الحمل

محمود درويش وحكاية هذه المقابلة /الكمال فـي الشعر مستحيل، لذلك أفكر دائماً بالنقصان

محمود درويش وحكاية هذه المقابلة /الكمال فـي الشعر مستحيل، لذلك أفكر دائماً بالنقصان
مقابلة مع محمود درويش


سمير قصير، كيف أضعتك؟
تعرّفت اليه في باريس بواسطة الصديقين الياس صنبر وفاروق مردم بك. كان ذلك منذ ربع قرن. رافقت هذا الذي اسماه محمود درويش «الطفل المعجزة » الى حين دخل «سن الثقالة »، حسب تعبير جوزيف سماحة، ولازمته بالغا، الى ان كان ما كان.
ميساء وجنى تذهبان معاً الى دروس اللغة العربية وتعودان في المترو مع امّيهما نوال وهالة. نحضر ولادة ليانه وقد أراد سمير ان يسمّيها على اسم ليانه بدر، زوجة صديقنا المشترك ياسر عبد ربه، وقد تعرّف عليه للتوّ وأعجب به. نقاشاتنا الطوال يحفزها فضوله الذي لا حدود له ونباهته الاكيدة، وهو يجهّز اطروحته عن حروب لبنان. طرف إعجاب لديه تجاه تجربة منظمة العمل الشيوعي، التي إنتمى اليها العديد من اصدقائه، ويستغرب كيف انه لم يهتدِ اليها، وقد كان عضوا في الحزب الشيوعي. ولما إنتقلنا من شقتنا في شارع إدمون غوندينيه، في باريس الثالثة عشرة، إستأجرها سمير.
كانوا يسمّونه «إبني». أقولها لا تبجّحاً ولا إدعاء أبوّة او زعماً بأني أم الولد. وانما لتعريف مَن لا يعرف عن عميق علاقتي بسمير. انا عايشته صديقا وزميلا. اما اذا كان نجَمَ عن تلك العلاقة اي اثر لي على افكار سمير وسلوكه ، فهذا ما اعتزّ به. مهما يكن، غيّر سمير اكثر من «اب». لكنه لم يجحد بالسابقين: 
- غسان تويني لا يحبّ فواز. نحن نحبه!
رافقته بإعجاب وحماس في تجربة مجلته «اوريان اكسبرس ». شجّعني ان اكتب بالفرنسية. كتبتُ وهو صحّح ونشر. ولما أعياني التفرنس، ترجمت حنان عبّود مقالاتي. كانت المجلة حلم سمير الصحفي. وهي من ألمع المنتجات الصحافية التي عرفها لبنان فترة بعد الحرب. من اسف انها لم تكن بالعربية. ومن اسف اكثر انها لم تدم طويلا. لكنها ستظل معلما في طريقة مختلفة للعمل الصحفي اغتالتها مقتضيات سوق الاعلانات.
رافقته في تجربة ادارة برنامج حوار سياسي على تلفزيون لبنان. انتهى الامر باقفال البرنامج عندما قرر سمير دعوتي وجوزف ابو خليل لنقاش تجربة الحرب الاهلية ذات ١٣ نيسان. لم يمنعوا الحلقة، الغوا البرنامج بكل بساطة. كان هذا مطلع نزاعه مع الاجهزة.
***
جمع بيننا، الى اشياء كثيرة، التعصّب لحزب الماكنتوش. إنتمينا اليه باكرين وما بدّلنا تبديلا. كذلك تشاركنا في إقتناص آخر مبتكرات الإلكترونيات. اشترى هاتفا نقالا جامع الامكانات وشجعني على شراء مثيله. فعلت عندما كنت في احد بلدان الخليج. لم يعجبه الامر. يبدو اني اشتريت جهازا اكثر تطورا من جهازه. مع ذلك، ارسل لي بواسطة « السن الازرق » عنوانه الالكتروني ومعه صورته. 
اضعت هاتفي النقّال في نيويورك واضعت معه صورة سمير.
***
اقول له احيانا: « تواضع قليلا! »
- « هل تعرف ما يقول نيتشه في هذا الموضوع ؟ »
- « لا »
- يجيب بالفرنسية: «المتواضعون، صدّقوهم. انهم كذلك ».
ويفيد النعت الفرنسي لا التواضع بل المسكنة او المحدودية. 
لم اوافقه. وهو ظل الى التفوّق يطمح. 
وعندما إغتالوه، وجدوا في سيارته كتابا لنيتشه.
***
أضعت سمير عندما ذهبت الى نيويورك في ربيع ٢٠٠٥. 
أشهر مضت وهو معتكف في شاليه على البحر ينهي مخطوطة «تاريخ بيروت » وانا من جهتي اجهز سفرتي للتعليم في نيويورك. إفترقنا على فتور. اخذ يتحاشاني عندما عزم امره على المساهمة في تأسيس «حركة اليسار الديمقراطي ». عندما كنت ادعوه سابقا للمساهمة في مشاريع تجميع اليسار كان يعتذر مبديا استعداده لأن يكون «رفيق درب » ليس الا. وإذا به يقرر فجأة خوض غمار السياسة اللبنانية. طالبته والياس خوري بجلسات نقاش. جاءت الاجوبة مقتضبة: «النقاش يكون في داخل الحركة. مكانك محفوظ. » ليته درى ان الشباب اليساري الجامعي الذي كان يفاوض للانضمام الى «اليسار الديمقراطي » اقترحوا ان احلّ محله في الهيئة القيادية.
مهما يكن، كان عموده الاسبوعي على الصفحة الاولى من جريدة «النهار» قد دفعه الى السياسة اليومية وكوّن له جمهورا يطالبه بما هو اكثر من مجرد رأي. اخذ يتشوّق الى تجربة حزبية لم تتح له خلال الحرب. كنت على النقيض منه. انا الذي إنشق وشقّ وأسس في غير حزب وتنظيم ومنظمة، انا الخارج من عدة تجارب حزبية، واطولها واغناها واكثرها ايلاما تجربة منظمة العمل الشيوعي، تكاثرتْ شروطي المسبقة وتطلباتي للانخراط في مغامرة حزبية جديدة. وكنت قد ناقشت مؤسسي «اليسار الديمقراطي » مدى سنوات، ولم القَ عندهم غير لون من القومية الليبرالية: قومية لبنانية تنطوي على تلخيص الاستقلال اللبناني بالعداء لسورية، وليبرالية سياسية، سرعان ما سوف تكتمل بليبرالية اقتصادية. اضف الى ذلك جوابهم المغلوط على العلمانية المبدأية للحزب الشيوعي بتأكيدهم على ان السياسة اللبنانية هي سياسة طوائف فلا بد من العمل من خلال الطوائف، الى حد اعتبار الطوائف هي «القوى الحية » في المجتمع اللبناني. قد تكون الطوائف «حيّة» لكنها تلدغ وتميت. 
قليلة ومتباعدة كانت اتصالاتنا خلال اقامتي للتدريس في نيويورك في فصل الربيع من ذلك العام المشؤوم. بعث إلي رسالة الكترونية يسألني متى أعود الى لبنان. أجبته: بعد تصويتكم لصالح لائحة رفيق الحريري في بيروت. وكان أمين عام حركة «اليسار الديمقراطي » الياس عطالله قد أعلن ان حركته سوف تمنح أصواتها للائحة التي يتزعمها رفيق الحريري في بيروت. وجدت في ذلك تأكيدا لمخاوفي وابتعاداً عن اي هاجس من هواجس بناء رؤية، ومواقف، ومواقع مستقلة لليسار لا معنى ليسار جديد دونها. أجاب: « قد نضطر لاكثر من ذلك ». رددت: « وما الذي يضطركم؟ ». اجاب: « دعنا من ذلك، هناك ندوة عن النهضة العربية في الجامعة اليسوعية واريدك ان تشارك فيها بمساهمة عن احمد فارس الشدياق ». 
تبيّن اني عائد بعد انعقاد الندوة. عدت بعد اغتياله بايام معدودة.
***
المرة الوحيدة التي التقيت بها بالرئيس الراحل رفيق الحريري، دار اللقاء خلالها حول سمير قصير. حصل ذلك خلال احد اجتماعات حلقة نقاش في «النادي الدبلوماسي » الذي تنظمه الجامعة اللبنانية الاميركية في اول اربعاء من كل شهر. ذلك الاربعاء، كان رفيق الحريري مدعوا للتحدث عن آخر التطورات السياسية امام السفراء العرب والاجانب. قبل الحديث، تجوّل بين المدعوين برفقة الإعلامي مارسيل غانم. عندما مرّا من امامي، هزّ الرأس أدبا، فبادلته بالمثل، فإستغرب مارسيل اننا لم نسلّم واحدنا على الآخر. سأل متعجبا: «الا تعرفان واحدكما الاخر؟ » . والافتراض ان الحريري كان في حركة القوميين العرب ولا بد اني اعرفه منذ تلك الفترة. وهذا لم يحصل. ولا انا كنت في حركة القوميين العرب اصلا. أجبته على مسمع من الحريري: «هو لا يعرفني. انا اعرفه وقد مثّلنا فيلما معًا. » والاشارة الى فيلم عمر اميرآلاي عن الحريري بعنوان «الرجل ذو الحذاء الذهبي »، اعطانا عمر في آخره دقائق معدودات لي ولالياس خوري وسمير قصير لنبدي الرأي في الحريري ومشروعه الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي. 
ردّ الحريري مشيرا الى الفيلم: «لا. انك لا تعرفني. انتم لا تعرفونني. لو كنتم تعرفوني لما صدر منكم عني في الفيلم ما صدر. » 
- «فلنتعارف إذاً، أجبتُ، ولكن على الملأ. دعوناك الى نقاش علني بعد عرض الفيلم على تلفزيون «المستقبل» فلم تستجب. »
خلال تلك الايام، كان سمير يتعرّض لمضايقات رجال جميل السيّد بعد ان احتجز جواز سفره اثر عودته الى بيروت من سفر. إعتبرت وجود رئيس الوزراء مناسبة لاثارة الموضوع في حضرة ذلك الحشد من السفراء والدبلوماسيين العرب والاجانب. وكان السفير الاميركي بينهم إن لم تخني الذاكرة. تحدثت عن الملاحقة الفظة التي يتعرّض لها الصحفي والمثقف سمير قصير من قبل الاجهزة الامنية، دون ان توجه اليه تهم محددة. فاجأني جواب الحريري بصراحته المتناهية:
- «بلى. حصل ذلك. هذا العمل من صنيع جميل السيّد. »
واردف معلناً واعلن عن معارضته إحتجاز جواز سفر سمير قصير والمضايقات التي يتعرّض لها. 
اردت ان اواصل فأقول: «ولكنك رئيس الوزراء وجميل السيّد موظف عند وزير داخليتك! » لم افعل. كنت اعرف اكثر من ذلك، كنت اعرف اين مكامن السلطة الحقيقية في البلد. تذكّرت ان رئيس الوزراء السابق الدكتور سليم الحص إعترض ذات مرّة على مؤتمر صحفي عقده جميل السيّد حول الوضع في المخيّمات الفلسطينية. ذكّر رئيس الوزراء مدير الامن العام بأن عليه ان يستحصل على اذن من رئيسه، وزير الداخلية، قبل ان يعقد مؤتمرا صحفيا او ان يدلي بتصريحات علنية. لم يستجب احد للحص. ولم يردّ احد عليه. كان جميل السيّد خارج طائلة المساءلة والمسؤولية. 
لم أخبر سمير بما جرى في حضرة الدبلوماسيين. لكن الرئيس الحريري، الذي كان يتناول العشاء في أحد مطاعم بيروت، اتصل به هاتفيا تلك الليلة ودعاه وجيزيل خوري الى الالتحاق به. إفترض الحريري اني قد رويت لسمير ما جرى. ولما عرف اني لم افعل، روى له بالتفصيل ما قاله امام السفراء. ودعاه وجيزيل الى مرافقته الى منزله لتناول القهوة. خلال الانتقال الى منزل الحريري في قريطم، تدخلتْ سياراتُ المرافقة لموكب رئيس الوزراء فقطعتْ الطريق على سيارة رجال جميل السيّد لمنعها من الاستمرار في تعقّب سيارة سمير. 
***
من اواخر المقابلات التلفزيونية التي اجراها سمير مقابلة مع ريما مكتبي على «المستقبل». سألته ريما عني وقد كانت طالبتي في الجامعة اللبنانية الاميركية. أجابها: «انه في اميركا. وقد أضعنا واحدهما الآخر منذ غادر ». 
اضعنا واحدهما الآخر. 
انا أضعت سمير، وأضاعه كثيرون معي، عندما اراد «ورثة الزور »، على غرار «شهود الزور »، وضع انتمائه الفلسطيني (النضالي) في مواجهة انتمائه السوري. 
وانا اضعت سمير قصير عندما قدموا كتاباته ومواقفه في السنوات القليلة الاخيرة من حياته القصيرة، على انها حياته كلها وكتاباته كلها وموافقه كلها. اراد ويريد « ورثة الزور » طمس مقالاته في «مجلة الدراسات الفلسطينية » و «الموند دبلوماتيك » المنحازة الى اليسار والحركة الوطنية اللبنانية، بما فيها مقالاته عن «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ». واراد ويريد «ورثة الزور » الغاء كل تجربة «الاوريان اكسبرس » التي قامت لنقد مشروع الرئيس رفيق الحريري في الاقتصاد والاجتماع والسياسة والإعمار والثقافة. 
وانا أضعت سمير قصير عندما قرأت ان «مؤسسة سمير قصير » ادرجت إسم دولة اسرائيل في لائحة الدول المشاركة في «مسابقة سمير قصير للصحافة الحرّة ».
***
ومهما يكن، هذا هو الضياع الاوجع:
ان لا انزل الى «الروضة» لاقابله. 
ان لا تخبرني رشا السلطي بآخر مجادلة بين سمير قصير وجوزيف سماحة في احدى السهرات. 
ان لا يأتي لاخذي في «مشوار» مزهوا بسيارته الجديدة. فأعمّدها له سيارة تليق بحديث نعمة فكري وثقافي. ويزهو بالتعبير.
ان لا اراه يغازل إبنتي جنى وكأنه مراهق من جيلها. 
ان لا اقرأ له عموده الاسبوعي في «النهار». موافقا او معارضا او بين بين. ومعجبا بما يكتب على الدوام.
ان لا اخرج معه وجيزيل الى مطعم فخم في الاشرفية. 
ان لا اقرأ له مخطوطة لكتاب جديد له بعد «تاريخ بيروت ». 
ان لا أقرئه الباقي من فصول مخطوطتي عن تاريخ لبنان الحديث. 
ان لا اسمع عن مشاريعه اللامتناهية. 
ان لا اسأله عما جرى لمشروع اصدار الف ليلة وليلة عن «دار ليال » التي اسسها. 
ان لا استطيع ان أناكفه عن مآل حركته السياسي واختلف معه في السياسة. وطظ في السياسة.
ان لا استطيع ان أجيب على سؤال ابنتي جنى عما سوف يكون موقف سمير من العدوان الاسرائيلي في تموز ٢٠٠٦ لو بقي على قيد الحياة.
ان لا... ان لا...
والـ «ان لا » هذه هي الموت، يا سمير. وتظن الموت مزحة؟
***
الشهداء، أفضلهم احياء عند اهلهم واحبائهم واصدقائهم يرزقون.
قد يبدو هذا القول بديهيا. وهو ليس بالبديهي. لا يقوله التمثال ولا الملصق. وإن كنت لا اتصوّر بيروت بعد الآن من دون طلّتك محجورًا في قالب البرونز على حافة ماء رقراق فيه كل نضارتك وانفلاتك وحريتك. لا اتصوّر بيروت بعد الآن دون طلعتك الجميلة في ملصق يواظب شبابٌ حركتك او طلابك على لصقه على جدران شارع الحمرا او عواميد الطريق الفرعي بين خندق الغميق وبرج الغزال...
سمير، كيف أضعتُك ؟

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top