نسوان بوكوفسكي | تشارلز بوكوفسكي/ترجمة: أسامة منزلجي

9:33:00 ص


يحتوي ما يلي فصلاً من رواية تشارلز بوكوفسكي المجنونة "نسوان" 1978 مسبوقة بمقدمة مدهشة عن أدب وحياة بوكوفسكي بقلم باري مايلز

مقدّمة
باري مايلز
كان تشارلز بوكوفسكي شاعر لوس أنجليس. ليس لوس أنجليس المنازل الريفية في منطقة هوليوود هيلز ذات مشاهد الأضواء المتشابكة البراقة التي تحبس الأنفاس، وأحواض الاستحمام، وأشجار النخيل والسيارات الرياضية المُصطفة على الممرات، بل لوس أنجليس الأحلام المُخفقة، والوظائف العقيمة، والعاهرات، والعاملين في صناعة الجنس، والمقهورين، والمكسورين، والمُختلين. أناسه. لقد أحبّ هوليوود القديمة: أكواخ الشواطئ المبنية رخيصة التي تهزّها الطرقات السريعة، وأشجار النخيل الميتة والأرصفة المُشقّقة، وحاويات القمامة الممتلئة، والسيارات المتوقفة وسط حركة المرور المزدحمة، وأجهزة تلفزيون الجيران المدوّية من خلال النوافذ المفتوحة، والصراخ في الليل وطائرات هليكوبتر الشرطة تحوم فوق الرؤوس؛ أحبّ حانات منعطفات الشوارع، ومنافذ بيع الأطعمة السريعة المبهرجة، ومحلات بيع مجلات الجنس والمواخير، والرسوم والعبارات البذيئة على الجدران وقضبان الأمان الفولاذية الثخينة على واجهات المحلات التجارية ومحلات بيع المشروبات. إنها مدينته.
   وُلِدَ في أندرناخ، ألمانيا، في عام 1920 لأمٍّ ألمانية وأب ألماني-أميركي أقام مع الجيش الأميركي العامل في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى. في سن الرابعة، انتقل الأب بالعائلة إلى مسقط رأسه في مدينة لوس أنجليس. كان بوكوفسكي طفلاً وحيداً، نشأ وسط عائلة فاشية، باردة، شديدة الصرامة، يتلقى فيها الضرب المبرح بانتظام. في فترة المراهقة أُصيب بحالة شنيعة من بثور الشباب إلى درجة اضطرَّ بسببها إلى الانسحاب من المدرسة. وانتشرت البثور على كامل وجهه وظهره، وحتى على جفنيه. وكان في كل يوم يذهب إلى عيادة المرضى الخارجيين في مستشفى مقاطعة لوس أنجليس لكي تُفقأ. وبسبب خجله من شكله، وافتقاره إلى الأصدقاء والأمان في المدرسة، انسحب إلى عالم داخليّ خاص به.
   أصبح مُدمناً على الكحول ومتشرداً، يتسكع في أرجاء أميركا فيما يصفه بأنه "سُكر الأعوام العشرة". وأضحت تجاربه وتشرده مادة قصصه، ولكن من الخطأ اعتبارها سيرة ذاتية بالمعنى الصارم للكلمة. لقد كان كاتب أدب ودائماً يُضحي بالحقيقة لصالح القصة الجيدة. وينبغي أنْ نتذكّر أيضاً أنَّ بعضها حكاها له أناسٌ آخرون ثم حُوِّلت إلى صِيغة المتكلِّم. وقد رُويَتْ بأسلوب أحد رواد البار : سلسة، فكهة وتتجاوز الذات، صُمِّمتْ لتسلّي وتُمتِع ؛ قصص عن شجارات، عن أيام في مضمارا السباق، وآثار السُكر وحوادث الطرد، قصص خشنة عن حياة صعبة.
   أفضل قصصه كانت نتاج حياته العاطفية. كان يبدأ ببطء شديد. أول علاقة جنسية أقامها مع "عاهرة بثلاثمائة دولار" في فيلادلفيا أثارت شبقه إلى درجة أنه كسر عمود السرير. الثانية كانت وهو في سن السابع والعشرين عندما قابل جيم كوني بيكر. كانت أكبر منه بعشرة أعوام، مدمنة كحول وفتاة استعراض سابقة تعيش على قفا ثري عجوز. كانا ينتقلان معاً من نُزُل إلى آخر، عادة في منطقة ويستليك من وسط لوس أنجليس القديم بالقرب من متنزه ماكارثر، ودائماً يُطردان بسبب الشجار، والسُكر، وغالباً، لعدم دفع قيمة الإيجار. وقد تولى بوكوفيسكي أعمالاً عدة عقيمة، غالباً في ورش، ولكنه كان في أغلب الأوقات يُعاني من آثار السُكر إلى درجة أنه يعجز عن الوصول إلى مقر عمله ولذلك نادراً ما كانت تلك الوظائف تدوم طويلاً. أحياناً كانت جين تعمل طابعة على الآلة الكاتبة مع نتائج مُشابهة. وعلاقته بجين والفترة التي عاش خلالها في الفنادق الرخيصة استخدمها كأساس لكتابه " زير الحانات "، الذي تحول لاحقاً إلى فيلم سينمائي من بطولة ميكي رورك وفيه دناواي.
   انتهى هذا كله في ربيع عام 1955 عندما استيقظ ليجد الدم يتدفق من فمه ومن طيزه. وأُخِذَ إلى القسم الخيري في مستشفى لوس أنجليس العمومي حيث كاد يموت لأنه لم يكن يمتلك " بطاقات دم " (ضمان طبي) فلم ينقلوا إليه الكمية الكافية من الدم. وكان محظوظاً بنجاته من الموت. وفي الليلة التالية التي أمضاها هناك لفظ الدم وأُصيب بالإغماء على الأرض بينما كان يُحاول بلوغ الحمّام. وعندما استعاد وعيه كان مُحاطاً بالممرضات وسمع الطبيب يطلب بغضب أنْ يُنقَل إليّه الدم. وقد احتاج استقرار حالته إلى تلقّيه تسع عبوات من الدم وثمان من الغلوكوز. وحسب رأي بوكوفسكي الخاص، عانى من أذى دائم تضمّن تلفاً في الدماغ  بسبب إهمال المستشفى التي تركته في حالة متقدمة من فقدان الذاكرة ومن بطء واضح في النطق.
   بحلول عام 1958 كان بوكوفسكي قد نشر من الشِعر في مجلات أدبية صغيرة ما يكفي لإصدار ديوان صغير. ولم تُنشَر قصائد "زهرة" و "قبضة وعويل بهيمي" حتى عام 1960، لكنها كانت الخطوة الأولى. وعلى امتداد حقبة الستينيات تسبّب في إغلاق مجلات أدبية صغيرة بأعماله وعندما بدأ النشر السرّي، باشر في كتابة عمود منتظَم، بعنوان "ملاحظات عجوز قذر"، لصالح صحيفة في لوس أنجليس اسمها "مدينة مفتوحة" Open City. تلك الأعمدة كانت تتألّف من نثر، وقصص قصيرة أساسها تجاربه التي خاضها في أثناء عشر سنوات من القصف، وحالات إلقاء القبض عليه، والشجار، وعلاقاته العاصفة مع تساء. وقد نُشرت تلك الأعمدة في كتاب تحت العنوان نفسه وساعدت على بناء شهرته.
   منذ أواخر حقبة الخمسينيات وخلال الستينيات عمل بوكوفسكي في نوبات ليلية في مكتب بريد لوس أنجليس المركزي. كان عملاً مُرهِقاً لكنه مكّنه من أخذ قسط من الراحة نهاراً وزيارة مضمار السباق. وطوال تلك الفترة، أخذت دواوين صغيرة، ونشرات ومقطوعات في مجلات تظهر. في عام 1959، وبتشجيع من ناشره في دار بلاك سبارو بريس، جون مارتن، ترك عمله وأصبح كاتباً متفرغاً. كان غياب الأمان يُخيفه إلى درجة أنه انتهى من تأليف روايته الأولى، " مكتب البريد "، في 21 يوماً.
   سارت حياة بوكوفسكي بموازاة " الجيل الضائع " Beat Generation: كان في نفس عمر أعضائه لكنه انحدر من خلفية مختلفة جداً  وعلى الرغم من وجود عدد من الضائعين  في لوس أنجليس، من أبرزهم ستيوارت ز. وجماعة فينيس، إلا أنه لم يكن يعرف أي شيء عنه. ومع ذلك، غالباً ما يُعتَبَر منهم بسبب مواقفه الصلبة، غير المُهاودة : فلا موضوع مُحرَّماً بالنسبة إليه، مهما كان مُحرِجاً، وفظاً أو شخصياً. وتبدو حياته العاطفية كأنها مُبتلية بعنّة مؤقّتة بسبب الكحول ولكن عندما ينجح في ممارسة الجنس، يُخبرنا عن ذلك بتفاصيل دقيقة. إنه يخسر شجارات البار كلها ويكاد يُصاب بكسر في حلبة السباق. ويكتب عن أشخاص مكافحين عاديين، وعن زملائه من العاملين في الورش أو في مكتب البريد؛ يكتب عن جيرانه، وساعي بريده، وقبل هذا وذاك يكتب عن نسائه.
   "نسوان" هي رواية بوكوفسكي العفنة. كتبها في عام 1977، وهي سريعة، تعتمد على الحوار، لا تحتوي إلا القليل من الكلمات الطويلة، وتتقدم بصعوبة. كُتِبَتْ بسرعة، بمساعدة ثلاث زجاجات من النبيذ الأبيض في كل ليلة.
   كان بوكوفسكي في أواخر خمسينيات عمره عندما كتبها وتكشف عن عقلية الثلاثينيات اتجاه المرأة؛ عن أفلام هوليوود السوداء في الأربعينيات، عن "معركة الجنسين" لجيمس ثربر؛ عن الفترة السابقة للهيبيز، وحتماً عن وجهة النظر من المرأة في الفترة السابقة للكومبيوتر الشخصي. لقد كان بوكوفسكي ينتمي إلى زمن مختلف، ولكن بينما يبذل أقصى جهده لفهم ما يجري من حوله، لا تساعده حقيقة أنَّ العديد ممّن يعرف من النساء متلاعبات، مجنونات، مُخدّرات أو مُصابات بحالات ذهان متطرفة. وأخريات يشكّلن جماعات أدبية، ونساء وحيدات تأثرن بكتابته ويراسلنه ليتصلن به، أو سائحات شابات من المانيا أو هولندا يتوقفن ليُضاجعن بوكوفسكي كجزء من برنامج عطلتهن في أميركا. بالنسبة إلى مَنْ يواجه صعوبة من الحصول على أية امرأة طوال السنوات الثلاثين الأولى من عمره كان ذلك كله أمراً مُربكاً جداً.
   إنَّ بوكوفسكي يعلم كيف يُبرِز الفكاهة في هذا ويُحسن استخدامها. وعندما دعاه جيرانه، براد وتايني داربي، هو يُدير محلاً لبيع مجلات الجنس وهي متعرية، إلى بيتهما ليشاهدها وهي تجرب بعض الملابس الجديدة المكشوفة اشترتها من محلات فريدريك في هوليوود، بدأ بوكوفسكي يتصبب بالعرق ويمسح جبينه، مُعبّراً طوال الوقت عن دهشته من ثدييها وساقيها، صائحاً "يا يسوع، انظر إلى هذا!". وطبعاً شاهدت صديقته الصور الفوتوغرافية لتينا وهي جالسة في حجره. في الواقع، لقد أحبَّ الطريق الوعرة: كان في حاجة إلى الشجارات الصاخبة، والكؤوس المكسورة، وبعثرة كتبه وملابسه في كل أرجاء الفناء. لقد حوّلته طفولته الخالية بصرامة من المشاعر إلى ما سمّاه "رجل متجمّد". لقد احتاج النفاذ إليه إلى الكثير من الجهد. وكل الشجارات في البار والشرب كانت محاولة في الحقيقة ليشعر بشيء ما. وعلاقاته بالنساء كان لابد أنْ تكون عاصفة لكي تكون حقيقية. ولكن عندما وقع في الحب، غاص فيه عميقاً.
   اشترك بوكوفسكي مع بوروز وغينسبرغ في حب لوي-فردينان سيلين، ولكن مصدر التأثير الأكبر فكان كنوت هامسن، الفائز بجائزة نوبل، والتي عكست روايته "جوع" (1890) تجارب بوكوفسكي الخاصة خلال حقبة تشرده، وجون فانت، الذي كان لروايته "اسأل التراب" (1939) وتدور حول الواقع الصعب لوضع الطبقة العاملة في لوس أنجليس في حقبة الثلاثينيات، أبلغ الأثر عليه. كتب بوكوفسكي يقول : " كان له أعظم الأثر عليّ، لقد أحببتُ أسلوبه في الكتابة. كان منفتحاً وسهلاً، وواضحاً وانفعالياً، وباختصار كان أسلوباً جيداً لعيناً ". إنَّ أسلوب بوكوفسكي مُصاغ إلى حد بعيد على غرار أسلوب فانت. وبعد ذلك بسنوات عديدة، عندما أصبح بوكوفسكي ثرياً ومشهوراً، عقد مع فانت صداقة، وكان فانت عندئذٍ أعمى ومريضاً، وساعده في الكتابة وفي نشر روايته الأخيرة.
   "نسوان" هي رواية عَرَضية وقد ألّفها على غرار "الديكاميرون" . والكتابان مُؤلّفان من مقاطع قصيرة ومنفصلة. بوكاتشيو لديه 103 مقطع. وطبعاً بوكوفسكي لديه واحد. وهو يُعالج وجهة نظر الذَكَر الأميركي التقليدي من المرأة ومن الجنس مع الكثير من السخرية، لكنَّ ذلك لم يكن كافياً لمنع تعرُّض الكتاب لانتقاد أنصار حقوق المرأة وكذلك العديد من النساء اللواتي ذُكرن فيه، وبالتحديد ليندا كينغ التي دُهِشَتْ من الصورة التي رسمها لها. وعندما انتهى بوكوفسكي من كتابته كتب إلى صديقه أ. د  وينانز يقول: "قد أتعرَّض للقتل بسبب هذا الكتاب. إنه مكتوب بأسلوب متذبذب بين الكوميديا الراقية والسوقية وأبدو فيها أسوأ من أي شخص لكنهم لن يفكروا إلا في الطريقة التي رسمتهم بها ". إلا أنه يقول "إنه كتاب يضجّ بالمرح الفاقع".
***
" إنَّ العديد من الرجال الطيبين وُضِعوا تحت الجسر  على يد امرأة "
هنري تشيناسكي

1

   كنتُ في الخمسين من العمر ولم أكن قد ضاجعتُ امرأة منذ أربع سنوات. لم يكن لي أصدقاء من النساء. كنتُ أنظر إليهن في أثناء مروري بهنّ في الشوارع أو أينما صادفتهن، ولكن من دون شوق وبإحساس بالعقم. كنت أستمني باستمرار، لكنَّ فكرة إقامة علاقة مع امرأة – حتى من دون جنس – لم تخطر على بالي. كان لدي ابنة في السادسة ولدت خارج رباط الزواج. كانت تعيش مع أمها وكنتُ أعيلها بالمال. كنتُ قد تزوجت قبل ذلك بسنين عديدة وأنا في الخامسة والثلاثين، ولم يستمر ذلك الزواج أكثر من عامين ونصف العام. وطلّقتني زوجتي. لم أقع في حبال الحب إلا مرة واحدة. وقد ماتت بفعل حالة إدمان حادّة على الخمر. ماتت في الثامنة والأربعين وكنتُ في الثامنة والثلاثين. كانت زوجتي أصغر مني بـ 12 عاماً. وأعتقد أنها هي أيضاً ماتت الآن، مع أني لستُ متأكّداً. ظلت تكتب لي رسالة طويلة في عيد الميلاد على مدى ستة أعوام بعد طلاقنا. لم أردّ عليها أبداً...

   لستُ متيقناً متى قابلتُ ليديا فانس. كان ذلك قبل حوالي ست سنوات وكنتُ قد تركتُ عملاً استمر اثنا عشر عاماً كموظف صغير في البريد وكنتُ أحاول أنْ أصبح كاتباً. كنتُ مرعوباً وعاقرت الخمر أكثر من أي وقت آخر. كنتُ أجرّب تأليف روايتي الأولى. في كل ليلة كنت أشرب وأنا أكتب ثُمن غالون من الويسكي وحزمتين من علب البيرة تضم كل منهما ست عبوات. كنتُ أدخّن سيجاراً رخيصاً وأطبع على الآلة الكاتبة وأشرب وأستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية عبر الراديو حتى الفجر. وضعت نُصب عيني هدفاً أنْ أكتب عشر صفحات كل ليلة لكنني لم أكن أعلم إلا في اليوم التالي عدد الصفحات التي أنجزت. وأنهض في الصباح، أتقيّأ، ثم أمشي حتى الغرفة الأمامية وأنظر إلى الأريكة لأرى كم صفحة موجودة هناك. كنتُ دائماً أتجاوز الصفحات العشر. أحياناً تكون 17، أو 18، أو 23، أو 25 صفحة. وطبعاً كان يجب ترتيبه أو التخلُّص منه. واستغرق مني تأليف روايتي الأولى إحدى وعشرين ليلة.
   رأى مالكو الفناء الذي كنتُ أعيشُ فيه حينئذٍ، وكانوا يعيشون في الجزء الخلفي، أنني مجنون. وفي صباح كل يوم عندما أستيقظ أجد كيساً كبيراً من الورق الأسمر عند المدخل. كانت محتوياته تتنوع لكنها في الغالب كانت بندورة، وفجل، وبرتقال، وبصل أخضر، علب من الشوربة، وبصل أحمر. وكل ليلتين كنتُ أشرب البيرة معهم حتى الساعة الرابعة أو الخامسة فجراً. ويغيب العجوز عن الوعي وأمسك بيد المرأة العجوز واقبّلها بين حين وآخر . وكنتُ دائماً أُعطها واحدة كبيرة عند الباب. كانت مُجعّدة بشكل فظيع ولم يكن لها حيلة في ذلك. كانت متدينة وبدتْ ظريفة عندما تعتمر قبعتها الوردية وتذهب إلى الكنيسة....

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا