الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة


ترجمة حسّونة المصباحي

هنا نص المقدّمة التي خصّصها خورخي لويس بورخيس (1899-1984 للتّرجمة التي أنجزها لديوان الشاعر الأميركي الكبير والت ويتمن"أوراق العشب:

عندما نَعْبر من الإنبهار والدّوار عند قراءتنا الأولى لديوان "أوراق العشب"، إلى القراءة المجدّة لواحدة من أكثر السّير وَرَعا لمولّفها، فإنّنا نشعر بالخيبة. في اكفهرار، وسطحيّة الصّفحات التي أشرت اليها للتّوّ، نحن نبحث عن المتسكّع نصف-الإلهيّ الذي تبرزه القصائد. ونحن نعجب لأننا لا نعثر فيها على أثر له. وتلك كانت على الأقلّ التّجربة التي حصلت لي شخصيّا، كما حصلت لإصدقائي. وواحد من أهداف هذه المقدّمة هي شرح، أو السّعي الى شرح هذا النّشاز المحيّر.

هناك كتابان فريدان من نوعهما صدرا في نيويورك عام 1855، وكلّ واحد منهما بمواصفات تجريبيّة. وكلّ واحد منهما مُختلف عن الآخر. الأوّل اشتهر على الفور، إلاّ أنه اليوم حبيس الأنطولوجيّات المدرسيّة ومعروض فقط لفضول الباحثين والأطفال، أعني بذلك"هايواتا" للونجفالو. هذا الكاتب أراد أن يكتب بالإنكليزية الملحمة الأسطوريّة للهنود الحمر الذين كانوا قد سكنوا في أنكلترا-الجديدة . وبالإضافة الى البحر الشّعريّ الذي لا يذكّر بالبحور المعتادة، استوحى المؤلف عمله من "الكاليفلا"الفينلانديّة الذي اصطنعها -أو أعاد بناءها-إلياس لونروت. أمّا الكتاب الثّاني فقد كان "أوراق العشب".
سبق أن أشرت الى أنّ الكتابين مختلفان. وهما كذلك بالتّأكيد.

فالأوّل كان عملا متعقّلا لشاعر جيّد كان قد استكثف أسرار المكتبات ولم يكن ينقصه لا الخيال ولا حسن التنصّت. أمّا الثاني-أي "أوراق العشب" فقد كان تجلّيّا لعبقريّة خارجة عن المألوف. والشيء الذي يجمع بين الكتابين هو أنهماكانا ملحمتين أميركيّتين.
في ذلك الوقت كانت أميركا الرّمز الخارق لمثل أعلى والذي فسد اليوم الى حدّ ما بسبب الإفراط في اللّجوء الى صناديق الإقتراع والبلاغة المفخّمة رغم أن الملايين من النّاس لا يزالون يدفعون دمهم ثمنا من أجل ذلك. العالم برمّته كان يتطلّع الى أمريكا وإلى "ديمقراطيّتها العظيمة". ومن بين العديد من الشّهادات، تكفيني شهادة غوتة الذي قال:"أميركا أنت الأفضل"... وتحت تأثير أمرسون الذي كان بمعنى معيّن معلّمه، فرض ويتمن على نفسه كتابة ملحمة هذا الحدث التّاريخي الجديد: الدّيمقراطيّة الأميركيّة. وعلينا ألأّ ننسى أن أولى الثورات التي شهدها عصرنا، تلك التي ألهمت الثورة الفرنسيّة وثوراتنا نحن، كانت الثورة الأميركيّة والتي كانت الديمقراطيّة جوهرها.

كيف نتغنّى بهذه العقيدة الجديدة للشعوب؟ ثمّة حلّ يفرض نفسه على كلّ كاتب سيختار أو سيحاول من خلال تسهيلات البلاغة، أو إعتمادا على المبدأ البسيط للكسل، أن ينسج بطريقة مجّدّة قصيدة غنائيّة أو استعارة غنيّة بالإستشهادات الرنّانة إلاّ أن ويتمن أعرض عن ذلك لحسن الحظّ.

وقد فكّر بأنّ الديمقراطيّة حدث جديد، وأنّ التّغنّي بها يتطلّب أسلوبا جديدا أيضا. وكنت قد تحدّثت قبل حين عن الملحمة. وفي كلّ النّماذج الشّهيرة التي كان الشابّ ويتمن على اطلاع عليها، والتي كان يصفها بالإقطاعيّة، كانت هناك شخصيّة مركزيّة -أخيل، أوليس، أيني، رولان، السيد، سيغفريد، المسيح – والذي مقامه أعلى من مقام الشخصيّات الأخرى، والتي لم تكن غير شخصيّات عاديّة. هذا التفوّق الذي يحظى به البطل، فكّر ويتمن في القيام بمحاولة بهدف أن يجعله تماثلا مع عالم انهار وسيعمل على انهياره، ألا وهو عالم الإرستقراطيّة. لذلك فإنّ ملحمته لا يمكن أن تتماثل مع هذا النّموذج. لا بدّ أن تكون متعدّدة، عليها أن تعلن عن المساوة المطلقة والتي لا مثيل لها بين البشر، أو أن تفترضها. هذا القرار العنيد يبدو وكأنه يقود حتما الى خليط غير متجانس وفوضويّ. ولكن ويتمن الذي كان عبقريّا، تحاشى هذه المجازفة بمهارة فائقة. وقد أنجز بسعادة التّجربة الأكثر جرأة، والأشدّ طموحا، والتي لم يسجلها التاريخ الأدبي من قبل أبدا.
أن نتحدّث عن التجارب الأدبيّة فإنّ ذلك يعني التحدّث عن المحاولات التي فشلت تقريبا، لكن بطريقة مجيدة، مثل "الوحدات"لغونغورا، أو مؤلّفات جيمس جويس. أما تجربة ويتمن فقد نجحت الى حدّ أننا نسينا أنها تجربة.
في مكان ما من كتابه، يشير ويتمن الى لوحات من القرون الوسطى للعديد من الشخصيّات، بعضهم يتمتّعون بالمهابة وبالمجد، ويعلن أنه يقترح على نفسه أن يرسم لوحة لا متناهية، مسكونة بعدد لا متناه من الشخصيّات، لكلّ واحدة منها مهابة. لكن كيف يمكن تحقيق مثل هذه المأثرة؟ ومع أن الأمر يبدو عسيرا وربما مستحيلا، فإنّ ويتمن توصّل الى إنجاز ذلك.
وكان لابدّ أن يكون له، مثل بايرون بطل، إلاّ أنّ بطله، رمز الديمقراطيّة الأميركيّة المتعددّة، يتوجّب عليه أن يكون متعّددا هو أيضا، وأن تكون له له القدرة على الحضور الكلّيّ مثل إله سبينوزا المنتشر في كلّ مكان. وهو ابتكر كائنا غريبا نحن لم ننته بعد من إدراك خفاياه، ومنحه إسم والت ويتمن. هذا الكائن له طبيعة مزدوجة. إنه الصّحفيّ المتواضع والت ويتمن، أصيل "لونغ ايزلاند"، والذي بإمكان صديق مستعجل أن يحيّيه على أرصفة "مانهاتن". وهو أيضا ذلك الرجل الآخر الذي كان الأول يبتغي أن يكون لكنه لم يَكُنْه، رجل يعيش للمغامرة وللحبّ. وهو متكاسل، وشجاع، وغير مبال، ويجول في أمريكا طولا وعرضا. لذلك نحن نقرأ في مقطع من الكتاب أن ويتمن ولد في "لونغ إيزلاند"، وفي مقاطع أخرى، نحن نقرأ أنه ولد في الجنوب. وفي واحدة من القصائد الأكثر ارتباطا بسيرته، أعني بذلك "أغنية نفسي" هو يستعرض فترات بطوليّة من الحرب المكسيكيّة، ويقول إنه سمع النّاس يتحدّثون عنها في "التّكساس"، في حين أنه لم يذهب الى هذه المنطقة أبدا. كما يعلن أنه كان شاهدا على شنق جون براون المناهض للعبوديّة، والحال أنه لم يكن شاهدا على ذلك. وبإمكاننا أن نعدّد الأمثلة من هذا الصّنف. والحقّ أنه لاتكاد صفحة من الصّفحات تخلو من الخلط بين ويتمن الحقيقي، وويتمن المتخيّل، والذي سيصبح حقيقيّا الآن في خيال وفي حساسيّة الأجيال البشريّة.

وكان ويتمن متعددّا قبل ذلك. فقد قرّر أن يكون لامتناهيا. وقد جعل من بطل "أوراق العشب"كائنا مثلّثا. فقد ألحق به شخصيّة ثالثة هو القارئ نفسه، القارئ المتحوّل والمتعاقب. وهذا الأخير لا ينقطع عن التّماثل مع الشخصيّة الرئيسيّة في الكتاب . أن قراءة "ماكبث"هي طريقة لقارئها أن يكون "ماكبث". وهناك كتاب لفيكتور هوغو عنوانه: "فيكتور هوغو من خلال شاهد على حياته". ويبدو أن ويتمن كان الأوّل الذي استعمل حتى النّهاية، حتى الّنهاية اللأّمتناهية، والمعقّدة، هذا التماثل المؤقّت. في البداية لجأ الى الحوارات. والقارئ يتحاور مع الشاعر، ويسأله عمّا يسمع وعمّا يرى، أو هو يبوح له بالحزن الذي به يشعر حتى وإن لم يكن قد عرفه أو أحبّه من قبل . ويجيب ويتمن على أسئلته قائلا:
أرى الرّاعي الأرجنتيني يعبر السّهل، أرى الفارس الذي لا يماثله آخر والوهق في يده، أرى على السّهل الجنوبيّ المعشوشب ملاحقة القطيع المتوحّش"...
وهذا أيضا:
هذه الأفكار هي في الحقيقة أفكار جميع الناس في كلّ العصور وفي جميع البلدان،وهي ليست خاصّة بي
وإذا لم تكن أفكاري وأفكاركم فهي لا شيئ أو تكاد تكون لاشيء
وإذا لم تكن اللّغز والحلّ اللّغز فهي لا شيء
 ها هو العشب ينمو في كلّ مكان حيث الأرض والماء
وها الهواء الذي يتقاسمه الجميع والذي فيه يسبح الكون
كثيرون أولئك الذين قلّدوا بطريقة أو بأخرى نجاح نبرة وبتمن مثل ساندبورغ، لاس ماسترس، ماياكوفسكي، بابلو نيرودا... لا أحدتجرّأ على أن يبتكر بعده شخصيّة معقّدة ومتعددّة مثل ويتمن غير صاحب "يقظة فينيغن"(جويس). وأنا احبّ أن أؤكّد أن ويتمن هو في الآن نفسه الرجل المتواضع الذي عاش بين 1819و1892، وذاك الذي أراد أن يكونه من دون أن يتوصّل الى ذلك، وهو أيضا كلّ واحد منّا، وكلّ واحد من أولئك الين يعمّرون الأرض... إنّ نظريّتي في تثليث ويتمن، بطل عصره، لا تفترض الهدف غير المعقول لنقض أيّ شيء ، أو التّقليل من شأن عمله العظيم، بل بالعكس هي تبتغي تمجيده وإلإعلاء من شأنه. فابتكار شخصيّة مزدوجة أو مثلّثة، ولامتناهية هو بكلّ بساطة طموح مبدع عبقريّ. وإنجاز مثل هذا العمل كان نتيجة مهارة ويتمن الهائلة والخارقة. في جدل في مقهى حول جينيالوجيا الفن، وحول مختلف التّأثيرات في التّربية الجنسيّة والمحيط، اقتصر الرسّام "ويسلير" على القول:"Art happens "وهذا ما يوحي بأنّ العمل الفنّي والجمالي هو في الحقيقة لا يمكن أ يفسّر. وهذا ما أدركه العبرانيّون القدماء الذين يتحدّثون عن "الرّوح". وأمّا الإغريق فيتحدّثون عن "ربّة الفنّ".

وبالنسبة لترجمتي، ماذا تراني أقول؟ لقد كتب فاليري يقول بإنه لا يوجد شخص يمكن أن يفهم نقائص العمل الأّ صانعه ومبتكره. ورغم أن المعتقد التّجاريّ الباطل الذي يريد أن يكون المترجم الجديد قادرا على أن يترك من سبقوه حمقى وأغبياء ، فإنّي لا أتجرأ على أن أعلن أنّ ترجمتي أفضل من التّرجمات السّابقة. وعلى أيّة حال أنا لم أهمل تلك التّرجمات.
- See more at: http://elaph.com/Web/Culture/2017/5/1148874.html#sthash.8mgfzXOv.dpuf

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top