فارس يواكيم... عن شوشو وبيروت الستينات

10:22:00 ص


في بيروت، وفي وسطها التجاري الذي كان يُعرف بـ "نص البلد" نشأ "المسرح الوطني" الذي صار يُعرف باسم "مسرح شوشو" في منتصف ستينيات القرن العشرين. واستمر يقدم عروضه الليلية لمدة عشر سنوات، ممثلا ظاهرة لم تشهد بيروت مثيلا لها، لا من قبل ولا من بعد.
كانت مدينة بيروت في مرحلة مزدهرة بدأت مع مطلع الستينيات وانطلقت بعد أقدام عدد من الدول العربية عام 1961 على تطبيق الاشتراكية، على نحو مثالي أم لا واقعي، وكان من جراء ذلك أن تدفقت الرساميل العربية على المصارف اللبنانية، الرساميل التي هربت من خطر التأميم استثمرت في بيروت ما نجم عنه ازدهار اقتصادي. ولم تكتف بيروت بأن اصبحت ملاذ العرب المالي، بل اصبحت أيضا مستشفى العرب، يأتي إليها العرب للعلاج، واصبحت مطبعة العرب، عاصمة العرب في ميدان النشر والكتاب، واصبحت مثالا لصحافة العرب من حيث تعدد الأصوات، برغم أن عددا لا بأس به من الصحف كان يعتمد على تمويل عربي من هذا النظام أو ذاك، لكن حرية الصحافة وإبداء الرأي كانت متوفرة نسبيا وبدرجة مقبولة. وكانت الطبقة الوسطى قد نمت وكبرت وأصبحت تشكل نحو 70% من فئات الشعب اللبناني. لاحقا بدأ حزام البؤس يزنـّر العاصمة، وكبرت أحجام اصحاب الملايين وصارو فقراء قياسا بأصحاب المليارات، لكن في حقبة الستينات كانت الطبقة الوسطى بكوادرها المتعلمة هي العمود الفقري في التركيبة البشرية في لبنان.
في هذه الظروف الإيجابية نشأ المسرح الوطني، فأنجبت العاصمة النجم الكوميدي الكبير. هو كان بحاجة إلى بيئة حاضنة ليعلن مولده، وكانت المدينة بحاجة إلى مظهر ثقافي يدعم بوجوده ازدهارها ويعطيها قيمة فكرية وإنسانية. هكذا تم التزاوج بين شوشو وبيروت.
صحيح أن المسرح العربي في العالم العربي بشكله المعروف حاليا ولد في بيروت عام 1848 على يد مارون نقاش ومسرحية "البخيل" غير أن تلك الحركة المسرحية ما لبثت أن انتقلت إلى القاهرة التي اصبحت عاصمة المسرح بمساهمة من اللبنانيين والشوام المهاجرين إليها. وكان أن توقف النشاط المسرحي في بيروت إلا من عروض لفرق الهواة تقدم مسرحية لليلة واحدة في المدارس أو الجامعات أو برعاية الجمعيات الخيرية. وظلت الحركة المسرحية على هذه الوتيرة حتى منتصف القرن العشرين فانتعشت مجددا عبر مسرح استعراضي بإدارة المخرج علي العريس وعروض كوميدية يقدمها الثنائي عبد الرحمن مرعي ومحمد شامل. وفي 1961 ظهرت مساهمة منير أبو دبس بمسرحية  "أوديب ملكا" التي أنتجتها شركة التلفزيون اللبنانية. وكان أبو دبس قد أسس "فرقة المسرح الحديث" التي دعمتها لجنة مهرجانات بعلبك الدولية. وكانت هذه الفرقة تقدم في كل عام مسرحية من الأدب العالمي تعرض لبضعة ليال في إطار المهرجانات المختلفة وفي قاعة بيروتية. إلى أن حل العام 1964 فاصبحت فرقة المسرح الحديث تقدم عروضها هنا في الجامعة الأميركية في قاعة الوست هول. أولى هذه العروض كانت مسرحية "الإزميل" وهي من تاليف اللبناني أنطوان معلوف. وفي 1964 قدمت الفرقة هاملت. وفي السنة التالية" الملك يموت". كانت الفرقة تضم من الممثلات والممثلين من صاروا أعمدة في المسرح اللبناني: أنطون كرباج، ريمون جبارة، نضال الأشقر، رضى خوري وأنطوان ولطيفة ملتقى. وقد انفصل الأخيران وأسسا "حلقة المسرح اللبناني" التي قدمت مسرحيات من الأدب العالمي. وفي الفترة ذاتها كان هناك مسرح بلغات أجنبية: باللغة الفرنسية ومن أركانه روجيه عساف وجلال خوري، وبالأرمينية مع المخرج برج فازليان. هذه العروض، ولو لفترات قصيرة، اسست مناخا مسرحيا في بيروت اصبح مهيئا لاستقبال المسرح الدائم.
في 1965 في تشرين الثاني تحولت ثلاث صالات سينمائية في بيروت إلى مسارح. سينما هيلتون في عين المريسة اصبحت "مسرح بيروت" وسينما "الأشرفية" أصبحت مسرح الأشرفية، وسينما شهرزاد قرب ساحة البرج اصبحت المسرح الوطني الذي شهد انطلاقة نجم الكوميديا بلا منازع: شوشو. وبمرور السنوات أغلق مسرح الأشرفية واصبح "مسرح بيروت" يستقبل العروض المختلفة تقدمها فرق مختلفة، لكن "المسرح الوطني" هو الذي استمر مسرحا يوميا تقدم عروضه فرقة ثابتة، وبطلها شوشو.
فمن هو شوشو؟
هو حسن علاء الدين. أبوه خضر علاء الدين من بلدة جون (الشوف) ولذلك اشتهر بلقب "خضر الجوني". وأمه من آل حيدر من بعلبك. وهو جاء إلى الدنيا في شباط 1939 ورحل عنها في 2 تشرين الثاني 1975. نشأته في بيروت. وكان التمثيل هوايته منذ الصغر. توفي والده مبكرا فهجر المدرسة وتوظف في البنك السعودي الأهلي. وكان في الليل يقدم مشاهد فكاهية في بعض مرابع حي الزيتونة. انضم إلى برنامج الأطفال في التلفزيون وكأنه فتح الباب الذي قاده من الهواية إلى الاحتراف. اكتشفه محمـد شامل آنذاك، وانتبه إلى موهبته وتبناها وأخذ بيده ليصير ممثلا. وهو الذي أطلق عليه اسمه الفني "شوشو" الذي طغى على اسمه الحقيقي، وأسند إليه الأدوار المختلفة في المسلسلات التلفزيونية والإذاعية التي كان يكتبها ويقوم ببطولتها، ومنها "يا مدير" و"شارع العز". وكان محمـد شامل فنانا شعبيا محبوبا، وشيئا فشيئا أصبح شوشو فنانا معروفا في بيروت. واشتهر بعبارة "كيفك يا شخص؟". تزوج من فاطمة ابنة محمـد شامل، ثم وقع الخلاف الشخصي بين الرجلين وانتهى بالفراق الفني.
ظل شوشو بلا عمل ما يقرب من عام. عندئذ سعى لتنفيذ حلمه القديم بإنشاء مسرح وتكوين فرقة يكون هو بطلها. ذهب إلى هنري شقير صاحب سينما شهرزاد وأقنعه بأن يحولها إلى مسرح. واتفق شوشو مع نزار ميقاتي ليكون الشريك والكاتب والمخرج في فرقة "المسرح الوطني". لم يكن شوشو يملك قرشا عندما أسس المسرح ولم ينجح في الاستدانة من المصارف فلجأ إلى المرابين وكانت الفوائد باهظة. 5% في الشهر! ومع بداية النجاح المسرحي بدأت مشكلة الديون، ولسوف تكبر كمثل كرة الثلج وتتراكم، حتى تغدو أحد الأسباب التي قصفت عمر الفنان القدير مبكرا.

الافتتاح بمسرحية "شوشو بك في صوفر". ليلة 11 تشرين الثاني 1965. نجاح منقطع النظير. بيروت تعرف أول مسرح يومي في تاريخها. فرقة المسرح الوطني بطلها شوشو وعناصرها من ممثلات وممثلي التلفزيون. وفي لبنان نشأ التلفزيون قبل المسرح المحترف، وفي العادة يكون المسرح أعرق وهو الذي يرفد التلفزيون عند تأسيسه بالعناصر التمثيلية المدرَّبة. ومن قبيل المصادفات أن معهد الفنون الذي راح يخرّج الممثلين أنشيء في 1965 بالتزامن مع المسرح الوطني. اشتغل نزار ميقاتي على الفرقة وأدمجها في اللعبة المسرحية. وكانت أولى مهامه تطويع مواهب الممثلين لفن الأداء المسرحي.
ومن هم أعضاء الفرقة؟ هم الذين صاروا نجوم المسرح والتلفزيون. على سبيل المثال لا الحصر: شفيق حسن، نادية حمدي، مارسيل مارينا، أمال عفيش، ماجد أفيوني، زياد مكوك، عمر ميقاتي، خالد السيد، ولاحقا فريال كريم وأحمد الزين.
ومن الطبيعي أن يكون مسرحه كوميديا وذلك لسببن: ذاتي وعام. الذاتي هو أن بطل الفرقة، شوشو، ممثل كوميدي بامتياز. أما العام، فيتعلق بأن مسرحا غير كوميدي لا يشد الجمهور ليليا إلى القاعة. هكذا هو الحال في البلدان الأخرى أيضا. مسرح القطاع الخاص يعتمد رئيسيا على اسم النجم. وكنت كناقد ثم ككاتب أختلف مع بعض النقاد في نظرتهم إلى هذا المسرح ودوره. هذا مسرح كوميدي ولنقيّمه على هذا الأساس. محاولة المقارنة مع مسارح أخرى أو الطلب منه تغيير جلده كانت فاشلة. المهم أي كوميديا؟ في مرحلة نزار ميقاتي قدم مسرحيات لموليير ومارسيل بانيول وقدم كوميديات لطيفة مستوحاة من لابيش وفيدو. في المرحلة الثانية قدمنا موليير وغولدوني  وجيمس باري وبرتولد برشت. لكن حتى لو لم يكن لهذا المسرح من هدف غير الإضحاك، فليس ذلك عيبا. "كوميديا الأخطاء" لشكسبير و"مقالب سكابان" ذاتها لا هدف لهما سوى الإضحاك. أما ما أخذه النقاد عليه، وعن حق، فهو تضمين مسرحياته تعليقات على الحالة السياسية الراهنة في البلاد. وكانت هذه "اللطشات" خروجا على السياق الدرامي أحيانا.

12 مسرحية من اقتباس وإخراج نزار ميقاتي عرفت نجاحا جماهيريا وبعضها حظي بإقبال غفير كمسرحية الافتتاح ومسرحية "الحق ع الطليان". وفي صيف 1970 انتهت الشراكة بين شوشو ونزار ميقاتي. ظل شوشو في المسرح وعاد نزار إلى قواعده الإذاعية، وكان مدير البرامج في إذاعة لبنان ومنتجا لبرامج لحساب الإذاعات الخليجية.
*****

في المرحلة الثانية، أي بعد رحيل نزار ميقاتي، قدم المسرح الوطني مسرحية "اللعب ع الحبلين" أقتبسها ريمون جبارة من غولدوني وأخرجها برج فازليان. كان الافتتاح ليلة 28 أيلول 1970. كنت حاضرا بصفة متفرج وناقد. في الفصل الثاني بدأ خروج الناس من القاعة. لم يكن شوشو على الخشبة. ظننت أن مكروها أصابه. صعدت إلى مدخل المسرح لأستفسر عما جرى فعرفت أن الرئيس المصري جمال عبد الناصر مات وأن بيروت اشتعلت لدى انتشار الخبر. في الكواليس لم يكن شوشو يعرف ذلك النبأ.
(** تفصيل: عرف من فريال كريم أن الجمهور يخرج من الصالة، فالتفت إلى ابراهيم المرعشلي وسأله "قولك غلطنا لمن تركنا نزار؟". هذا التفصيل أنجب خلاصتين: لم يكن شوشو يطيق أن يُعرض الجمهور عنه وكان يحترم المخرج والكاتب)
في هذه المسرحية انضم إلى الفرقة 3 ضيوف شرف: نبيه أبو الحسن وتيودورا راسي وفريال كريم. الأخيرة استدامت في الفرقة من العناصر الثابتة. في المسرحية التالية "كافيار وعدس" كانت بديعة مصابني ضيفة الشرف، وهي عادت إلى الخشبة بعد غياب عقود. والمطرب عصام رجي (في "وصلت للـ 99") والنجمين المصريين نيللي وحسن مصطفى (في "الدنيا دولاب") والنجمة المصرية هالة فاخر (في "جوه وبرّه" و"فوق وتحت"). وبعد مسرحية كافيار وعدس بدأ التعاون معي في مسرحية "فرقت نمرة".
(** تفاصيل: كيف تعرفت عليه.. وشغلي معه في فيلم فندق السعادة... الى أن استدعاني لكتابة مسرحية)

من وقتها إلى حين وفاة الفنان الكبير واظبت على كتابة النصوص التي قدمها جميعا،  ما عدا مسرحية "ورا البرفان" التي أعد نصها محمـد شامل (عن "السيدة من عند مكسيم" لجورج فيدو). كتبت 12 مسرحية بين الاقتباس عن نص أجنبي وغالبا من مسرح الفودفيل. وأعدت كتابة بعض المسرحيات العالمية بمعنى أن "جوه وبره" مستوحاة من "مقالب سكابان" لموليير، و"آخ يا بلدنا" مستوحاة من أوبرا القروش الثلاثة لبريشت. و"الدنيا دولاب" من "كرايتون اللطيف" لجيمس باري. أما "فوق وتحت" و"خيمة كراكوز" فهما من تأليفي الخالص.

في المرحلة التي واكبت شوشو فيها حدث أن تحول المسرح من مسرح شعبي بمعنى الإقبال الجماهيري الكبير، إلى مسرح شعبي بمعنى أنه يهتم بقضايا الشعب.
(تفاصيل: الصالة الممتلئة.... تقنية أداءه الايمائي وايقاع الضحك.. ولاه منصور)
*****
من هو شوشو الإنسان؟
كان يضحك الناس لكنه يعاني. كان إنسانا حزينا في أعماقه. كان المسرح حبه الكبير في الحياة. فيه الشفاء من الهموم المالية وأحيانا من آلام المرض. كان حين يدخل الخشبة ينتعش ويشحن جسده النحيل بالقوة.
عاشق المسرح هو. يحضر إلى الخشبة قبل ساعتين من العرض، كأنما تراب الخشبة يمدّه بالأوكسجين. يعمل ماكياجه بنفسه. يطمئن إلى أن كل شيء على ما يرام، ثم ينطلق إلى الخشبة، وحين يسمع ضحكات الجمهور وتصفيقه ينسى همومه النفسية وآلامه البدنية.
******
ولكن كيف يمكن تفسير الديون والمسرح يغص بالجمهور كل ليلة؟ الديون رافقت التأسيس وبالفوائد الباهظة.. إيراد شباك التذاكر يذهب نصفه لصاحب القاعة. والنصف الآخر لشوشو. ومما تبقى لديه يجب أن يدفع رواتب الممثلين والعاملين في الفرقة وتكاليف الإنتاج ومصروف عائلته، و60% فوائد الديون. وحدث أن أنتج أفلاما سينمائية بقصد الربح التجاري ومن سوء طالعه أن هذه الأفلام لم تربح فتضاعفت ديونه.    
هذه الديون أرهقته ماليا ونفسيا، بل وصحيا. كان يمضي وقتا طويلا في تدبير أمر تدويرها وسدادها. بل وتدخلت بشأن بعض القرارات. في مسرحية "آخ يا بلدنا" صادرت الدولة اسطوانات أغنية "شحادين يا بلدنا" ومنعت تداولها، لكن سمحت بأدائها على الخشبة. في المسرحية التالية "خيمة كراكوز" صودرت أغنية "المظاهرة" ومُنع تقديمها على الخشبة مع التهديد بإغلاق المسرح إذا استمر عرضها. كان لمخرج المسرحية روجيه عساف موقف مثالي يرفض الرضوخ لتهديد الدولة. وكان لشوشو موقف واقعي إذ لا يتحمل إغلاق المسرح وتوقف المدخول، نظرا للديون. وعشنا الفرقة وأنا موقفا صعبا. نتعاطف مع عساف ونتفهم شوشو. وكنت أنا مؤلف المسرحية والأغنية، فسحبتها وكتب ميشال طعمة بدلا منها أغنية "علي بابا". ترك هذا الموقف جرحا معنويا في نفسية شوشو لن يلبث أن يصير ماديا. هو الذي يرفض المزايدة ويقبل التحدي، اضطر أن يرضخ مرغما. التهمت الديون حرية القرار لديه.
(أغنية "المظاهرة")
الديون، كضغط نفسي مزمن، مع التدخين الشره والرقم القياسي في فناجين القهوة والأكل القليل وقلة الراحة، تضافرت لتصيبه بأزمة قلبية. اشتدت عليه صيف 1975 وأقام أياما في العناية الفائقة بالمستشفى. وكانت الحرب اشتعلت في بيروت. ولم يكن بوسعه أن يقدم مسرحية "زوجة الفران". وبرغم أوامر الأطباء بضرورة الخلود إلى الراحة، كان محتاجا إلى المال لسداد الديون ولاستمرارية الفرقة. قبل عرضا بتقديم مسرحيتين في الأردن. سافر وعاد من عمان يقود سيارته بنفسه. ولم يتحمل القلب المريض ذلك الإجهاد فتوقف وأسلم شوشو الروح.  ولا بد أن أذكر لشوشو العظيم، أنه برغم ديونه الباهظة، كان يحرص على دفع رواتب عناصر الفرقة في اليوم الأول من الشهر، وعلى صرف المكافآت المتفق عليها للكتاب والمخرجين. وكان حبه لعمله يفوق اعتناءه بذاته، ماليا وصحيا.
******

وليس سرّاً أن أحد أسباب عمل شوشو في السينما أو التلفزيون كان من ضمن أهدافه تحسين مدخوله المالي لمواجهة الديون. لكن الأفلام التي أنتجها منيت بخسائر فزاد الطين بلة. ما عدا الفيلم الأخير "سيدتي الجميلة". وللاسف فإن شوشو توفي قبل عرض الفيلم.
كان شوشو ممثلا مسرحيا بامتياز. وأمام الكاميرا سواء في السينما أم التلفزيون، يفقد نسبة من موهبته. لأنه فنان يتفاعل مع الجمهور. وفي الاستوديو لا جمهور ولا تفاعل. لكنه ةنجح للغاية في مسلسل "المشوار الطويل" وقد راقبته عن كثب اثناء التصوير كوني كاتب المسلسل، وفهمت سبب نجاحه. لأن الدور هو أقرب إلى الماساة منه إلى الملهاة.


*****
وكانت لدى النجم أربعة أسباب رئيسية. الأول، حب شوشو الجنوني للمسرح. كان المسرح همّه الوحيد في الحياة. وتمثل السبب الثاني في الرغبة في تحقيق المزيد من الدخل لتسديد الديون. السبب الثالث، أنه كان يحب أولاده حبا كبيرا. آنذاك كان ولده البكر خضر في الخامسة من عمره، يواظب على حضور العروض ويحفظ المسرحيات عن ظهر قلب. إلى درجة أنه ذات مرة حلّ محل ممثل محترف حال المرض دون مشاركته في العرض في ذلك اليوم. والأغنية التي اشتهرت "نانا الحلوة نانا.. عم يطلعوا سنانا" هي لإبنة شوشو نانا وكانت في الشهر الأول من عمرها.

وقد حرص شوشو على أن يحيط نفسه بمجموعة من المحترفين الذين شاركوا إلى جواره في مسرح الكبار. الممثلات في مسرحيات الأطفال هن: أمال عفيش، هند طاهر، أماليا أبي صالح، جناح فاخوري، والممثلة المصرية الشهيرة هالة فاخر. أما الممثلون فكانوا: شفيق حسن، زياد مكوك، أحمد الزين، يوسف شامل. كل هؤلاء شاركوا في مسرح الأطفال بمتعة لا تقل عن متعتهم في التمثيل أمام الكبار.  . وكان من الممكن أن يستدعي شوشو مجموعة من الهواة لتأدية الأدوار، وذلك أقل كلفة في الإنتاج، إلا أنه حرص على أن يؤدي الأدوار المحترفون من أفراد فرقة الكبار.
وكما بالنسبة إلى اختيار العناصر التمثيلية كذلك كان الأمر بالنسبة للتأليف والإخراج والأغاني كلمات وموسيقى. كان محمـد شامل مؤلف أول مسرحية "حكايات العم شوشو" وآخر مسرحية قدمها مسرح الأطفال بعنوان "شوشو الساحر". وبين هذه وتلك ثلاث مسرحيات من تأليفي: "الشاطر شوشو" و"العم شوشو" و"ألف باء". أخرج برج فازليان المسرحيتين الأولى والثانية. وتولىّ شوشو بنفسه إخراج مسرحيتين. أما أنا فأخرجت مسرحية واحدة. وأما الأغاني فجميعها من نظم الشاعر الغنائي ميشال طعمة، والألحان كانت أنغام الياس الرحباني. ما عدا أغنية واحدة من تلحين عصام رجي. إن تجمع هذه الأسماء بما لديها من مواهب وخبرات، إن دلّ على شيء، فعلى الاهتمام الجدي الذي أولاه شوشو لمسرح الطفل.
إفتتح مسرح شوشو للطفل عروضه بمسرحية "حكايات العم شوشو" يوم 23 كانون الأول عام 1971.



لم يكن غريبا أن يتحول اسم المسرح إلى "مسرح شوشو" اعتبارا من 1972. كان لا يزال يحمل اسمه الأول حين كتبت غادة السمان أن سائق التاكسي لم يفهم طلبها بالتوجه إلى "المسرح الوطني" ثم أردف بعد الشرح "إيه قولي مسرح شوشو". ومثل السائق مثل الجمهور الذي يقول "رايح احضر شوشو.. مسرحية شوشو بتجنن". هذه هي الحقيقة! طغى اسمه على اسم المسرح وعنوان المسرحية وأسماء الكاتب والمخرج والممثلين. علما بأن فرقته ضمت كوكبة من أفضل الممثلات والممثلين في لبنان. كان اسمه وحده كفيلا بجذب الجمهور إلى القاعة لمدة شهرين، بصرف النظر عن مستوى المسرحية. ثم تطول مدة العرض من مسرحية إلى أخرى. "مسرح شوشو" على غرار "مسرح الريحاني" في القاهرة. وكان شوشو معجبا بشارلي شابلن ونجيب الريحاني.  
*******
وكان سيقدم "زوجة الفران" (عن مارسيل بانيول) كنت أعددت النص وأجرت الفرقة البروفات بإخراج يعقوب الشدراوي وسينوغرافيا غازي قهوجي. لكن دمار الحرب بلغ المسرح فاحترق، ومتاعب قلب شوشو بلغت الذروة فمات البطل، واحترق المسرح وانهارت المدينة، وانقرضت الطبقة الوسطى. ولهذا لم يقم مسرح يومي آخر من بعد. ظل مسرح شوشو علامة فارقة في تاريخ المسرح اللبناني، وقد مرت اثنتان وخمسون سنة على تأسيسه، واثنتان وأربعون سنة على الوفاة: وفاة النجم ووفاة مسرحه.
 







شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا