الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة


عبدالمنعم رمضان - شاعر مصري
محمود-درويش
 نشر في: الأربعاء 16 مارس 2016 | 09:03 ص
 1140 مشاهدة  لا توجد تعليقات
A+ A A-
عبدالمنعم-رمضانعنوان هذه المقالة، هو محض تقليد مقصود للعبارة الفرنسية التي أتمنى أن تكون شائعة: «فيكتور هوجو أشهر شاعر فرنسي للأسف»، ولقد اكتشفت وأنا ألوك العنوان أنني أغني مع فيروز وسعيد عقل والأخوين رحباني، هكذا علانية: «غنيت مكة أهلها الصيدا»، علّني أهدأ، وأغني معهم هكذا هكذا بغير علانية: «مصر غابت شمسك الذهبُ»، علّني أحتاط، وأتأمل روايات رجاء عالم مثل رجل أعزل ممسوس باللغة، علّني أستمتع، وأفكر جدًّا، وأفكر حتى النخاع، في شعر محمود درويش، علّني أنسى، وفى كل أحوالي، خاصة حالتي الأخيرة، أحسب نفسي تلك النخلة الشاردة على الطريق، تلك النخلة التي ينصحني كل معارفي بألّا أكونها، فأخون هذه النصيحة، ولا أخون بقية النصائح، أعني ما نشز منها، وما أهمله العامة والخاصة، وما هجرته الألسنة، وتخلى عنه السابقون، رغم أنهم ناصحون غالبًا.
ينصحنا السابقون بقراءة من سبقوهم، ينصحنا أبو تمّام بامرئ القيس، وأبو العلاء بالمتنبي، وإبراهيم ناجي بخليل مطران، والمازني بابن الرومي؛ فيما ينصحنا قريبو العهد من السابقين بقراءة واحد من اللاحقين، وهي حالة الاستثناء الوحيدة، ينصحنا السياب والبياتي ونازك ونزار قباني وصلاح عبدالصبور وحجازي بقراءة محمود درويش، لعلنا سنعرف السر.
ما نعرفه الآن أن أجمل ما تركه لنا محمود درويش هو شعره، وهو شعر قد يصيب محبّيه إذا عكفوا عليه لاختيار أفضله، قد يصيبهم بالحيرة والارتباك، وأسوأ ما تركه لنا محمود درويش هو نقاده الذين جهلوه مرات، والذين تواطؤوا على الحفاوة به مرات أكثر، وجغرافية هذا التواطؤ تبدأ من مكان معلوم قريب من الشعر ولا تنتهي عند أماكن معلومة أخرى قريبة من السياسة، فمنذ كان النقد يعتمد على الذوق، يعتمد على الانطباع، إلى أن أصبح يعتمد على تلاميذ الأكاديميات الذين فضّلوا أن يحلّوا المناهج محل الذوق؛ بدلًا من أن يسلّحوها به، منذ ذاك إلى ذاك، ومحمود درويش محل حفاوة الاتجاهين، أصحاب الذوق، وأصحاب الأكاديميات، فرجاء النقاش وهو من الأوائل، احتفل بشعر محمود في دواوينه الأولى، وأنشأ عنه كتابًا، ثم انصرف عنه في المراحل التالية، ونقاد اليوم وهم من الأواخر احتفلوا بشعر محمود، شعره الجديد، سواء في الجدارية أو قبلها بقليل أو بعدها؛ إلى أن وصلوا الخاتمة، إلى أن وصلوا لاعب النرد، كلهم قرؤوه بعيون مفتوحة إلى آخرها، بعيون لا ترى. 
darwich7
رجاد-عالمالجماعة وشاعرها العظيم
حيّرني شعر محمود درويش، وفكرت كيف أتأوّل لما أحببته من قصائد، فكرت أن أميز وأمايز بين الشاعر الجميل والشاعر العظيم، وتصورت أن كل جماعة من البشر، في أي مكان، في وطن محدود، أو في شبه وطن، تبحث عن رموزها العظيمة، وعن شاعرها العظيم، وإذا لم تجده اخترعته، وإذا لم تجده انتخبت أحد أجمل شعرائها، وارتفعت به إلى مرتبة العظمة، وقالت للعالم: هاكم شاعري العظيم، هاكم قلبي، على مر التاريخ كان الشعر العظيم نادرًا، على مر التاريخ كان الشعر الجميل أقل من نادر وأكثر من قليل، فكرت فيما يلزمني من آلات وعدد وأدوات يمكنني أن أستخدمها للتعرّف على الاثنين وللتفريق بينهما، خاصة أن بعض الخلط يأتي من كون كل عظيم لا بد أن يكون جميلًا والعكس صحيح، وخاصة أن البعض يعتقد أن الشعر يتعلق بالجمال، وأن العظمة باب آخر لأشياء أخرى، قلت لنفسي: هل السؤال ما الشعر العظيم- أعز الله يوسف اليوسف – سؤال مشروع؟ الحداثيون يتعالون عليه، تعاليهم أرقّ من ورق النشاف، والسؤال أكثف من سماء سابعة، ونحن لا نحتمل في أغلب أوقاتنا أن يتوتر الشعر ذاته بين المباشر وغير المباشر، بين المجسد والمجرد، بين الفيزيقي والميتافيزيقي، بين الواقعي والأسطوري، بين الله والشيطان، بين السماء والأرض، بين العالي والخفيض، بين الحركة والسكون، بين الصخرة والنبع، في أغلب أوقاتنا نحن نخاف النيرفانا، نخاف توتر الشعر؛ أي نخاف الشعر ذاته، الذي كأنه النيرفانا، أو كأنه ليس النيرفانا، كأنه غيرها، هذا التوتر يضع الشعر في مكان أرقى من الحلم، حيث الشعر طريق خلاص، بل أقوى من آفات الحلم، من هشاشته وهلامه، حيث الشعر طريق خيال، بل أقوى طريق خيال للقبض بكلتا يديك على فضاء الروح، على تماسكها وارتقائها.
darwich8فالحلم بهذا المعنى لا يستطيع أن يفعل ما يفعله الشعر، لا يستطيع أن ينافسه، مع العلم بأن الشعر يظل قوة الحلم، يظل أرضه الخصبة، وسوائله الدافقة، فكرت في أنني لا أملك الأدوات والعدد والآلات للتفريق بينهما: الشعر العظيم والشعر الجميل، ولكنني أحس في أثناء قراءاتي المتتالية لشعر محمود درويش أنه غالبًا ما يميل إلى أحد طرفين من أطراف الواقعي والأسطوري، السماء والأرض… إلخ، يميل إلى الهدوء، وعدم التوتر، وأن هذا ما يحقق له الوضوح وقابلية التداول، الوضوح والشهرة، الوضوح والخوف من الحرية، فيما يمتلك –أعني شعر محمود– خاصية الجمال التي فطر عليها الشاعر وشعره.
أول آثار الصدمة
قررت أن أتخلى عن هذا الاختيار، وأن أبحث لحيرتي عن طريق أخرى لتأويل ما أحببته من قصائد، قرأت شعر درويش ثانية، حاولت أن أتخيله في معمله، كيف ينظر إلى ما كتب من قصائد، كيف يفكر في إدخال كلمات جديدة لم يسبق له أن اشتغل عليها، كيف تكون الكلمات مغسولة بمياه زمانها، كيف تفتح آفاقًا وتمهد طرقات، قرأت شعر درويش؛ كانت دواوينه الستة الأولى ظاهرة السذاجة، ظاهرة الابتداء، وإن امتلأت ببذور وجذور وطرائف، وأيضًا ببعض أخطاء في العروض واللغة، هذه الدواوين تضع الخط الواضح عند قراءة درويش، لا بد أن تنتبه لشروط الصوت، متى تقف، ومتى تستمر، شعر درويش الذي يستند إلى الموسيقا، يضيع إذا قرأه وأهمل صوته هؤلاء الباحثون عن المعنى، جرّبت أن أستمع إلى قراءات بعض نقاده المفتونين، فاكتشفت أنهم لا يراعون أهم خصائصه، شفاهة درويش يقينية مثل فلسطينيته، في الديوان السادس «أحبك أو لا أحبك» الصادر سنة 1972م أي بعد خروجه من حيفا، واصطدامه، وجهه وفمه وجسده ولسانه وماء عينيه، بالقصيدة الحديثة آنذاك والتي شاعت في بيروت، وامتدت منها إلى العواصم كافة، أعني قصيدة النثر، تظهر أول آثار الصدمة، لا يجب أن ننسى أن درويشًا بدأ وظل سريع التأثر بما يقرأ، سريع الاستجابة؛ لذا اشتمل الديوان على المزامير التي جاء أغلبها على هيئة قصيدة النثر، ولأنه بدأ وظل شديد الذكاء والفطنة، وأدرك أن هذه القصيدة ليست أرضه، وأنها حتى ليست منفاه، فامتنع عنها نهائيًّا، وعاد ليتشبث بغنائيته، نعرف أنه حارب على استحياء قصيدة النثر، نعرف أنه لم يكن يحب المواجهة، كان يتفاداها، في أواخر عمره، كتب «في حضرة الغياب»، و«أثر الفراشة»، كتبهما تحت تسميتين: نص، ويوميات، وقصد بهما أن يكونا نافذة على قصيدة نثره، ولا أقول قصيدة النثر، فالخمر في كتابيه هي الخمر في غيرهما، وماء الشعر فيهما هو ماء الشعر في غيرهما، إنهما شعر عروضي تخلّى عن الوزن وأبقى على بقية العناصر، حتى الموسيقا ظلت رغم غياب العروض، كان درويش بعد أن اصطدم بجدار غنائيته، يلجأ إلى أسلحة يفتح بها ثقوبًا في ذلك الجدار، علّه يمر منها إلى غناء جديد آخر، لكن الموت لم يمهله، ولا شك أن درويشًا كان أذكى من نقّاده، وأن نقاده ظلوا أكثر جبنًا من جمهوره، وأقل وعيًا منه شخصيًّا، ففي الوقت الذي وعى فيه أزمته، وفكر في الخروج منها، كانوا يتسارعون إلى مدح كل ما يفعله، اختتم درويش ديوانه «أحبك أو لا أحبك» بقصيدته الشعرية الكبيرة «سرحان يشرب القهوة في الكافيتريا»، وأتبعها بديوانه السابع الذي سوف يسميه «المحاولة رقم 7»، كأنه ينتبه إلى أن كل ما سبقها كان مجرد محاولات لبلوغ النهر، كأنه ينتهي منها، كأنه يثق في هذه المحاولة، كأنه يبدأ بها ما سيأتي، لاحظ هذه التسمية التي فعلها شعراء آخرون، يشبهونه، ويشبههم، الأصح قد يشبهونه، وقد يشبههم: «أوراق الغرفة رقم 8» و«الطاولة 48»، ويمكننا أن نبحث عن أصل لهذا التقليد، تقليد التسمية؛ خاصة أن شعر محمود طوال تاريخه كان مرآة تكشف عما يقرؤه، مرآة محدبة أحيانًا، ومرآة مقعرة أحيانًا.
darwich11الانفصال عن القطيع
darwich9غنائية محمود منذ المحاولة رقم 7، ستصبح غنائية مليئة، غنائية شاعر، وليست غنائية سياسي، وإن انطوت عليها. منذ (المحاولة) يتأسس جمال الشعر الدرويشي، وينفصل عن القطيع الذي نشأ معه، يصبح جماله رصينًا، جمالًا لا يقلقك، يطربك، يشجيك، يقودك إلى الغناء، إلى الرقص الوقور، يهزك أحيانًا، قد يرجك، يوهمك بالتساؤل، جمالًا لا يحاول أن ينقلك من عالم إلى عالم، ولا ينشغل بذلك، لا يحب أن يتركك مهمومًا تحمل أسئلة جديدة، وتضع عنك أجوبة قديمة، ولأن الجماهير من ناحية، هي لحظات عابرة وآنات متفرقة، وليست زمنًا ممتدًا، ومن ناحية أخرى هي طالبة أجوبة، وعلى الأكثر طالبة أسئلة ممكنة وخيالات ممكنة، فإن الجماهير لا تتعلق تعلقًا كبيرًا بالشاعر العظيم في زمنه، أكثر مما تتعلق بالشاعر الجميل، فالأول يخترق الأزمنة ويلتف حوله القراء، بعد أن تستقر أسئلته، وتستقر بعض حيرتها؛ أي في أزمنة تالية.
قلنا: إن محمود درويش هو الأذكى من نقاده، الأذكى من خصومه، الأذكى من غرق السفينة، في هذه اللحظة خرج محمود درويش عاريًا إلا من خمره القديمة، وكتب «في حضرة الغياب» و«أثر الفراشة»، آملًا أن يكونا استراحة أو استراحتين يعود بهما بخبرات جديدة وحكايات جديدة، يمكن أن تفصل العمق عن الغرق. فكرت أن أختار طريقًا أخرى؛ لتأويل مختاراتي من شعر درويش، قلت لنفسي: محمود هو الشاعر المهموم بالبلاغة أيضًا، وللبلاغة فروع ثلاثة: علم المعاني، وعلم البيان، وعلم البديع، قلت لنفسي: المعاني برزخ لا يكفيك فيه أن تكون ذكيًّا، لا بد أن تكون مفطورًا، لا بد أن تكون إلهًا صغيرًا، أن تكون شاعرًا، والبيان باستعاراته وتشبيهاته وكناياته، ومجازه أيضًا برزخ، البديع فقط هو ما يكفيك فيه أن تكون ذكيًّا، البديع بجناسه وسجعه وطباقه وتورياته وألعابه هو الأدنى بين الفروع الثلاثة؛ لأنه سهل الامتلاك، سهل الفقد، هو امرأة جميلة معروضة على الطريق، البديع أدوات، والاثنان الآخران آلات، فكرت أن قمة شعر درويش تعادل قمة البديع، وأنهما فاتنان فتنة نعرفها، ولكنني خفت من تفكيري هكذا، فقررت الاستغناء عن هذه الطريق أيضًا؛ لأنني يمكن ألّا أجيدها، تذكرت أن محمود درويش عندما وقع على «منطق الطير» لفريد الدين العطار، اختار الهدهد، وذكّرني بكلبي.
هدهد العطار، اصطاده درويش من سماء بعيدة، وبدلًا من أن يطلقه في سماء الشعر وهي بعيدة أيضًا، حبسه في قفصه، أعني قفص الشعر، ولما وقعت على منطق الحيوان، اخترت الكلب وفتنتني حكايته، وقلت: لا بد أن أصارح بها درويشًا وأباهيه. يروي الحكاؤون أن كلبًا ضالًّا استبد به العطش، فاقترب من حافة النهر، لكنه شاهد في النهر كلبًا آخر، نحن نعرف أنه شاهد صورته، ونعرف أن الكلب الأصلي فزع وتراجع ونبح، ولما غلبه الظمأ عاد إلى حافة النهر، وحاول أن يهش صورته، ولم ينجح فألقى بنفسه في الماء، ما فعله الكلب فعله عظماء المتصوفة والشعراء والثوريين والحالمين، لكن هدهد محمود درويش الذي اقترب من النهر عندما عانى العطش، على صفحة الماء رأى صورته فلم يخف؛ الغريب أنه اطمأن إليها ولم يبتعد، ولم يلق بنفسه في الماء، ظل هكذا: الفاتن المفتون، ظل واقفًا على الحافة، يرى صورته ويدعو كل الآخرين أن يروهما معًا، هو والصورة، هو والظل، إنه الهدهد الجميل، نرسيس الجميل، منذ دخل محمود درويش أرض الشعر وهو منشغل بتعريفه، كانت تعريفاته متواترة ومتلاحقة بإصرار في دواوينه الأولى، وأصبحت كذلك في دواوينه الأخيرة، إنها، أي التعريفات، كائنات تطل برؤوسها أكثر في المحطات البائسة، لفتني أن تجربة محمود درويش التي تنتسب إلى تجارب الرواد تختلف عنها في بعض الوجوه، فكلهم برز منذ ديوانه الأول أو الثاني؛ كلهم فتح بابًا وطريقًا منذ أوله أو ثانيه، بينما ظل محمود يكتب أناشيده، التي استظهرها الكثيرون، وظل يتطور ببطء إلى أن وصل إلى «المحاولة رقم 7»، وعندها بدأ الشعر.
.

نزار-قبانيكان شبح نزار قباني يخيفه

أخشى أن أكون قد عدت إلى موضوع آثرت الانصراف عنه؛ لأنني لا أجيده، المهم أن سفينة محمود درويش المتخمة بالموسيقا، المتخمة بالعطور، والتي بدأت منذ (المحاولة)، ستصل ضفاف التسعينيات، مصحوبة بقدر من الصفاء، يجعل كل هذه الفترات، أجمل فترات درويش الشعرية، لولا أن الخوف والمنافسة والنرجسية، شهرت كلها أسلحتها السرية، رأيت محمود درويش وهو يضطرب إذا حاول أحدهم أن يضعه مع نزار قباني في جهة واحدة، كان محمود يريد الجهات كلها، وكان شبح نزار يخيفه، شبح شهرته واتفاق أهل الرأي على أنه شاعر الجماهير الخاملة؛ لذا سعى محمود إلى الجماهير النوعية، الجماهير المثقفة، سعى إلى أن يجعلها بطانته ضد خصومه، هو لم يثق قط بالشعراء، كل الشعراء، انشغل محمود واهتم بأن يحمل إلى سفينة غنائه الألحان العميقة، والآهات الكثيفة، أن يحمل إليها بعض الميتافيزيقا، بعض المجهول والغامض، الغريب أن كل هذه الأشياء لا تحب الذكاء، ويمكن أن يضطرب بسببها الغناء، محمود يعرف أن الميتافيزيقا تميل إلى الحدس، وأن الذكاء حركة في المعلوم والظاهر، يعرف أن الميتافيزيقا حركة في المجهول والباطن، حمولات محمود درويش إلى سفينته، أتت لتعزز ذكاءه وغنائيته، ولكنها تعاكست معهما، ومع ما يحتاجان من صفاء، وبعد أن تفشّت هذه الأحمال، ووصلت إلى غرفة محركات السفينة، وإلى مطبخها وغرف نومها وسطحها العاري؛ بدأت السفينة في الغرق، والغرق أيضًا اتجاه إلى الأعماق، وفيما كانت السفينة توشك على الغرق، كان نقّاده يهللون للأعماق التي يتجه إليها!

.
darwich5
يعرف كيف يسرق
لا أحب أن أستنتج لغيري ما يجوز أن أستنتجه لنفسي، كأن أقول: إن الفطرة تظهر على الشاعر وتظهره منذ اللحظة الأولى، أما الذكاء فيحتاج وقتًا وممارسة وخبرة، عمومًا هذا وجه أول للاختلاف بينه وبين روّاده، الوجه الآخر يختفي وراء تلك العبارة المنسوبة إلى إليوت أو إلى غيره: إن الشاعر الحقيقي يعرف كيف يسرق ولا يعرف كيف يقلّد، والله لم يكن محمود درويش سارقًا ولا مقلدًا، لكنه مع ذلك لم يستطع أو لم يرغب في أن يسيطر على ظلال أو أشباح ما يقرؤه، كلنا مسكونون، كلنا نحرص أن نخفي أشباحًا، ولكنك عندما تشرع في قراءة قصائده ترى أشباحه تولّي، تبدأ مع لاعب النرد: «من أنا لأقول لكم ما أقول لكم»، فترى شبح صلاح عبدالصبور يختفي، تقرأ مرثيته لجمال عبدالناصر «الرجل ذو الظل الأخضر» فيتوارى أمامك شبحان لصلاح عبدالصبور ونزار قباني، وربما أكثر، تقرأ «سنة أخرى فقط» فيفر أمامك شبح أحمد عبدالمعطي حجازي، تقرأ «الجدارية» فترى أدونيس ينصرف بعد أن يترك عبارته «هذا هو اسمي» أو «هذا هو اسمك».
ما زلت حائرًا في اختيار طريقة تأويل مختاراتي من شعر درويش، أنقذني المؤلف الألماني الغربي هانز أيسلر، وأعطاني طوق نجاة، فهو يقرر أنه يوجد ثلاثة مبدعين كبار في ميدان الموسيقا ملؤوا حقبة القرن العشرين: شونيبرج وسترافنسكي، وياناتشيك الذي لم يستطع كما يقول أيسلر مجاراة زميليه في ابتداع قوالب ولغات موسيقية جديدة إلا أنه تميز بأصالة وواقعية تجلتا خصوصًا فيما أدخله من تجديدات على طرائق التعبير؛ ولعل ذلك يكون الإجابة على السؤال: لماذا يصعب جدًّا إيجاد مكان مناسب لياناتشيك داخل إطار أي مخطط ثوري، بينما يحتل كل من شونيبرج وسترافنسكي موقعًا بارزًا في قصة تطور الموسيقا الغربية؟ فبقدر ما برع الأول في استخلاص نظام غير مسبوق، وإن كان لا يزال موضوع خلاف، أتيح للثاني أن يهبَ الإيقاع وضعًا جديدًا تمامًا، وحرية تفوق الوصف، فماذا إذن عن ياناتشيك! إنه ليس بالقطع تقدميًّا ولا حتى محافظًا، وما دام قد أعرض عن ركوب الموجة السائدة، دون أن ينكص، كما يتوقع، على عقبيه، مذعنًا لحالة من الركود، أو لنقل بتعبير آخر: إن هاجس الصدمة الناشئة عن الجديد، لم يكن بأكثر استيلاء عليه من الرغبة الموجعة أحيانًا، في البحث عن إمكانية الصدق المعبر والمثير، وغالبًا ما ترد إشارات، تخالطها دهشة لها ما يبررها، إلى أن جميع أعمال ياناتشيك تعزى إلى أواخر الحقبة الوسطى والمتقدمة من حياته، ومما يسترعى الانتباه كيف أن رجلًا في عقديه السادس والسابع أمكنه بالفعل أن يكتب موسيقا تحفل بكل هذا الرصيد من الفتوة والطاقة والانفعال، كما تعيننا الظاهرة ذاتها على فهم النزعة التقريرية المباشرة عند ياناتشيك، فقد كان إدراكه بأن لديه الكثير الذي لم يُقل بعد، مقرونًا بشعوره الحاد بأن الوقت ينقضي بسرعة وأن الباقي من العمر لم يعد يسمح له بإبداء أي قدر من التظاهر، أو العقلنة، أو التوجه الحداثي الذي كان سمة العصر بأجمعه.
من الضروري أن أفيدكم بأنني لا أعرف ياناتشيك، ولكنني أعرف محمود درويش؛ وإذا فعلتم مثلي ووضعتم اسم درويش محل اسم ياناتشيك، فلسوف ترون ما أراه، ولسوف تستعيدون مثلي العبارة التي ابتدأت بها: إن أجمل ما تركه محمود درويش هو شعره، وأسوأ ما تركه لنا هم نقاده العابرون وحدهم في كلام عابر!

درويشدرويش لا يسرق

إخواننا الأكاديميون يقولون: إنه تناص، ونقول معهم: نعم، طبيعة شعر درويش، والتي تدل على شاعر عمودي في الخفاء تقول: إنها النقائض أو المعارضات، ونقول: نعم، العقاد يأسى ويحزن ويقول: هناك شعراء لا يكتبون إلا وأمامهم مثال يحاكونه أو يهزؤون منه، ونقول: لا، درويش ليس منهم، عندما نخلو بأنفسنا نتساءل: هل أشباح درويش هي مثيراته؟ هي بعض حصته من الميراث؟ الأكيد أن درويشًا لا يسرق، أن درويشًا لا يقلد، الأكيد أنه أيضًا لا يخاف من كتابة عبارات كتبها الآخرون، فعالمه الخاص يحميه أيضًا وطريقته أيضًا تحميه، يمكن أن نصدق (علي حرب) عندما يقول عن درويش: أنا أعرف أنه يقرأ لآخرين، ويقتبس منهم أحيانًا بصورة تكاد أن تكون حرفية، كما في عباراته الواردة في (جدارية): «اكتب تكن. اقرأ تجد» وهي تحيل على مقالات طه عبدالرحمن «اكتب تكن. انظر تجد»، بالطبع يحوّل درويش ما يقتبسه إلى قول شعري يحمل ختمه وطابعه؛ انتهى كلام (علي حرب) يمكن أيضًا أن نصدق الشاعر العراقي محمد مظلوم عندما يقول: لذلك فإن السياب ومعه البياتي ونازك يبكون موت درويش أكثر من غيرهم حتى وهم يستعيدونه، لكأنه الابن الأكثر تمثلًا للجينات الفنية لأشعارهم، يكمل محمد مظلوم: ورث درويش الريادة حقًّا مستحقًّا، ورثها مجدًا وعبئًا، ورث شيئًا من جماهيريتها، وشيئًا من منفاها، وطاف بها ملكًا متوّجًا بين الصفوف، في إيقاع درويش يقول محمد مظلوم: لا تجد تدويرًا واضحًا في مجمل تجربة هذا المغني العربي، وهو لم يبتعد كثيرًا عن محيط الدائرة الإيقاعية وتلخيص المعنى الذي دأب عليه الرواد؛ انتهى كلام «مظلوم».


مجلة الفيصل

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top