الحمل

هل كان بورخيس يعيد كتابة فرويد؟

هل كان بورخيس يعيد كتابة فرويد؟
مقاربة



لم أكن قد تجاوزتُ العشرين، حين عرَّفَني عليه الشاعر حسن توفيق.
 كُنتُ أبدأ خطواتي الجادة في اكتشاف العالم والقصيدة، وأحفظ مقاطع كاملةً من «أحلام الفارس القديم» و«ليلَى والمجنون»، أرددها بيني وبين نفسي لحظات الوحشة والانفراد.

وكان- في ذلك الحين- يبدو نجمًا بعيدًا يُضيء المتاهة، أرى صورته في المجلات، فأُفتش فيها عن مكمن الطاقة الذي تنفجر منه القصيدة جارحةً، أليمةً، واخزة. وتتحول قصائده الجديدة إلى ترانيم وأناشيد يومية مفعمةً بالأسى والعزاء الوجودي الجميل «أُعطِيكَ مَا أَعْطَتْنِيَ الدُّنيَا مِنَ التَّجْرِيبِ وَالمَهَارَة/ لِقَاءَ يَوْمٍ وَاحِدٍ مِنَ البَكَارَة».

وجدتُني أمامه، وجهًا لوجه. صلاح عبدالصبور. لا أذكر سوى أني ارتبكتُ، وقهرني خجلي الريفي، والمسافة الشاسعة التي تفصل بين الطالب القروي الذي يحاول اكتشاف القصيدة وبين الشاعر الذي ينتصب- لحظتها- في اكتماله الفادح. سألني عن دراستي بالكلية، وقراءاتي، وطلب أن أُحضر له بعضًا من قصائدي. وخرجتُ مبهورًا بلقائي به، وبتواضعه الذي ألجم رهبتي، ومحا- بحُنُوه العميق- الفجوة الهائلة لدَيَّ، الفاصلة بيننا.

هكذا، وجدتُني صباح يوم جُمعة أطرق باب بيته، في حي «المهندسين»، بلا سابق موعد. وجدته يفتح الباب لي، مُرحبًا، إلى الشرفة. ست ساعات كاملة، والحديث يدور بيننا بلا أية مسافة فاصلة. لا إشارة، ولا إيماءة واحدة تستعيد تلك المسافة الواقعية، أو تثبتها، أو تؤكدها. يصنع الشاي بنفسه لنا، نحن الاثنين، مرة وراء الأخرى. يأتي بُعلبة سجائر جديدة كلما نفدت السابقة، لنتقاسمها بعد انتهاء السجائر القليلة التي أتيتُ بها. رحلة طويلة تبدأ من الشعر إلى الشعر، مرورًا بذكرياته، والمحطات الرئيسية في مشواره الإبداعي، إلى بعض معاركه الثقافية الشعرية، إلى آرائه الخاطفة في الشعراء المعاصرين، إلى سؤالي عن رأيي في كل ذلك.

كأني كنتُ أتحدث مع أحد أصدقائي الحميمين بلا تحرج أو قلق، أو إحساس بالوقت. وكأنه كان يتحدت مع أحد أصدقائه الحميمين، لا مع شاعر شاب في العشرين، لم تتكشف- بعد- قصيدته عن أية وعود.

وفي عامي الأخير بجامعة القاهرة، 1973، مررت عليه بالمكتب، وأشار- ضمن الحديث، إلى أنه قد انتهى من كتابة مسرحية جديدة. ولابد أن لهفتي بانت على ملامحي، فمد لي يده بالمخطوط: مسرحية «بعد أن يموت الملك»، بخط يده، في دفترين من الدفاتر المدرسية المتقشفة، ذات الورق العادي، يضمان الكتابة الأخيرة، بلا شطب، للنص. ولابد أن عينَي قد كشفتا له ما دفعه إلى قول: يمكن أن تأخذهما، لتقرأها، إن أردت.
بسرعة وضعت الكشكولين وسط كتبي وكراساتي. وانطلقت..

كانت الجامعة مشتعلةً، في ذلك الحين، رفضًا لحالة «اللا سلم واللا حرب»، وفي موعد انتفاضة العام السابق «يناير»، تصاعد الاشتعال إلى الذروة. حشود الآلاف من الطلاب تندفع إلى الباب الرئيسي للجامعة للخروج، وحشود قوات «الأمن المركزي» تحاصر الجامعة، وتتقدم بالدروع والهراوات والقنابل المسيلة للدموع لإحكام الحصار، إلى حد الالتصاق بالسور الحديدي الخارجي. وبدأ التراشق عن بُعد، عبر السور: الجنود يُطلقون القنابل، والطلبة- مستفيدين من خبرة العام الماضي- يلتقطون القنبلة قبل الانفجار، ليردوها، في لمح البصر، فتنفجر وسط الجنود. وسالت دموع الجميع من أثر الغاز المنتشر. وبدأ التراشق بالحجارة.
كنتُ مشتركًا في المعركة الحامية التي تنذر باعتقال قادم عند الخروج. لكني لم تواتني الجرأة على ترك كتبي وأوراقي على الأرض، لأتفرغ للمعركة؛ فقد كان بينها المخطوط الحلم، الذي كنتُ أقبض عليه بكل قوتي بيدي اليُسرَى، ويدي اليُمنَى متحررة من أجل معركة القنابل والأحجار.
رفعت يدي لأمسح العرق عن وجهي، فعادت يدي ملوثةً بالدم. لم أنتبه. ذهب بي الزملاء إلى نقطة إسعاف أوَّلي أقامها طلبة كلية الطب لإسعاف الزملاء من الجرحَى، داخل الجامعة المحاصرة. وشددتُ قبضتي على المخطوط.
وعندما حل المساء، كان عليَّ أن أقفز السور الخلفي للجامعة، بمساعدة الزملاء، لأجد نفسي في الحقول، خارج دائرة الحصار، إلى بيت أُختي، ثم إلى شقة صديق زميل يمنِي، بعد علاج الجرح الفاضح. 
ثلاثون يومًا، وعلاقتي بالشارع صوتية. عُدتُ إلى المخطوط، وتلك المتعة التي تراود المرء وهو يقرأ ما لن يقرأه الآخرون إلاَّ بعد شهور وشهور. مرة، واثنتان، وثلاث، حتى كدتُ أن أحفظ النص عن ظهر قلب، وشعور مراود بالعجز عن إعادته، والقلق مما يُمكن أن يعتري الشاعر الكبير من قلق عليه.
وما إن استعادت الجامعة انتظامها، حتى ذهبتُ به وغلافه يحمل بعض دمي، معتذرًا عن التأخير. قال: لم أكن قلقًا على المخطوط، بل عليك.
بعد سنوات، كانت مياه كثيرة قد جرت في النهر.
التقيتُ به في إحدى المناسبات العامة، بعد عودته من الهند رئيسًا لهيئة الكتاب. صافحني بحرارة، ودعاني إلى لقائه في مكتبه في اليوم التالي.
مكتبه في أحد الأركان. والمساحة الفسيحة تشغلها مجموعات عديدة من المقاعد، كل مجموعة مستقلة عن الأخرى بمنضدتها. والمقاعد يحتلها- جميعًا- شعراء وقصاصون ونقاد وكُتاب، والقهوة والشاي حاضران. والمناقشات دائرة في كل مجموعة، وهو- في مكتبه المنزوي- يُنهي بعض الأوراق.
تركها جانبًا، وسألني عن أحوالي، وشعري الجديد. وطلب أن يقرأ ما كتبتُه خلال غيبته. وأعاد صياغة الطلب: فلنتفق على أن نلتقي هنا بعد أسبوع، تكون خلاله قد اخترت أهم القصائد، وراجعتها المراجعة الأخيرة، ورتبتها في شكل ملائم جاهز للقراءة الجدية.
بعد أسبوع، أسلمته الدوسيه الذي يضم القصائد. وبعد الاطمئنان على أحوالي الشخصية بشكل عام، وآرائي في الكتب الجديدة، عاد ليُمهلني أسبوعًا لقراءة القصائد قبل أن نتناقش فيها.
ذهبتُ بعد أسبوع؛ فاعتذر عن عدم تمكنه من القراءة لمشاغله العديدة خلال الأسبوع الماضي. كنتُ على وشك اقتراح ترك القصائد لديه، بلا موعد، إلى أن يسعفه الوقت لقراءتها، ولكنه فاجأني بقوله: لن أعطل القصائد، وسأقرأها مطبوعة. حاذرتُ من التسرع في الفهم. سألني: هل تعرف الشاعر «فوزي العنتيل»؟ قلت: نعم؛ قال: إن مكتبه في الطابق الثاني. فلتذهب إليه بالديوان، وسأتصل به تليفونيًّا قبل أن تصل إليه.
رحب بي فوزي العنتيل ترحيبًا حارًّا، كشف عن مضمون المكالمة. قال إنه سيقرأ الديوان لكتابة تقرير صلاحيته للنشر. واعتذر عن هذا المسلك البيروقراطي الذي لا يمكن التجاوز عنه. شربتُ القهوة معه، وانصرفت.
بعد ذلك الأسبوع، تم تسليم الديوان مع التقرير إلى إدارة النشر، ليأخذ طريقه إلى المطبعة. وانقطعتُ عن هيئة الكتاب، حتى لا يبدو ذهابي نوعًا من الإلحاح على سرعة النشر، مدفوعًا بالاطمئنان إلى صدور قريب للديوان، مع وجود الشاعر على رأس الهيئة.
ولكني- في صيف تال- صحوت على خبر وفاته، الليلة الماضية، في صحف الصباح. وفُجِعت في أنه- لحظة موته- لم يكن يبعد عني بأكثر من مائة متر، وأنني كنتُ سهرانًا- في الشرفة- دون أن أدري بموته بجانبي.
وتعمق لديَّ الشعور بأن موته ينطوي على «جريمة قتل»، حين علمتُ بالملابسات. فالشاعر لا يحتاج إلى رصاص أو سكين لقتله. فقتله.. ربما كان مرهونًا بكلمة.. كلمة واحدة. وكانوا يعرفون ذلك تمامًا. أطلقوا عليه الكلمة، بل وابلاً من الكلمات فخر صريعًا، لوقته.
مات الشاعر.. وعاش القتلة. ولكنها ميتة مرادفة للحياة، وعيشة مرادفة للموت.


0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top