الحمل

هل كان بورخيس يعيد كتابة فرويد؟

هل كان بورخيس يعيد كتابة فرويد؟
مقاربة

 1
في طفولتي، كان لي صديق غني جدًا، وهذا الثراء -في قاموسي البسيط وقتها- لم يكن يعني أن والده يحصل على راتب كبير من عمله كمهندس في دولة خليجية، بل إن صاحبي نفسه كان غنيًا، لما يمتلكه من أشياء مدهشة يحملها إليه والده لدى عودته في نهاية العام.

في تلك السنة كنا قد اكتشفنا للتو أنه يمكن –ببساطة- توصيل الكاسيت بجهاز الكمبيوتر، لتقوم سماعاته الكبيرة بمقام سماعات الحاسب الآلي، فنحصل على صوت أعلى وأفضل، لكن والد صديقي لم يشأ إلا أن يفسد روعة ذلك الاكتشاف، فيعود حاملًا من سفره جهاز "Subwoofer"، ولم يكن سهلًا عليَّ أن أقتنع أن هذه السماعات الصغيرة المتصلة بجهاز الـ"Bass" المكعب، تصدر صوتًا أعلى من ذلك الكاسيت الضخم الذي أملكه، وكان لا بد من تجربة، أو بشكل أدق، مباراة للتحدي؛ جهازي في مقابل جهازه، وكان معيار القياس أغنية "العالم الله" من ألبوم عمرو دياب حديث الصدور: "تملي معاك"، لما تمتلكه من إيقاعات قوية وقادرة على إظهار أي الجهازين أفضل، لكن ما زعزع ثقتي بنفسي في ذلك اليوم ليس خسارتي للتحدي، وإنما شقيق صاحبي الأكبر الذي جاء مفزوعًا من صخب الأغنية، يصرخ فينا "اقفلوا اللي مشغلينه ده.. عايزين الناس في الشارع يقولوا عليَّ إيه.. بسمع عمرو دياب!"، فبادرته مندهشًا "أمال بتسمع إيه"، فأجاب: "السماعات ديه مينفعش تطلع صوت لحد غير محمد منير"!

(2)
أحب الإسكندرية، وحين أسترجع أسباب جمالها في ذاكرتي، أراني مطلًا من شرفة لا تواجه البحر وإنما تبصره -من مكانها في منتصف الشارع- أفقًا رحيبًا، وينالها من جماله نسمة لطيفة يصاحبها صوت عمرو دياب الذي يغني "يا عمرنا"، ولا أستطيع فصل المشهد عن صوته، وكأن الصوت الذي يبدد سكون الشارع الهادئ ساعة العصر هو مصدر تلك اللطافة لا هواء البحر المنعش.



عندما صدر ذلك الألبوم، في العام 1993 كان عمري خمس سنوات، وخلال أعوامي التالية، لم يكن يشغلني من الغناء أو الموسيقى أي شيء، غير أن الفنانين في العموم بشر ثقلاء الظل؛ من أم كلثوم وعبدالحليم وعبد الوهاب وصولًا إلى محمد منير الذي كنت أسخر من هيئته التي يظهر بها في حفلات ليال التلفزيون، ورأسه يدور على أنغام الموسيقى في حركة تشبه لفة سلك الميكروفون الطويلة الذي أحاط ذراعه بها بينما تجحظ عيناه في شكل مخيف، وحده كان عمرو دياب المستثنى من تلك القاعدة، والذي يظهر شريطه الجديد في أغسطس من كل عام، فيحمل الهواء صوته لطيفًا ليرطب بشرتي المحترقة من شمس البحر طوال النهار.

في العام 1998، كان عمرو دياب يبدو استثنائيًا وهو يقف على المسرح رافعًا جائزة الـ"World Music Award" كمن يضم كأس العالم في أحضانه، في وقت لم يستطع منتخبنا القومي لكرة القدم الوصول للمسابقة في فرنسا، وكان ذلك وحده كفيل لنا –كأطفال في المدرسة- لتغيير أهدافنا المستقبلية، حيث لم نعد بحاجة لأن نصبح جنودًا في الجيش كي نحارب العدو الإسرائيلي الذي يحتل فلسطين، فعمرو دياب قد انتصر لنا واقتنص من العالم جائزة تبرز تفوقه عليه وتفوقنا بالضرورة، الذي لم يشغله تفوقه العملي عن حب مصر وتأكيد انتمائه لها، فهو يعود مباشرة إليها عقب الظفر بالجائزة، راكبًا القطار ومتجها إلى أسوان، يغني "عودوني" –كما جاء في فيديو كليب ألبومه الجديد الصادر في العام نفسه-، في حين لا نفهم الكلمة باعتبارها لفظاً عامياً مشتقا من فعل "تعود" وإنما كلفظ مشتق من "عاد"، ثم لا يلبث أن يمر عام واحد فيخرج بأغنية تؤكد تواضعه فيقول "أنا مهما كبرت صغير أنا مهما عليت مش فوق"، وهكذا رأي جيلي دياب وتعامل مع منجزه التالي كله: نجم عالمي متواضع وأصيل في الوقت نفسه.



وعندما كبرنا وصرنا نفهم الأغاني وندرك معانيها، كان على الساحة الكثير من الفنانين الشباب الذين راق لنا جنونهم وإيقاعاتهم الخفيفة، فكنا نتورط أحيانا في الاستمتاع ببعض أغانيهم وترديدها، مثل مصطفى قمر وهشام عباس وحميد الشاعري، وكان ذلك ذنبًا يمكن غفرانه، أما أن نستمع إلى هاني شاكر أو كاظم الساهر أو جورج وسوف أو محمد منير، فكان ذلك أمراً غير مقبول، لأنه كان ينتقص من إحساس التميز الذي نشعر به لأننا من جمهور عمرو دياب، فالمطرب الذي نحبه وصل إلى العالمية وفي الوقت نفسه خال من العيوب، أما هاني شاكر فكئيب، وكاظم الساهر لا يسمعه غير النساء، وجورج "خمورجي"، ومنير غريب الأطوار يلف سلك الميكرفون حول رقبته.

وقد استمر الصراع على هذا المنوال حتى توصلنا إلى هدنة، فمع انتشار الكمبيوتر ودخوله إلى  كل البيوت المصرية، صارت عادة لدى مستخدميه الاحتفاظ بكل شيء وتناقل النادر منه في ما بيننا، وهكذا انتشرت صورة نادرة من حفل زواج هاني شاكر الذي حضره وغنى فيه كل من محمد منير وعمرو دياب، وكانت بمثابة القول الفصل في هذه الحرب، فلا يمكن الاقتتال بين جماهيرهم (منير ودياب وشاكر) لأنهم أصدقاء!

وعندما صدمني شقيق صديقي، قائلًا إن العار سيصيبه إذا عرف الناس بأمر استماعه إلى عمرو دياب لا محمد منير، لم أصد هجومه -ربما لأن الحرب كانت قد وضعت أوزارها، وتركته يسترسل، قال إن منير عالميّ ولا يباريه أي من أبناء جيله، وأنه مشهور في ألمانيا، وإنني إذا فتحت كتاب اللغة الألمانية الذي يدرسه الصف الثانوي، سأكتشف أن الألمان يعتبرون منير، من العلامات المصرية مثله في ذلك مصر الأهرامات، وأن معهد غوته في القاهرة يحتفظ في مدخله بصورة ضخمة لمحمد منير، ولم يكن شقيق زميلي من يردد تلك الأساطير وحده بل كل عشاق محمد منير، وما صمّ أذني عن سماع تلك الحقائق إلا حبي لعمرو دياب، وكان ذلك بمثابة ضربة قوية، فألمانيا ليست دولة عادية بالنسبة لجيل حفظ فيلم أحمد زكي "النمر الأسود" عن ظهر قلب، فهي بلد قوي وقاس في الوقت ذاته، لم يستطع محمد حسن –بطل الفيلم- أن ينجح فيه بسهولة، فكيف إذا أسرهم حب منير حتى اعترفوا به في الكتب التي تدرس لغتهم وزينوا جدران مراكزهم الثقافية بصوره، لم يكن يعني ذلك لنا غير شيء واحد، انهم أحبوا منير لهذه الدرجة فإنهم بالتأكيد سيحبون كل من يأتي من بلده بالدرجة نفسها، ما سيسهل من مهمتنا إذا قررنا ذات يوم أن نسلك طريق النمر الأسود.

مع الاكتشاف المتأخر لمحمد منير، بدأ حب عمرو دياب يخفت في داخلي، خصوصاً أن ذلك جاء في فترة متأخرة من سن المراهقة، ثم صرت لا أطيق سماع أغانيه التي يكتبها له أكثر الشعراء ركاكة من وجهة نظري: "أيمن بهجت قمر"، هذا بالإضافة لاكتشافي للسرقات المتكررة التي كان ملحنو عمرو دياب يقومون بها نقلاً من الموسيقى التركية واليونانية، وهو الأمر الذي تنتفي معه صفة العالمية عن نجمي المفضل، وهكذا انقلبت إلى واحد من أشرس المعجبين بمحمد منير، أسخر من وصف "الهضبة" الذي يطلقه جمهور عمرو دياب عليه، ليس لركاكته الواضحة وإنما لظني بأنهم ألصقوه به لمواجهة لفظ "الملك" الذي منحه "الشعب" لمنير، ثم بدأ صخب المراهقة يخفت كلما نضجت، واتسع وعيّ فتمردت على تجربة منير نفسه وزهدت فيها.

(3)
في الأيام القليلة الماضية صدر ألبوم "معدي الناس"؛ لعمرو دياب، وترافق صدوره مع ضجة إعلامية وشعبية واسعة، ولم أهتم بسماع الألبوم قدر اهتمامي بمتابعة ما كتب حوله من تحليل لتجربة عمرو دياب وقدرته في الحفاظ على نجاحه بشكل ثابت، رغم مرور الزمن، ومن بين ما قرأت في هذا المجال مقال ملفت كتبته فيروز كراوية، تحلل فيه موسيقاه وأسباب نجاحه الفني، كما ذهبت لحضور ندوة لعمر طاهر بعنوان "أوضة عمرو دياب" تطرح الموضوع ذاته، لكني وجدت نفسي غريبًا عن كل ذلك؛ غير معني –رغم استمتاعي- بما قرأته أو سمعته، فكراوية وطاهر يحللان تجربة شكلت وعيًا لديهما وتجاوزاه هما وأبناء جيلهما فاستطاعا رصدها، وربما لتفاعلت معهما أكثر لو كان تحليلهما يخص محمد منير، الذي اعتبرته –وما زلت- بمثابة نقلة مهمة في وعيي، ساعدتني في الانفتاح على موسيقى عالمية أكثر رحابة وتنوعًا من موسيقى عمرو دياب، وقد استطعت تجاوزه بتجاوز ذلك الوعي الذي شكلته تجربته في وجداني، أما عمرو دياب فأكثر الأغاني في هاتفي المحمول –حاليًا- من نصيب ألبوماته الأولى وحتى ألبومه "علم قلبي الغرام"، ربما لأنه شكل طفولتي، وهذا شيء لا يمكن تجاوزه.  

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top