المرويات التي لم تعد منسجمة معه، وكانت الإثارة العنيفة مؤخرًا لقضايا من قبيل التلصص على المخطوبة ورضاع الكبير والسباب بألفاظ جنسية نموذجًا لهذا التوتر، الذي تحوَّل الآن إلى شُبهات، لا بفعل زيادة الملحدين وترَصُّدهم بالإسلام، وإنما بفعل تناقض المرويات مع درجة من التقشف الجنسي لم يعرفها الإسلام في زمن الروايات المذكورة.
اشتبهت هذه الروايات حديثًا بسبب أَنَفَة المسلم العادي منها بالأساس، نتيجة الدمج المذكور لمَثل أعلى للحشمة مع هوية إسلامية تشكلت في سياق صراعي. أين يمكن أن نجد تعبيرًا أبلغ عن هذا الاشتباك الحاد بين الهوية المتصارعة، وقيمها الذاتية، ووعيها بقيم الآخر، وتناقضاتها التي برزت إلى السطح، من عبارة وجدي غنيم، مخاطبًا المسيحيين الذين يتقاطعون في الشبكة المفاهيمية الإسلامية مع الآخر الغربي، عندما قال: «إحنا مسلمين أطهار (...) لساننا عفيف (...) يا شراميط يا أنجاس»؟

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا