الحمل

محمود درويش وحكاية هذه المقابلة /الكمال فـي الشعر مستحيل، لذلك أفكر دائماً بالنقصان

محمود درويش وحكاية هذه المقابلة /الكمال فـي الشعر مستحيل، لذلك أفكر دائماً بالنقصان
مقابلة مع محمود درويش

مقدمة وحوار: محمد شاهين *(عن مجلة نزوى)

نمتَ ملء جفونكَ يا محمود وما زلنا نختصمُ فـي شوارد لغتك

  ولدت هذه المقابلة من رحم عبارة ترد في سياق مقالة كتبها إدوارد سعيد عن محمود درويش ونشرتها مجلة جراند ستريت (رقم 48، شتاء 1994، ص 112-115). تقول العبارة أن محمود درويش لا يمتلك الطلاقة في اللغتين الإنجليزية والفرنسية. يبدو أن العبارة تركت أثراً سلبياً عند محمود درويش رغم أن المقالة بمجملها تعبر عن إشادة بموهبة محمود درويش لا مثيل لها، وفي اعتقادي أنها ساهمت في تقديم محمود درويش إلى القارئ الغربي خصوصاً أنها جاءت في وقت كان صوت محمود درويش بحاجة إلى تخطي الحدود المحلية والإقليمية، وربما هذا ما هدف إليه صديق الشاعر . وهذه هي الحكاية. كنت قد ترجمت قصيدة طباق (contrapuntal)، القصيدة التي رثى محمود درويش فيها صديقه إدوارد سعيد عام 2004، ويبدو أن الترجمة قد وجدت قبولاً عند الشاعر عندما قرأها وأشار إلى أن ترجمتي للقصيدة من العربية مباشرة إلى الإنكليزية تتفوق على الترجمة الأخرى التي قامت صاحبتها من نقلها إلى الإنكليزية من خلال النص الفرنسي للقصيدة المنقول أصلاً عن العربية والإشارة هنا إلى الترجمة التي قامت بها Geeta Chowdhry. هذا ما جعلني أُقْدم على ترجمة ديوان "كزهر اللوز أو أبعد"، التي ظهرت فيه القصيدة، بل وأتقدم بالترجمة قبل نشرها إلى الشاعر ليراجعها. ساعات طويلة قضيتها معه في المراجعة توزعت على عدة لقاءات في شقته. وعندما عبر لي عن رضاه لترجمة ذلك الديوان، شرعت على الفور بترجمة "في حضرة الغياب" وتجرأت على تقديم الترجمة له، بالمثل رحّب بقراءتها قبل أن تجد سبيلها إلى النشر. وبالفعل قضينا وقتاً طويلاً في المراجعة. «كيف استطعت أن تترجم في حضرة الغياب»، سألني محمود درويش؟ أجبته أن حضور الشاعر في الغياب هو الذي ترجمني! بيت القصيد أن سيطرة محمود درويش على اللغة الإنكليزية التي لمستها من الساعات الطويلة التي قضيناها في محاورة النص المترجم أثارت إعجابي وعبّرت له عن هذا الإعجاب بكل صراحة ووضوح. وما كان من محمود درويش إلا أن انطلق قائلاً ليت صديقك إدوارد كان على قيد الحياة لتقول له ما تقول لي، عله يغير رأيه. حاولت أن أُنصّب نفسي محامي دفاع عن إدوارد قائلاً أن العبارة بالإنكليزية يا محمود لا تحمل ذلك التأثير الذي أشاعته في نفسك، إذ يبدو أنك قمت بترجمتها حرفياً إلى العربية. أضفت قائلاً: لماذا لا تحسن الظن بصديقنا الذي تمنى لو أن سلطة شاعرنا على العربية لا تقل عن سلطته على الإنكليزية! وهكذا…أنهيت مرافعتي عن إدوارد سعيد باقتراح لم أكن جاداً فيه البتة هو أن أقوم بمقابلة محمود درويش أضع الأسئلة فيها بالإنكليزية. وقد أدهشني أنه وافق على الفور. وأتبعت هذا العرض أن ذكَّرته بعبارة إدوارد سعيد التي شاعت بين المهتمين بأدبيات ما بعد الاستعمار والتي أضحت فيما بعد عنواناً لكتب عن الموضوع كتبها أنصار إدوارد سعيد. العبارة هي «اكتب ردك» (write back) والقصد من وراء هذه العبارة ألاّ يظل الطرف المغبون (وهنا الطرف الذي يظن أنه مغبوناً) صامتاً اتجاه الطرف الآخر. اشتملت المقابلة على تسعة وعشرين سؤالاً كتبتها بالإنكليزية، كل سؤال على صفحة مستقلة. اعتذر عن إجابة بعضها وطلب مني أن أجيب على ما أعتذر عن إجابته نيابة عنه. لكني لم ولن أفعل، لأنه من غير المعقول أن أتجرأ على وضع نص من إجابتي بجانب نص إجابة من محمود درويش حتى لو كان الأمر برضاه واكتفيت أن أنظر إلى العرض على أنه نابع من تواضع محمود درويش الجم. كيف أجاب محمود درويش على أسئلة المقابلة؟ قام شاعرنا بترجمة الأسئلة إلى العربية (ترجمة كل سؤال على صفحة منفصلة أيضاً) وهي ترجمة تتميز بدقة فائقة. أجاب على الأسئلة على النسخة التي تسلمها والتي تضمنت النص بالإنكليزية. ما قمت به هو أنني استخرجت نسخة بالعربية أقدمها للنشر بالعربية هنا لأول مرة. وفي الوقت ذاته استخرجت نسخة أخرى بالإنكليزية تتضمن طبعاً ترجمتي لإجابته التي قام بها بالعربية أصلاً. وستظهر النسخة الإنكليزية في كتاب بعد أشهر قليلة يضم مختارات من أشعار محمود درويش قمت بترجمتها علاوة على بعض النصوص التي ترجمتها وألحقتها بالكتاب، لها علاقة بحياة الشاعر ومسيرته الشعرية ستظهر هذه النسخة من دارين للنشر إحداهما في أمريكا والأخرى في بريطانيا.


لست أدري إن كان من المناسب أن أستذكر في هذا السياق تعليق محمود درويش على المقابلة: صعبة، أصعب ما قمت به من مقابلات سابقة. تدعوني هذه المقابلة إلى استذكار البرنامج التلفزيوني الذي تقوم به هيئة الإذاعة البريطانية: حديث صعب (Hard Talk). عنت ببالي على الفور رغبة في تفعيل عبارة إدوارد سعيد التي ألحت علي برد ما: لا تدعني يا محمود أصدق أن الصعوبة تكمن في الأسئلة التي قمت بتوجيهها إليك، وهي أسئلة يمْكن أن يوجهها إليك غيري، بل أن الصعوبة تكمن في حساسيتك (sensibility) التي تملي عليك إرادة فائقة في التعامل مع اللغة، عربية كانت أم غير عربية، وفي نحت بنية تركيبية محكمة شعراً كانت أم نثراً. هل لي أن أستذكر في هذا السياق بيت المتنبي الشائع جداً في تراثنا العربي خصوصاً وأن المتنبي كما تقول على الدوام (مَثَلُك الأعلى في الشعر على الأقل) أو كما قال إليوت عن مثله الأعلى باوند: أنه بالنسبة إليه «الصانع الأمهر», فالمتنبي بالنسبة لك صانعك الأمهر وكما تشير إليه دائماً أنه جدك في سلالة الشعر. البيت هو: أنام ملئ جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جراها ويختصم رحلت عنا يا محمود ونمت ملء جفونك عن شواردها وما زلنا نختصم في شوارد لغتك. كأن صديقنا إدوارد عندما ذكر تلك العبارة التي لم ترق لك كأن يطمح أن تمتد موهبتك في العربية إلى الإنكليزية لتشمل سيطرة عليها قريبة من سيطرتك على اللغة الأم، صمت الشاعر قليلاً عن الكلام المباح. أعقب الصمت بضحكته المعهودة التي ما زال صداها الفضي يرن في أذني!


vv متى تحققت فعلاً أن الشعر سيمثّل هاجسك الرئيس في حياتك، وهل تظنّ أن ما لقيته في طفولتك حفزّ لديك الحاجة إلى الكتابة؟
في طفولتي، كنت مولعاً بالحكايات التي أسمعها في دار جدِّي، وما يتخللها من كلام مختلف عن سائر الكلام. إنه الشعر الذي يتكلم عن الليل والحبّ والفروسية. هزّني إيقاعه العالي وحرّك فيّ مشاعر غامضة. وتمنيّتُ أن أكبر بسرعة لأتقن اللغة وأكون قادراً على التقليد: على كتابة ما يشبه هذا السحر. وحين كبرت فجأة بسبب الحرب التي اختطفت مني طفولتي، وصرت واحداً من اللاجئين في لبنان وبعدها في بلادي، لم أعد ولداً سعيداً. الشقاء وضياع المكان هما اللذان حرَّضاني على محاولة التعبير، فحاولت وأنا في العاشرة أن أكتب ما يشبه الشعر. صارت هذه المحاولات البريئة لعبتي الأساسية. وحلمت بأن أكون شاعراً. لكني لا أعرف متى كرَّستُ حياتي للشعر. ربما حين أدركت أن الشعر ليس لعبة وهواية فقط، بل هو أيضاً مهنة ومسؤولية… ربما حين أدخلني الشعر إلى السجن، وأنا في العشرين من عمري.

vv أنت – لا ريب- مبدع عظيم في الشعر العربي الحديث فهل كان عليك أن تجاهد في زعزعة العوائق المتوارثة في تلك السبيل؟
لكي نتعلم كتابة شعر حديث، علينا أن نستوعب تقاليدنا الشعرية.
فنحن لا نستطيع التمرد على مالا نعرف، كما لا نستطيع الكتابة من الصفر. يعجبني تعريف إليوت للنضج الأدبي بأنه إحساس الشاعر بأسلافه، وإحساسنا بوجود من سبقوه خلف هذا الإنتاج. الإبداع ليس قطيعة تامة مع ما سبق. إنه استمرارية لما هو حيّ في التراث وقطيعة مع ما لم يعد قابلاً للتعبير عن حساسية زماننا. وأنا واحد من الذين يعتقدون أن تجديد الشعر العربي لا يكون طبيعياً إلا إذا تمَّ داخل سياق هذا الشعر الفنيّ بالإيقاعات والأوزان، وفي سياق علاقتنا بتجارب الشعر الإنساني. ومن الخطأ أن نعرِّف ثورة الشعر العربي الحديث بالانقلاب على الأوزان… وأن نقول – بلا أوزان – روح التقليد والمحافظة. الثورة الحقيقية تبدأ بتغيير منظورنا إلى العالم، وأن نشتقَّ من الأوزان الكلاسيكية إيقاعات جديدة تنسجم مع إيقاع حياتنا الحديثة.
وفي ما يخصُّني، لا أشعر بأن الوزن الشعري يقيِّدني. فالشعر هو فن التغلُّب على الصعوبة. نعم، كان عليّ أن أتدرَّب على تطويع الوزن الشعري لمتطلبات قصيدتي الحديثة. ولعلي من آخر المدافعين عن عدم التناقض بين الإيقاع الداخلي والإيقاع الخارجي، لكني أعرف أن كسر التقاليد لا يتم إلا بإبداع تقاليد جديدة. فإن كل شعر جديد يخلق نظامه الخاص به.

vv ما أولى بواكير شعرك التي قدّر لها البقاء، وأين هي من أي مجموع شعريّ لديك أو غيره؟
ما يبقى وما لا يبقى من شعري المبكر أو المتأخر- سؤال يُحَالْ على الزمن. الزمن هنا هو سؤال يُحال على الذاكرة الجماعية. ولكن كثيراً ما تختلف ذائقة الشاعر عن ذائقة القارئ. قد يُعْجَبُ القارئ بقصيدة لا تعجب الشاعر، وبالعكس.
وما دمت تسألني عن اختياري الشخصي، فإنني أختار قصيدة «إلى أمي» التي كتبتها على علبة سجائر خلال إقامتي في السجن. ومن حسن حظي أن هذه القصيدة الصغيرة، وهي قصيدة شخصية، قد صارت أغنية عامة.

vv يظهر لي أنه لا تزدهيك بواكير شعرك مقارنة بما بلغته قصيدتك في مدارج تطوّرها فيما بعد. ما تعليقك؟
نعم. لست راضياً عن قصائد كثيرة، مبكرة أو غير مبكرة. لأنني – ببساطة- لا أنظر إلى عملي الشعري برضا، وأطالب نفسي بالكثير، دائماً أقول: كان يمكن لهذه القصيدة أن تكتب بشكل أفضل… أن تومئ بدلاً من أن تقول. أو: كان الراهن ثقيلاً. كان الضوء ساطعاً، والظلّ قليلاً. كان على الإيقاع أن يخفت هنا وأن يعلو هناك. كان الملح زائداً أو ناقصاً، وغير ذلك من أشكال التردد والحيرة. إن السعي إلى الكمال مهمة شاقة. وإن الكمال مستحيل. لذلك أفكر دائماً بالنقصان. وأحلم دائماً بكتابة «القصيدة الصافية». ولكن، هل هنالك «شعر صاف» حقاً؟ علينا أن نحلم بذلك.

vv هل ترى رأي من يرى أن الإيقاع الصوتي هو الميسم الجوهريّ للشعريّة، وأنه مهما يكن المحتوى أو الغاية النهائية إذا لم تصب الإيقاع الصوتي تماماً فلن يكون ذلك شعراً. ومن وجه آخر؛ إذا أنت أصبت الإيقاع الصوتي تماماً فإنه يلقى استحساناً حتى لدى مستمع لا يفهمه؟
لا شك في ذلك. الصوت هو العنصر الأساسي في القصيدة، هو نايُ الصوفيّ، وهو إيقاع الصورة وحركة المعنى. هو نداء الذات إلى الآخرين للمشاركة. وهو الموسيقى التي تجعل الكلام شعراً، ونُغْري الكلام بأن يكون موسيقى. لا أحد يستطيع أن يحدِّد معنى واحداً للموسيقى. وهكذا نستمتع بالاستماع إلى الشعر في لغة قد لا نفهمها. القارئ المرهف لا يقرأ الشعر بعينيه، بل بأُذنيه. فما أن تقع عيناه على الكلمات حتى يوقظها من النوم على الورق، وينقلها بلسانه إلى أذنيه ليستمتع بالإيقاع الذي يدفع بالمعنى إلى المرتبة الثانية. أليس الشعر إيقاعاً؟


vv ألا تشعر أن معظم من يستمعون إليك ويستمتعون بشعرك ويهتزوّن له دون أن يفهموه بالضرورة يمكنهم على نحو ما أن يسترجعوه وأن يتمثّلوه إجمالاً؟
يقول الكثيرون من قرائي إنهم يفهمون شعري بشكل أفضل، أو يشعرون به بشكل أعمق، عندما يستمعون إليّ وإلى طريقتي في قراءته. وإنهم يجدون صعوبة ما في فهمه عندما يقرأونه مطبوعاً في كتاب. ربما لأنهم يعتقدون أنني مُلْقٍ جيد للشعر. وربما لأن الإلقاء يقترح طريقة أوضح لقراءة النص: إنه يفسِّر، بالصوت وحركة اليد، ما كان غامضاً. يركز على هذه الصورة أو تلك الاستعارة، ويحدِّد نهاية المقطع الشعري، أي يحدِّد ملامح جسد القصيدة. وعليّ أن أعترف بأن إحدى صعوبات القراءة ناجمة عن مَيْلي إلى إلغاء مفهوم السطر الشعري في كثير من قصائدي، بحيث تكون القصيدة كلها سطراً واحداً. أي تكون القصيدة دائرية، أو شبكية الشكل.
vv يفارق الشعر صوته مكتوباً حتى يردّ النطق لحناً مسموعاً كما الموسيقى على السلم الموسيقي إذ لا تعدو أن تكون مؤشرات للعازف. ما العلاقة، فيما ترى، بين قراءات مخصوصة مكرورة بأعيانها من النصّ والاستماع في مناسبات كثيرة إلى قراءات من النصّ يؤديها الشاعر نفسه؟
لا يوجد جواب

vv لا يخطئ من يصغي إليك تقرأ شعرك على الملأ أن يلاحظ تمكنك الذكيّ من النحو وضبطك للصوت، شأن المغني الذي تتحقق مزايا جوهرية بضبطه لنفسه وصوته. ما قولك في هذا؟
أظنّ أن إلقاء الشعر فنّ يتراوح بين المسرح والغناء. لكنه ليس هذا ولا ذاك، فلا يبدو الشاعر ممثلاً ولا مغنياً، بل مستفيداً من بعض خصائصهما. إن السيطرة على الصوت مرتبطة بحركة القصيدة، بحيث يسرد ويغنِّي، ويعلو ويهبط، ويعرف كيف يحترم الصمت أيضاً، هو أمر نتعلمه من الخبرة. لكن الأمر الأهم، بالنسبة لي، هو أن أشعر بأني أقرأ القصيدة لأول مرة، كأني أقرأ شعر غيري لا شعري. وإذا تذكرت، أثناء القراءة، أن هذا النص هو نصِّي، فعليّ أن أستعيد طريقة تنفسّي، أي إيقاعي، عندما كتبت القصيدة،
وكأنني أكتبها الآن على مسمع من الجمهور. لكن ما هو أصعب من كل ذلك هو أن أخفي مشاعري الشخصية لأسمح للقصيدة بادعاء الحياد، عندما تكون القصيدة ذات طابع ملحمي أو سردي.

vv منذ 1965 كنت تقرأ الشعر على الملأ، في العالم العربي وخارجه، هل ترى أنك تعلّمت الأداء على أنحاء لم تكن تُرْهِص بها؟
كل قراءة جديدة هي قراءة أولى. قرأت في المسارح المغلقة وفي المسارح المفتوحة، في العالم العربي وغير العربي. عندما أقرأ أمام الأجانب أركز على جماليات موسيقى اللغة العربية… وأخفف من انفعالي.
نعم. تعلمت أن لا أستجيب إلى ما يتوقعه مني الجمهور دون أن أصدمه أو أخيِّب أمله. إذا كان الجمهور متحمِّساً أكثر مما يتحملّه المناخ الشعري، خفضْتُ نبرتي، وقرأت بطريقة هادئة شبه حيادية لتذكير الجمهور بأننا في حضرة الشعر، لا في مظاهرة سياسية.

vv جَرَيْت على أن تقرأ شعرك بلحن إيقاعيّ «درويشي» يعدّ استثنائياً تماماً في الظاهرة الشعرية العربية، فهل كان ذلك لأنك تقصد إلى أن تمنح شعرك قيمة تستحقها بنية الشعور حتى يتحقق الانسجام لتلك القيمة والشكل معاً؟
لا هارمونيا بلا بناء مُحْكم تتوازن فيه عناصر القصيدة. الإيقاع هو العنصر الموحّد لسائر العناصر. يحرجني كثيراً أن أتحدّث عن إنجازي الشعري، فأنا لا أدين لغير الموهبة والحظّ بشيء. ولكن عندما تلّحون عليَّ بالسؤال اضطر إلى القول بأنني أفخر بثروتي الإيقاعية. حتى عندما أكتب النثر انصاع إلى إيقاعية ما دون أن أقصد ذلك. وأعترف بأن سلطة الإيقاع تدفع الجملة الشعرية أحياناً إلى ما لا أريد. لكن الناقد فيّ علَّمني كيف أكبح الاندفاعة الإيقاعية بنفَسٍ نثريّ النبرة.

vv هل حزت في حياتك أية آلة موسيقية، وهل كان ذلك سيُعْقِب لديك فَرْقاً لو تيسّر لك؟
من سوء حظي أني لا أعزف على أية آلة موسيقية، رغم هَوَسي بالموسيقى. ومن حسن حظي أيضاً أني محروم من هذه الآلة، لأنني لو امتلكتُها لكرّستُ لخدمتها كل طاقتي، وكتبتُ لها شعري.
vv What relationship do you think there is between repeated private reading of the text and hearing very occasional reading of the text by the poet?
تكرر هذا السؤال قبلاً فيما أظن. (كلام محمود درويش).
vv يتجلّى ازدهار فنّك الشعر على نحو مشهود في رَجْع الهوية الثقافية المستديم لديك باستمرار، هل تتمثّل بوعي صريح البعد العالمي للنصّ الذي يقوم شعرك؟
الهوية هي مزيج مما نرث ومما نصنع. خليط من الماضي والمستقبل، وهي مفتوحة للتفاعل مع الآخرين، لا أعرف ما سأكون لو لم أكن من نتاج شرطي التاريخي المحدَّد: أي لو كنتُ غيري! لكن المرء يطوِّر وعيه بهويته، ويدافع عنها عندما تكون مهددة- من ناحية. ويحاول أن يخرجها من الصَدَفة الضيقة ليوسعها ويغنيها بتفاعلات إنسانية أوسع- من ناحية أخرى. الشعر هو شكل من أشكال الدفاع عن إنسانيتنا التي هي هويتنا الأولى، ودفاع عن هويتنا الوطنية حين تتعرَّض للتهديد. من هنا، لا أرى تعارضاً بين التعبير عن أرضي وعن سمائي معاً… عن وطنيتي وعن إنسانيتي، عن المادي وعن الروحيّ. وإذا كان هنالك من توتّر في العلاقات بين الأشياء والكلمات، فإنه توتّر يضيء الشعر.

vv أعلم أنك مولع بالمتنبي فما الذي يروقك لديه على التعيين؟
لست مهتماً به فقط. بل أنا مفتون بشعره العابر للأزمنة، والذي ما زال قادراً على التعبير عن حالتنا المعاصرة، لارتباطه برصد طبائع النفس البشرية، وأحوال العرب. فكلما أردنا وصف هذا الزمن الرديء الذي نعيش فيه… اقتبسنا من المتنبي. شعره شديد الكثافة والإشعاع. نجد فيه تلخيصاً لتاريخ بلاغة الشعر العربي. إنه شاعر اللغة العربية الأكبر. أسس سلطة شعرية موازية للسلطة السياسية. لكنني لا أفهم لماذا لم يكتف بسلطته الشعرية، ولماذا سعى عبثاً إلى امتلاك سلطة سياسية!

vv هل تعتاد قراءة بعض من هو أثير لديك من الشعراء على نحو مكثّف لعلّك تستدخل «أنغامهم» لتشكّل نغمة خاصّة بك؟
شعرائي المفضلون كثر، من العرب وغير العرب. وكل شاعر مفضل هو معلِّم… يترك تأثيره الخفي في من يقرأه دون أن يقلده، بل يمتصّ بعض أسراره الشعرية. ويعجبني قول أوكتافيو باز بأن في داخل كل شاعر جمهرة من الشعراء، فنحن جميعاً أشخاص عديدون في آن واحد. ونحن جميعاً ننزع إلى التعبير عن تعدّدية الأصوات وعلى الحوار بين «الأنا» و «الأنوات» الأخرى.
ليست هنالك صفحة بيضاء، فهي مليئة بكتابات أسلافنا ومعاصرينا. الكتابة، إذن، هي كتابة على كتابة، لكن علينا أن نتعلم نسيان ما قرأناه، وأن نصوم عن قراءة الشعر حين نشرع في كتابة قصيدة، لكي ينبثق صوتنا الخاص بحرية وعفوية. أما ذاكرةُ اللاوعي فلا نستطيع التحكم بها أثناء الكتابة. لكننا قادرون على مراقبة ما تسلَّل من غيرنا إلينا بعد الكتابة. أي عندما يصحو الناقدُ في الشاعر.

vv هل تراجع قصائدك، وإذا كنت تفعل فما طبيعة هذه المراجعة؛ أهي استبدال بعض الكلم أم الأبيات أم غير ذلك؟
أفعل ذلك دائماً. لأن الحذف هو المهارة الحقيقية. أحياناً لا أجد شبهاً بين مسوَّدتي الأولى وبين ما انتهت إليه القصيدة في شكلها النهائي. لا أحذف كلمات أو سطوراً و مقاطع فحسب، بل أحذف النص كله وأسخر من تفاهتي. أصدقائي الذين يعرفون إسرافي في الحذف يعرضون عليَّ المساعدة، ويطالبونني بأن أرفع يدي عن المخطوطة لئلا أقتلها، أنا شديد القسوة على نتاجي. أنا ناقد نفسي الأقسى. ومع ذلك، فلستُ متأكداً من أنَّ ما لم أحذفه أفضلُ مما حذفته!

vv هل تتمثّل صيغة للكتابة تتخذها قبل أن تكتب أم أنه ينكشف لك عن «الصيغة» في أثناء الكتابة؟
غالباً ما يكون هنالك تصوّر عام لشكل القصيدة قبل كتابتها، وفكر جمالي يقودها. لكن، كثيراً ما يحدث أن تتشكل القصيدة أثناء الكتابة بطريقة مختلفة، فتسير في منحى آخر خارج التصوُّر المسبق. فإن منطقها الداخلي المستقل هو الذي يقودها إلى منطقة لم يتصورها الشاعر قبل الكتابة. وكثيراً ما لاحظت أن القصيدة الواضحة المتشكلة في ذهن الشاعر قبل الكتابة لا تكون أكثر من فكرة أو خاطرة.

vv هل تحيل إلى «مراجع» أو «موروث» بقصد محاكمة حالة حاضرة تريد إشهارها كما يفعل إليوت وباوند؟ أم يكون مرجعك في ذلك خبرتك الشخصية الخالصة الخاصّة؟
نعم. في شعري إشارات كثيرة إلى مرجعيات ثقافية وحضارية وتاريخية أرى أنها ضرورية لإدراج الحاضر في سياق تاريخي عام. إذ أني أرى، وبخاصة في القصائد الطويلة ذات النزعة الملحمية، أنه لا بد من أن يكون للقصيدة حامل تاريخي أو أرض صلبة تقف عليها. ومن ناحية أخرى، أرى أن هذه المرجعيات قد تُسهم في إغناء الهوية الشعرية المحلية، وتقرِّبها أو تضعها في المشترك الشعري الإنساني.

vv هل هناك أي تأثير بعينه كان ذا أهمية خاصة في اتخاذ تجربتك الشعرية هذا السَّمْت؟
لا يوجد جواب

vv هل ترى أن معظم الشعراء العرب المعاصرين يقعون في مشكل التباس الشعر العمودي لديهم بالشعر الحرّ وأنهم لذلك يضلّ عنهم أن الشعر العمودي هو قرين الغناء بإطلاق، وبمثل ذلك ينظرون إلى اقتران الشعر الحر بالكلام المرسل؟ إن ذلك يفضي إلى الإخلال بالعروة الوثقى المقتضاة للغموض في الشعر بدلاً من إحكامها.
لا علاقة للغموض بمسألة الوزن أو اللاوزن. مشهد الشعر العربي المعاصر يشهد صراعاً مؤسفاً، آن له أن ينتهي، بين الشعر الموزون وقصيدة النثر، وليس بين الشعر الموزون والشعر الحر. وعليَّ أن أضيف: أن الشعراء والنقاد العرب لم يتفقوا حول مصطلح «قصيدة النثر» ومصطلح «الشعر الحر»، لأن كلا المصطلحين مترجم عن الفرنسية والإنجليزية بانتقائية عالية تتيح لمن يكتبون «قصيدة النثر» فرصة القول أن ما يكتبونه هو «شعر حر»، ويتيح لمن يكتبون الوزن بطريقة غير كلاسيكية فرصة القول إنهم يكتبون «الشعر الحر».

vv هل تجد أن الشعر الحرّ مواتٍ لانثيال المشاعر والأفكار وأن الشعر العمودي مواتٍ للأفكار والرؤى التي تتقضى إلى نهاية مغلقة؟ ويخطر ببالي شاعر عربي ذو شعبية كان يدّعي لعقود من الزمن أنه مبدع الشعر الحرّ على حين أن محتوى شعره، بالفعل، سيكون، في ظنّي، خيراً له أن يُسلْك في نظام عمود الشعر العربي التقليدي.
لا يوجد جواب

vv على أيّ وجه تحسب نفسك شاعراً فلسطينياً أو شاعراً عربياً، وإنما أسألك هذا وفي ذهني أنك أنفقت شطراً من حياتك خارج فلسطين؟
أنا عربي فلسطيني. وهذا أمر بديهي. ولكن التركيز على هوية الشاعر الوطنية في مجال الشعر هو أمر آخر، يتراوح بين البراءة والخبث. فالتأكيد الدائم على أنني شاعر فلسطيني يقترح قراءة شعري من منظور القضية الفلسطينية فقط. ولا يجري تمييزاً بين طبيعة الخطاب الشعري والخطاب السياسي. لأن على الشاعر الفلسطيني – وفق هذه القراءة – أن يقول كذا وكذا، ولا يحق له أن يكتب قصيدة حب، أو قصيدة عن وردة بيضاء خالية من لون الدم، أو قصيدة عن موت عاديّ. وهكذا يحوّل إلى نمط مقروء سلفاً. وسواء عشت في فلسطين أو خارجها، فإن ذلك لا يضعف ولائي المزدوج: للشعر ولفلسطين. وما دمت اكتب باللغة العربية، فأنا شاعر عربي. وما دمت أكتب الشعر، فإن من واجبي أن أكتب شعراً جيّداً… عليَّ أن أتقن مهنتي بالمقاييس الأدبية العامة، لا بمقاييس الخصوصية الفلسطينية السياسية.
vv ماذا ترى في هذه «الملاحظة»؟ لو كان إدوارد سعيد لا يزال بيننا لكان يقرأ «حضرة الغياب» بتقدير عظيم وإعجاب خاصّ، ولتحقق، على الأقل، أنّك مددت في بُعْد مفهومه للمثقف المتمثّل في عبارته المتناقلة (أجهر بالحق في وجه القوّة) (أجهر بالحقيقة للسلطة). إن جوهر ما أضفته إلى تلك العبارة هما المقوّمان اللذان تقتضيهما وأحدهما للقائل (من يقول؟) والآخر للمتلقّي (لمن نقول؟) وذلك أنّك حدّدت على اليقين، طرفي الحقيقة وبذلك صعّدت أثر «الحقيقة موضع الاهتمام» إنك، باختصار تجعل الحقيقة الذي حاول إدوارد سعيد تقديمها أقل تجريداً وأكثر تجسيداً.
(لم يذكر محمود درويش أي ملاحظة على هذا السؤال)

vv هل يمكننا أن نستبدل بعنوانك «حضرة الغياب» عنوان «صورة الفنان فلسطينياً في الشتات» (سفر خروج جديد)؟ وإنما أريد بذلك أنك استطعت أن تضع سفر خروج جديداً حقيقياً كان سببه آخر أسطورياً.
أقترح أن لا نذهب بعيداً في التأويل. فأنا لا أعرف في أي جنس أدبي سيُوضع هذا الكتاب. أعترف بأنه نص محيِّر، فلا هو شعر كله ولا هو نثر كله. لا هو سيرة ذاتية، ولا هو رواية عامة. على النُقَّاد الجادين أن يجدوا له سلالة عربية أو غير عربية. ولكني أردت العثور على نقاط التداخل بين الشعر والنثر، من خلال الاحتفاء بجماليات اللغة القصوى. إن ما يميزه هو التطابق بين توتر اللغة وتوتر الموضوع. هل فيه شيء مما سألت: اكسودوس أو منفى؟ نعم، فيه شيء من ذلك، لأن ذلك هو المسار الذي سارت فيه حياتي. وحين أروي جزءاً من قصتي الشخصية، فإنه يتقاطع مع الرواية العامة. لأن العام، هنا، هو الشخصي. والشخصي هو العام. ويطل الماضي في هيئة حاضر مستمر. ويتداخل التاريخي مع الأسطوري.

vv أنكون على حق إذا تمثّلنا أنك تقيم في حضرة الغياب توازناً مُسْعداً بين ثنائيات متنوّعة: الفرد والمجتمع، الخاصّ والعام، الشكل والمضمون، الماضي والحاضر، التاريخ والثقافة، وهكذا، دون أن تنقص طرفاً دون آخر؟
لا يوجد جواب

vv هل حضرت مؤخراً بضع جنازات لكتاب رفاق كانوا لك أصدقاء؟ وهل للموت تأثير كبير على شعرك؟
نعم. صار الموت في السنوات الأخيرة أحد شواغلي الشعرية. صار أكثر قرباً وإلحاحاً. أعني الموت العادي لا الموت البطولي. شيَّعت كثيراً من الأصدقاء، ومنهم كتاب وشعراء. ولم أتمكن من حذف أسمائهم وأرقام هواتفهم من مفكرتي ومن ذاكرتي. وقد مررت شخصيّاً بتجربة الموت عندما أجريت لي عملية جراحية خطيرة في الشرايين، قابلت فيها الموت وجهاً لوجه. وكتبت عن هذه التجربة في قصيدتي الطويلة «جدارية». كل موت هو موت أول. لهذا يفاجئنا، فنخاف ونحزن. لكن علينا أن ننسى أن الموت يلازمنا وأنه مصير كل كائن حي. علينا أن ننساه لنعرف كيف نحيا، ونعمل ونبحث عن جوهر لحياتنا. وعلينا أيضاً أن نتذكره، بين حين وآخر، لنخفِّف قليلاً من السرعة ولنتواضع. لا أريد أن أطرح أسئلة ميتافيزيقية، لأن ما يشغلني أكثر هو: كيف أحيا، وكيف أجد معنى ما للحياة.

vv هل يعرض لك أن تكون خالي الوفاض وأن باب الكتابة قد أوصد دونك تماماً؟ وكيف تواجه الأوقات العقيمة إذا حدث أن عرض لك مثل ذلك؟
الكتابة مغامرة بلا ضمانات. فلا شيء يضمن للكاتب استمرار تدفق الماء في الكلمات. والجفاف هو الخطر المتربص بنا جميعاً. إنه أحد أشكال الموت الإبداعي الأكثر رعباً. نعم. إنه كثيراً ما يُصيبني، وبخاصة بعد الانتهاء من عملي الجديد. عندما أضع النقطة الأخيرة في نهاية النص، أشعر بأنني مشرف على السقوط في هاوية، فأصاب بالإحباط… وأثرثر مع نفسي حول عبثية الكتابة. وقد تعلمت ألا أعاند الجفاف لأنه أكثر عناداً كانقطاع الرغبة الجنسيّة. فأتركه وأتدرّب على نسيانه، وأرمي بنفسي إلى الحياة اليومية، وإلى لعبة النرد ومشاهدة الأفلام التافهة، ثم أعود إلى قراءة الكلاسيكيات… نبعنا الأدبي الأول. الإلهام حظ، ولكنه حظّ مجتهد!

vv هل توافقني على أن ما يجعل شعراً مثل شعرك باقياً هو القيم الأصول (القائمة على الشكل في تدفقه) لا على القيم المرجعيّة التي تحقق، لسوء الحظ، شعبية آنية أحياناً لدى جمهور بسيط؟ إن في ذهني شاعراً عربياً ذا شعبية يتخذ لنفسه سبيل تلك القيم المرجعية من الاستشهادات والإشارات.
لا يوجد جواب

vv ذكرت مرة أن النقاد لم ينجحوا في تبيّن الجانب الساخر في شعرك، أما أنا فأميل إلى أن أرى ذلك ملاحة نكتة وآية فطنة بأكثر مما هي سخرية، لأن السخرية آثارها تتلاشى، هل تقرّني على ذلك؟
قد تكون محقاً لو أني تحدثت عن satire. ولكنني تكلمت عن الـ irony أو sarcasm.

vv في حضرة الغياب وفي الشطر الأكبر من شعرك وخاصة القصائد الطويلة، نحسّ أن التحدث مسوق إلى استطلاع همّ أولئك الذين اغتصبت أرضهم لا همّ الأهالي الذي أخرجوا من ديارهم فحسب. إنه هنا حيث يمكننا القول إن شعرك ملحمي لكونه (جماعيّ التمثيل) بأكثر مما هو غنائي (ذاتي). هل لك أن تعلّق على هذا؟
لا يوجد جواب. w




0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top