زكريا تامر...من شيد كل هذه القلاع؟

2:27:00 ص

كان العقيد أديب الشيشكلي بطل الانقلاب الثالث في سورية رجلاً متواضعاً، فلم يأمر بمنح شخصه رتبة جنرال أو ماريشال مع أنه خاض معركة كبرى وانتصر فيها على عدو خطير هو الديمقراطية وحرية العمل السياسي والحياة النيابية، وأقدم كأي بطل انقلاب عسكري على حظر كل الأحزاب السياسية باسم صون صالح البلاد والعباد، ولكنه ألف فيما بعد ما يشبه الحزب السياسي، وأسماه " حركة التحرير العربي "، ودعا كل الراغبين في ممارسة العمل السياسي إلى الانتماء إليها والنضال تحت رايتها، فزحف إليها كل راغب في وظيفة حكومية وكل من يتوق إلى نيل رضا السلطة الحاكمة وكل خبير في النفاق، فكان أديب الشيشكلي رائداً بحق، سيقلده فيما بعد كثيرون.
وكأن أديب الشيشكلي عندما أقدم على تأليف حركته كان يتنبأ بما ستؤول إليه حركة التحرير التي ستجتاح الوطن العربي بأسره، فإذا التحرير في المجال السياسي يوفق في إلغاء الاستقلال، ويحول الوطن العربي إلى ما يشبه مستعمرة من نوع جديد، لا ترهق مستعمرها، ولا تضطره إلى إرسال الجيوش وتعيين المفوضين السامين، فالحاكم العربي هو الذي يؤدي هذه المهمة بنجاح وإتقان وسرور وبأرخص الأسعار، وإذا التحرير يبتدع سوقاً جديدة للراغبين في استثمار اللحى وسطوتها على السذج والمخدرين بالتخلف والفقر والقهر، وإذا التحرير يخلق عالماً متخماً بأوامر الحظر والنهي والمنع، ويطمح إلى أن يحول الناس أجمعين إلى قطيع لا أثر فيه للعصاة والمتمردين، وإذا التحرير لا يحرر لا أرضاً ولا بشراً، وإذا العيون لا مهمة لها سوى أن ترى الطريق السوي وتتجنبه بعزة وكبرياء، وإذا الألسنة لا غاية لها سوى تمجيد اللصوص والقتلة، وإذا الرؤوس لا دور لها سوى أن تكون وسيلة للتعبير عن الخضوع والخنوع، وإذا الأيدي ترحب بالأغلال غير المرئية وتعبد صانعيها.

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا