الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة

  حازم صاغية وحسام عيتاني (الحياة)

المسيحيّون كان لا بدّ من سياسة ترأف بهم. لقد خسروا الحرب وراح زعماؤهم، فضلاً عن مجتمعهم، يدفعون الأكلاف: ميشال عون وأمين الجميّل انضمّا إلى ريمون إدّه في باريس. داني شمعون قُتل. ثمّ في 1994 سُجن سمير جعجع.
كان الشعور المسيحيّ بالخسارة فادحاً، وكان بعض الغضب يتّجه إلى الحريري نفسه. فهو ليس فقط شريكاً في النظام الذي نفى عون وسجن جعجع. إنّه وريث المسيحيّين على جبهتين: العلاقات بالخارج الأوروبيّ والأميركيّ، وتمثيل ما هو حديث ومستقبليّ في البلد. الشيئان كانا حتّى ذاك الحين احتكاراً مسيحيّاً. أضف إلى ذلك ترؤّس الحريري حكومته الأولى بعد انتخابات تشريعيّة قاطعها الشطر الراجح من المسيحيين. أمر أضاف الريبة إلى الغضب. الذهول الذي أصابهم بعد انتخابات 1992 التي قاطعوها، نجم عن اكتشافهم أنّ لبنان يستطيع البقاء من دون مشاركتهم السياسيّة. رفيق الحريري مثّل، مرّة أخرى، تحدّياً للتصوّر المسيحيّ عن الذات والوطن وعن الآخر المسلم، المتأخّر تعريفاً في كلّ مضمار وميدان.
المسيحيّون ظنّوا أنّ الحريري يرثهم قبل أن يموتوا، أمّا هو فحاول أن يمدّ جسوراً حيث يُسمح له بذلك. في مشروعه للوسط التجاريّ استبسل كي يُشرك رأس المال المسيحيّ، خصوصاً أنّ أملاك المسيحيّين وكنائسهم كبيرة جدّاً في منطقة الوسط. أمّا "القطب" الذي أُذن له بالتقرّب منه فكان روحيّاً: البطريرك نصر الله صفير. هذا ممكن. غير المسموح والممكن إبداء الاستعداد للتعاون مع الأقطاب الزمنيّين غير المحبوبين سوريّاً. وكلّ الأقطاب المسيحيّين غير محبوبين سوريّاً. لقد حاول مثلاً مصالحة جعجع وإيلي حبيقة، لكنّ أوّلهما ما لبث أن اقتيد، بقرار سوريّ، إلى السجن. هنا، عند أعتاب الباب السوريّ العالي، تقف قدرات الحريري وصلاحيّاته، وينفتح الباب على الأسئلة: إلى أيّ حدّ كان مستاء من "تهميش المسيحيّين" وإلى أيّ حدّ كان سعيداً به؟ وهل كان ممكناً الاستقرار عند لحظة تجمع بين سعادة تُرضي ميله إلى التفرّد وتطمئن النظام السوريّ، واستياء ينمّ عن غيرته على تماسك لبنانيّ ما؟ وكيف يمكن بناء "الجمهوريّة الثانية"، الشعار الرائج بعد اتّفاق الطائف، مع شريك مسيحيّ محبط ومهمّش؟ هكذا استنتج البعض مبكراً أنّه لن يكون رياض صلح ثانياً، يصوغ الوطنيّة اللبنانيّة من جديد بالتحالف مع الشركاء المسيحيّين، ويجترح موقعاً شيعيّاً يلائم صعود الطائفة. ما كان يُكسبه إيّاه المال كانت تخسّره إيّاه الوصاية السوريّة، أمّا رتق هذا الثقب الكبير فممنوع. الحريري، والحال هذه، وجد نفسه، في ظلّ الوطأة السوريّة، مهدّداً بأن يتحوّل صلحاً آخر، هو رشيد الصلح: يتفرّج على الأزمات تعصف من حوله ويقول ما يُملى عليه قوله.

شيعة وطاقم
في هذه الغضون استقطبت الحريريّة طامحين مسيحيّين هم وافدون جدد إلى السياسة، كغطّاس خوري، أو أبناء عائلات سياسيّة في مناطق ذات أكثريّة سنّيّة، كعاطف مجدلاني، أو أصدقاء ورجال أعمال شاؤوا أن يصيروا سياسيّين في مناطق طرفيّة، كفريد مكاري، أو مهنيّين يسعون إلى دور عامّ، كداوود الصايغ، أو موظّفين وخبراء معروفين بكفاءتهم الماليّة والاقتصاديّة، كباسل فليحان. هؤلاء كلّهم يجمّلون الهامش لكنّهم لا ينافسون في المتن.
المذكورون أضيفوا إلى آخرين في "المكتب السياسيّ"، كالفضل شلق وباسم السبع ونهاد المشنوق وعبد المنعم يوسف ومحمّد شطح وهاني حمّود. أكثرهم سنّة وفي عدادهم شيعة. بعضهم صاروا سياسيّين وبعضهم تكنوقراط وكلّهم مستشارون بمعنى ما. نسبة الصادرين عن "الحركة الوطنيّة" وأحزابها وتحالفاتها وصحفها مرتفعة نسبيّاً بينهم. محمّد كشلي، الذي كان من رموز "اليسار الجديد" وله كتاب مبكر عن الحركة العمّاليّة، صار مسؤولاً حريريّاً عن النقابات.
الملمح العامّ طلب الترقّي الاجتماعيّ وإكمال مشاريع لم تُسعفها الانتماءات السابقة. لقد انضوى في الحريريّة طامحون ارتفعوا خطوة في المؤسّسات التي يعملون فيها، وهم يسعون إلى الصعود أكثر، وأعيان لم يصبحوا زعماء، وأبناء أعيان عقّدت الحرب وراثتهم، ومتعبون انسدّت في وجوههم تجاربهم السابقة، وخبراء في الخارج رأوا أنّ بلدهم يتيح لهم فرصاً وأدواراً لا يتيحها الانحصار في مكاتب المدن الأميركيّة والأوروبيّة. الحريري يقصّر المسافات إلى المجد. العصاميّة والطموح صرختا حرب جامعتان لطاقمه. التحوّل الطبقيّ والاجتماعيّ يبدأ بالممارسة اليوميّة وبالصيرورة سلكاً و "سيكتاً" ومجتمعاً مضادّاً.
الشيعة الأقوياء أمرهم أصعب من أمر المسيحيّين الضعفاء. فحزبهم، حزب الله، لم يكن بدّ من التعايش معه. ذاك أنّ الطائف، بتأويله السوريّ المفروض بعد اغتيال الرئيس رينيه معوّض، شرّع سلاح الحزب ومقاومته. لكنّ ذلك، ووفق وصف شهير لوليد جنبلاط، عنى الجمع بين هونغ كونغ وهانوي على رقعة أرض صغيرة. هل يمكن أن يُقلع مشروع يراهن على السلام الإقليميّ وتدفّق الاستثمارات في جوار جيش تتجاوز قوّته قوّة الجيش، ولا يكفّ عن إعلان رغباته القتاليّة التي لا يُعرف أين تتوقّف؟
بدا الأمر أشبه بقنبلة موقوتة داخل المشروع الحريريّ نفسه، قنبلةٍ ليس مضموناً متى تنفجر. طرف مهموم بجذب الاستثمارات وبحلول أيّ سلام، وطرف لا يقوم عمله إلاّ على تهريب الاستثمارات والتعويل على أيّة حرب. والمشكلة زادتها خلفيّتها تعقيداً. فقبيل الطائف، وبُعيد حرب المخيّمات، انفجرت الحرب الشيعيّة – الشيعيّة الضارية بين "أمل" ذات الهوى السوريّ و "حزب الله" الإيرانيّ الهوى والتمويل. بيد أنّ النفوذين السوريّ والإيرانيّ ما لبثا أن توافقا على التعايش وترسيم الحدود بينهما، ما جعل الطائفة الشيعيّة كتلة متراصّة يصطدم طرفاها، كلّ من موقعه، بالحريري: في حالة الحزب، فُرضت مناصفةٌ على السلطة غير مسبوقة في تاريخ السلطات: الإعمار مقابل المقاومة، بيروت مقابل الضاحية، الحريري مقابل حسن نصر الله، تلفزيون المستقبل مقابل قناة المنار، ثقافة الاستهلاك مقابل ثقافة المقاومة، وضمناً السنّة مقابل الشيعة. هذا التناقض الأخير كان يزيده الوضع الإقليميّ، ودبيب الهويّات الطائفيّة في الجوار، حدّةً، ويزيده التوتّر الصامت، وأحياناً الصاخب، في العلاقات السعوديّة – الإيرانيّة احتداماً. هكذا، وفي الاستشارات النيابيّة التي كانت تسبق تشكيل الحكومات، لم يُرشّح حزب الله رفيق الحريري مرّة واحدة.
أمّا مع "أمل"، فكانت الخلافات مع نبيه برّي، على صعيد "السياسات العليا"، يثيرها ويحرّكها الأمنيّون السوريّون، ثمّ يذلّلونها تاركين أسبابها صالحة للاستخدام في المستقبل. لكنْ يبقى، على مستوى آخر، أنّ "المحرومين" رأوا في الحريري ما رآه الضبّاط السوريّون: القابليّة للابتزاز: فهو، الهائل الثراء، صالح للتصوير "حارماَ" نموذجيّاً، على رغم وفادته المتأخّرة على "حرمان" سبقه عقوداً. وكان ما يمنح الابتزاز أنيابه استعجال الحريري بناء الوسط التجاريّ والتعويض عمّن هجّرتهم الحروب إليه كي يرحلوا عنه. أمّا مشروع أليسار، الذي أريد له أن يكون امتداداً لمشروع الوسط في الضاحية الجنوبيّة، فلم يُتح له الإقلاع أصلاً.
لقد ترتّب على تنافر الحريري والثنائيّة الشيعيّة، وامتلاك كلّ منهما مشروعاً كاملاً، افتقار البلد إلى هيمنة تشبه الهيمنة المسيحيّة قبل حرب السنتين. الفوضى والاستحالة زادتا الحنين إلى ذاك الزمن وجعلتا النظام السوريّ أشدّ اطمئناناً إلى امتداده اللبنانيّ المعطوب الإرادة.
ولم تكن صدفة أن يحاول الحريري، حيال هذا المأزق، استعادة بعض رموز الهيمنة المسيحيّة. حصل هذا خصوصاً في الشقّ الثقافيّ، بعدما تعذّر صوغ رموز ثقافيّة جديدة تكون أعمق وأكثر إقناعاً من مذيعات قناة "المستقبل". لقد أحيا مهرجانات بعلبك واستدعى فيروز للغناء في وسط بيروت، ومغنّي التينور لوتشيانو بافاروتي لافتتاح المدينة الرياضيّة المعاد بناؤها. العودة الاضطراريّة هذه إلى ثقافة "لبنان الأخضر الحلو" القرويّة، ولو بنكهة مسيحيّة أقلّ قليلاً، أضفت على مشروع الحريري شبهاً إضافيّاً بلبنان ما قبل الحرب الأهليّة، لبنان الخدمات والسياحة والفنادق، والتهوين من شأن ما عدا ذلك اقتصاداً وإنتاجاً. ولأنّ المدينة الخارجة من الحرب لم تجد صوتها، ولم تحضنها هيمنة بديلة، فإنّها عادت أدراجها إلى مواويل القرى، على خلفيّة موسيقى جان -ميشال جار.
تعثّر مشروع السلام الإقليميّ تصاحب مع سعي إلى استئناف دور لبنان الاقتصاديّ كما كان قبل الحرب، والبحث عن صور القرية الهانئة على خلفيّة من الأبنية الفخمة. إنّها محاولة لبناء مانهاتن من دون قاعدتها الصناعيّة والسياسيّة. مانهاتن التي يديرها ضابط أمن سوري ومختار ضيعة لبناني.
ربّما جاز أن نضيف أنّ التلاقي الثقافيّ كان مقدّمة للتلاقي السياسيّ اللاحق، لا سيّما بعد مصرع الحريري. البائس أنّ المواويل طغت على التلاقيين.

دمشق... دمشق
ما كان يعقّد علاقات الحريري بالطوائف، لا سيّما الشيعة، كان يتعدّى اتّفاق الطائف إلى الرعاية السوريّة لتطبيقه. فحافظ الأسد والمحيطون به رأوا في توازن الصلاحيّات بين الرؤساء الثلاثة هديّة من السماء. هكذا نشأ ما عُرف بحكم الترويكا، أي اللاحكم، حيث يكاد الاحتكام إلى الرئيس السوريّ يكون يوميّاً. ففي مقابل رئيس – ملك في دمشق، ليس مسموحاً لأيّ كان أن يكون رئيساً عاديّاً في بيروت.
وكانت مشكلة دمشق مع الحريري الأكثر تعقيداً. فهو، فضلاً عن تعايشه الصعب مع مقاومة حزب الله، يملك نقاط قوّة تنقلب هي ذاتها نقاط ضعف. فالأسد أراد للحريري أن يستغلّ نفوذه وعلاقاته بما يخدم السياسة السوريّة، أو يحدّ من الضغط الغربيّ عليها. هكذا ظهر من يسمّيه وزير خارجيّة أعلى عند الحاكم السوريّ. بيد أنّ ذاك النفوذ وتلك العلاقات كانت هي نفسها سبب دائم للارتياب بالحريري، المقرون بالغيرة منه. فالنظام السوريّ المغلق لا يثق بطبيعته بمن يعرف العالم، فيما الذين يعرفون العالم لا يثقون بنظام كهذا. والتسعينات كانت أرضاً خصبة للشكوك. فآنذاك، كما نعلم، نشأ الميل الجارف إلى السلام الإقليميّ، والذي شمل الفلسطينيّين والنظام الأردنيّ، وذلك بعد عقد على ردع النظام اللبنانيّ بالقوّة عن اتّفاق 17 أيّار، وبعد عقد ونصف على كامب ديفيد المصريّ– الإسرائيليّ. هذا الميل جعل القلق والتوتّر يستوليان على دمشق كلّما ركب الحريري طائرة تتّجه غرباً.
ثمّ إذا صحّ أنّ ثراء الحريري وعلاقاته الماليّة تمتصّ الأزمات الاجتماعيّة في لبنان، أو توحي بامتصاصها، فتُعفي دمشق من همٍّ يُستحسن تفاديه، وإذا صحّ أيضاً، وهذا أهمّ، أنّ ذاك الثراء يستوعب فائض العمالة السوريّة بما يخفض التوتّر الاجتماعيّ داخل سوريّة، صحّ كذلك أنّ الثراء نفسه قد يحضّ صاحبه على مزيد من الاستقلاليّة، وعلى الاستجابة لمصالح وإرادات تتعدّى مصلحة النظام السوريّ وإرادته.
وأوّلاً وأخيراً، هناك الحريري السنّيّ. صحيح أنّ النظام اللبنانيّ يستدعي أن يكون الزعيم زعيماً في طائفته أوّلاً، إلاّ أنّ الحريري صار زعيماً في طائفته "أكثر ممّا يجب"، وهو بدأ يفيض على السنّة اللبنانيّين إلى سنّة المشرق، بمن فيهم السوريّون. هؤلاء الذين يعتبرون أنفسهم محكومين بغير السنّة، فيما زعماء البلدان السنّيّة قليلو الحضور والتأثير خارج بلدانهم، وجدوا فيه وجهاً يتعلّقون ويفخرون به. ثمّ إنّ "المقاومة"، وهي تقليديّاً بضاعة سنّيّة، بدأ تحالف حزب الله والنظام السوريّ يشيّعانها منذ أواخر الثمانينات. لقد بدا الحريري تعويضاً عن خسارة رآها الكثيرون نتيجة سطو مسلّح تمّ في النصف الثاني من العقد المذكور.
وفي الحساب الأخير، فإنّ النيوليبراليّ لا يحبّ الضابط ولا يحبّ المقاتل لكنّه يخافهما، فيما الضابط والمقاتل يكرهانه إلاّ أنّهما يحبّان ثروته ويتمنّيان امتلاكها، بالمصادرة والإكراه وإلاّ فبالخديعة وشيء من التملّق.
استجابة الحريري للتحدّي السوريّ جاءت متفاوتة ومتعدّدة المستويات. فهو يعلم أنّ رضا دمشق شرط شارط لأيّ دور سياسيّ في بيروت. فوق هذا، فالنظام الأمنيّ السوريّ لا يرحم أحداً إذا صادمه، وعدم الرحمة لا يحدّها حدّ. هكذا اندمج استخدام أوراق القوّة التي خال الحريري أنّها تضمنه، بتقديم الخدمات والهدايا لأركان هذا النظام وكبار ضبّاطه: من الجهة الأولى، التعويل على علاقاته العربيّة والدوليّة، وعلى المضيّ في توحيد الطائفة السنّيّة وراءه وشحذ عصبيّتها، إذ هي القوّة التي يحرص السوريّون على عدم تنفيرها كلّيّاً، على رغم نشاطهم المحموم في خلق بؤر اعتراض سنّيّ عليه لإضعافه، لا لإلغائه. من الجهة الأخرى، إرفاق تصريحات المبايَعة لحافظ الأسد والإعجاب بقيادته المعصومة بالاصطفاف وراء دمشق في الخيارات الخارجيّة الكبرى وتوظيف علاقاته الدوليّة لخدمتها. ويبدو أنّ سليل عائلة المزارعين فكّر زراعيّاً، فيما هو يرشو قادة النظام الأمنيّ وكبار ضبّاطه. فهو ربّما ردّد في نفسه تلك الحكمة البسيطة من أنّ ما تزرعه تحصده. وربّما عزّزت ثقافةُ البرّ والإحسان الحِرَفيّة والحسنة النوايا بساطة تفكيره الزراعيّ. لكنّ الأمور لا تعمل مع رجالات الأمن السوريّ على هذا النحو. فالمقابل الذي يقدّمه الضابط بعد إهدائه سيّارة مرسيديس ليس حفظ الجميل أو ردّه. إنّه المطالبة بسيّارة أخرى أكبر وأغلى ثمناً، وإلاّ كانت العداوة المفتوحة.
إذاً القاعدة المعمول بها أنّ ما تزرعه قد تحصد عكسه. والعكس هذا كان يصل في بعض الأحيان إلى ابتزاز جلف صريح يدبّ الرعب في أوصال الحريري. وهل هناك ما هو أكثر ابتزازاً من التلويح بعلاقة إسرائيليّة يُتّهم بها هذا المقرّب منه أو ذاك المستشار؟ لقد تصاعد هذا الابتزاز مع ارتقاء أنصار بشّار الأسد سلالم السلطة، وظهور كراهيّتهم للحريري إلى العلن.
أمّا الحقل الأبرز لاختبار هذه المعادلات فظلّ مقاومة حزب الله. فالحريري كان المكلّف بإطفاء الحرائق التي يشعلها الحزب، وهو كان يفعل هذا لأنّه لا يملك إلاّ أن يفعله، خصوصاً أنّ جزءاً كبيراً من لبنان كان لا يزال محتلاًّ بالفعل من الإسرائيليّين. حجّة الحزب والسوريّين المعلنة كانت، والحال هذه، أقوى من حجّته التي يهمس بها همساً.
التجربة الأهمّ كانت ما عُرف بـ "تفاهم نيسان" في 1996، تلك الهدنة التي هندسها الحريري برعاية أميركيّة، وقضت بعدم مهاجمة المدنيّين في إسرائيل وبحقّ الأخيرة في الدفاع عن النفس، لكنْ أيضاً بالحقّ في مقاومة الاحتلال الإسرائيليّ لجنوب لبنان.

إميل لحّود
العلاقة استمرّت هكذا: ابتزاز تقابله استجابة تسير على حدّ السيف. اخدمْهم أكثر يطلبون أكثر. الوجهة الإقليميّة لم تعد لمصلحة الحريري: تقلّص فرص السلام في المنطقة بعد اغتيال اسحق رابين في 1995، ثمّ فشل قمّة كامب ديفيد الفلسطينيّة– الإسرائيليّة واندلاع الانتفاضة الثانية في 2000، جعلته يبدو شخصاً غريباً على المشهد المتغيّر: نفير الحرب بدأ يرتفع. هانوي تفوز في المباراة إذاً وتُقصي هونغ كونغ.
لكنّ الأوهام تملك سحراً خاصّاً بها حتّى لو جاءت من أمكنة بعيدة. ومن هونغ كونغ إيّاها طُلب العلاج: ففي 1997 نقل البريطانيّون ملكيّتها إلى جمهوريّة البرّ الصينيّ. كثيرون قالوا يومذاك إنّ البرّ الضخم هو الذي ضُمّ إلى الجزيرة الصغرى، قاصدين أنّ النظام الشيوعيّ هو الذي كرّس رأسماليّته الاقتصاديّة التي بدأها دينغ هشياو بنغ أواخر السبعينات. القيادة، إذاً، ستنعقد لهونغ كونغ العريقة في رأسماليّتها، بعد 156 عاماً من حكم بريطانيّ، فيما الصين، الحديثة الوفادة إلى الرأسماليّة، ستتعلّم منها. فلمَ لا تحذو العلاقة اللبنانيّة– السوريّة الحذو هذا؟
وسط هذه المعمعة، فرض السوريّون إميل لحّود رئيساً للجمهوريّة. كان ذلك في 1998، بعد تسع سنوات على تعيينه قائداً للجيش. القيادة السوريّة، إذاً، تفكّر بكوريا الشماليّة أكثر ممّا تفكّر بالصين وهونغ كونغ: فلحّود حين تولّى قيادة الجيش لم يكن أكثر من قائد للقوّات البحريّة (!) في الجيش اللبنانيّ. ميزته آنذاك استعداده لتغطية الضربة السوريّة التي وُجّهت إلى ميشال عون. ميزته الأخرى أنّه عارٍ تماماً من كلّ تأييد في طائفته المارونيّة، ما يرفع استعداده لإرضاء دمشق إلى حدود قصوى. ميزته الثالثة أنّ علاقته بالقوّات البحريّة تقتصر على حبّه للسباحة. ميزته الرابعة أنّه، خلال قيادته للجيش، بنى جيشاً بموجب دفتر الشروط السوريّة. أمّا ميزته الأهمّ فجمعه بين صفتين تقول الثقافة البسيطة إنّهما لا تجتمعان، وهما تجتمعان جدّاً: الخبث وقلّة الذكاء.
مع إميل لحّود، صار التعريف الأبرز لرئيس الجمهوريّة اللبنانيّة أنّه "ضدّ الحريري". هكذا كان لا بدّ لعهد الأخير أن ينتهي. لحّود جاء بسليم الحصّ إلى رئاسة الحكومة ومعه عتاة الموالين للنظام السوريّ. الأمر بدا تراجعاً من الصناعة إلى الحرفة، من الحديد إلى القشّ، من الديناميّة الفائضة إلى النوم السعيد. بيروت بدت قرية كبيرة مكتفية بذاتها وبالوعظ المتكرّر عن محاربة الفساد. الاكتفاء الذاتيّ سيّد الموقف. شيء من أيديولوجيا "الاعتماد على النفس" ("زوتشيه") الكوريّة الشماليّة انتشر في سماء المدينة. لقد لاح الأمر على شكل صراع بين "القناعة كنز لا يفنى" الحصّيّة و "قل اعملوا" الحريريّة.
إلاّ أنّ الزمن كان خصباً بمفاجآته واحتمالاته. ففي السنة ذاتها، سنة 2000، وبفارق قصير، جلا الإسرائيليّون من طرف واحد عن لبنان وجلا حافظ الأسد عن دنيانا. كان لا بدّ من مزارع شبعا كي يبقى حافظ الأسد حيّاً. وهكذا كان. حلّ بشّار محلّ أبيه الذي أبقي حيّاً. في الموازاة، حلّ رستم غزالة محلّ غازي كنعان في الإشراف على النظام الأمنيّ السوريّ– اللبنانيّ المشترك، في إشارة إلى ما سيحمله المستقبل من تبدّل في علاقة دمشق بحليفها- العدوّ.
لكنّ العام 2000 إيّاه حمل الحريري مجدّداً إلى رئاسة الحكومة، بعد "تثقيل" لائحته البيروتيّة لانتخابات ذاك العام بعدد من "الودائع" السوريّة. لقد بدا الأمر محاولة من الحريري لخفض طابع التحدّي للحّود وبشّار. هكذا خاض الانتخابات بلائحة مكتملة في بيروت وبمرشّحين في كلّ المناطق اللبنانيّة. لحّود، من جهته، وتحت وطأة العجز والبطء، اضطرّ إلى إعادته رئيساً لحكومتين. التاريخ جعل يركض من جديد، إلاّ أنّه كان يركض في اتّجاهات شتّى. أكلاف الحريريّة الاقتصاديّة انضافت إلى أكلاف التراجع العشوائيّ عنها. البنك الدوليّ وصندوق النقد راحا يضغطان. الخصخصة باتت موضوعاً حادّاً في الصراع بين رئيسين واحدهما قليل الحفول بالفقراء والآخر عديم الدراية بالاقتصاد.
في لبنان، حرب المتاريس في مؤسّسات الدولة صارت يوميّة. لحّود استعان عليه ببليونير مقرّب من دمشق هو عصام فارس، الذي صار نائباً لرئيس الحكومة في الحكومتين الحريريّتين ما بين 2000 و2004. لكنّه استعان أيضاً بيساريّين وعقائديّين يُفترض ألاّ يجمعهم بفارس إلاّ كراهية الحريري وطواعيّة الطرفين حيال الأمن السوريّ.
على الجبهة الأهمّ، بدا التوازي كاملاً بين ثنائيّ حافظ– غازي كنعان وثنائيّ بشّار– رستم غزالة. كنعان كان أكبر من رستم بقرابة عشر سنوات، وأكثر تجربة وحنكة ومعرفة بطبيعة البلد. الأوّل، مثل سيّده حافظ، جلافته في المضمون. الثاني، مثل سيّده بشّار، جلافته في الشكل فضلاً عن المضمون. لكنّ الانسحاب الإسرائيليّ، بمزارع شبعا أو من دونها، كان أيقظ معارضة مسيحيّة وجدت أنّ الاحتلال العسكريّ السوريّ فقد آخر ذرائعه. لهذا الغرض تأسّس في نيسان (أبريل) 2001 لقاء قرنة شهوان، بعدما وفّر بيان مجلس المطارنة الموارنة في أيلول (سبتمبر) 2000 والداعي إلى الانسحاب السوري ونشر الجيش اللبناني في الجنوب، غطاء مسيحياً قوياً. رفيق الحريري لم يستطع ضمناً إلاّ أن يكون متعاطفاً. لكنّه لم يستطع علناً إلاّ أن يكون متحفّظاً.
حرب العراق، في 2003، بعد 11 أيلول، وضعت الجيش الأميركيّ على كتف سوريّة. الأكراد السوريّون سريعاً ما تجاوبوا مع التطوّر الجديد، فكانت انتفاضة القامشلي/ قامشلو في 2004. النظام السوريّ في ذاك العام نفسه مدّد ولاية إميل لحّود ثلاث سنوات بعد تعديل الدستور. كان الانطباع في دمشق أنّ أيّ مارونيّ، ما عدا لحّود، مستعدّ للفرار ببلده من السجن السوريّ الكبير. حجّة كهذه، بعد الانسحاب الإسرائيليّ، باتت قويّة، فيما الواقع، بعد الحرب العراقيّة، بات ملائماً.
الحليفان المشكوك بهما في دمشق، رفيق الحريري ووليد جنبلاط، باتا مطالَبين بإبداء سلوك يشبه سلوك بقية الأتباع اللبنانيّين الصغار من كتّاب التقارير. معنى ذلك تأييد التمديد للّحود: إنّها معركة بشّار الأسد الشخصيّة. اللقاء الشهير بين بشّار والحريري ذكّر كثيرين بلقاء حافظ وكمال جنبلاط قبيل مقتل الثاني على حاجز سوريّ في الشوف. الحريري ربّما تذكّر ذاك اللقاء، وربّما ذكّره به حليفه وليد جنبلاط. في الحالات جميعاً، بدا حذِراً ومرتبكاً: معظم نوّاب كتلته صوّتوا مع التمديد، وأقلّيتهم صوّتت ضدّه وضمّت صوتها إلى معارضة البريستول المسيحيّة– الدرزيّة الناشئة. الحكومة استقالت ورئيسها "ودّع" "الوطن الحبيب" الذي سبق لبشّار الأسد أن توعّد "بتحطيمه" على رأس الحريري وجنبلاط إذا لم يؤيّدا التمديد للحّود.
في سياق معركة التمديد صدر قرار مجلس الأمن الرقم 1559 طالباً من جميع القوّات الأجنبيّة الانسحاب من لبنان، وداعياً إلى حلّ الميليشيات التي لم يبق منها إلاّ حزب الله. في 1 تشرين الأوّل (أكتوبر) 2004 جرت محاولة آثمة لاغتيال مروان حمادة، أحد أقطاب وليد جنبلاط والمقرّب من الحريري.
الأخير بدا في مرمى النار. وبالفعل ففي 14 شباط (فبراير) 2005 وبمتفجّرة تزن 1800 كلغ من مادّة الـ تي أن تي، نُفّذت الجريمة الفظيعة التي أودت به وبرفاقه، فيما اصطفّ اللبنانيّون فريقين: واحداً غاضباً وشاجباً وحزيناً، وآخر شامتاً ومبتهجاً.
هل جدّد الحريري الاستقلال؟ هل فداه؟ هل قوّضه؟ شيء واحد مؤكّد هو أنّ الاستقلال أقرب، في تجربتنا، إلى المجاز، وأنّ حيرة الحريري والحيرة به، ثمّ جريمة قتله، زادته مجازيّةً.

نظرة استعادية إلى رفيق الحريري وتجربته - يقطف ثمرة سلام لم يُنجز... فيدفع الثمن الأول للتوريث السوري (1 من 2)

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top