دارا عبدالله...مدونة

11:53:00 ص

قبل حوالي شهر، كُنّا أنا ومحمد العطار Mohammad Al Attar ، نمشي في منطقة كرويزبرغ في برلين، في حوالي منتصف الليل. فأوقفنا شابٌ عشريني سمعنا نتكلَّم بالعربيَّة، وسألنا إن كنا عربًا. أجبناه بـ “نعم” (ولم يكن هنالك وقت، في أن أشرح له الفرق بين العربي وبين الناطق بالعربيَّة، أي الفرق بيني وبين محمد). المهم، قال بأنّه لاجئ سوري هارب من سوريّة، وعائلته في اليونان، وقد قالت له الدولة الألمانيّة بأنّ عائلته ستأتي إلى برلين، وهو أتى من ميونخ إلى برلين كي يرى عائلته، ولكن، تبيّن معه بأن كلام الدولة الألمانيّة غير صحيح، وعائلته لم تصل بعد، وما زالت عالقة في اليونان، وبأنّه مقطوع ماليّاً ويريد السفر إلى ميونخ، وبأنّه أتى عن طريق البحر إلى ألمانيا، وعائلته أيضاً، وهو بحاجة إلى مبلغ مالي كي يشتري تذكرة باص من برلين إلى ميونخ حيث يقيم. الشاب كان يتحدّث بأسى وحزن وألم، ولكن، شعور الريبة لم يفارقنا أنا ومحمد، مع بعض النظرات المشتركة بين بعضنا البعض، لمّا كان يسترسلُ في الكلام. كان الموقف صعباً، فمن المستحيل التحقق، وتبيان كذبه من صدقه. وإن كانت روايته صحيحة، فهو فعلاً في ورطة، وبحاجة للمساعدة. ولكي نريح ضمائرنا، بادر محمد بإخراج مبلغ من المال، وأضفت عليه مبلغاً آخر، وناولته المبلغ المشترك، وأرشدته إلى الطريقة التي سيصل بها إلى محطّة الباصات. بعد أن فارقنا الشاب، قلت لمحمد بأني لم أرتح له، وبأني أشكّ بروايته، وكان يحمل نفس التخوّف. 
المهم، قبل حوالي أربعة أيام، وأنا جالس مع أصدقاء في مقهى تركي قريب من مكان إقامتي، رأيتُ نفس الشاب واققاً في المقهى، وهو يشرحُ نفس القصة لناس آخرين جالسين. حلو حلو. ناديته فورًا، رآني وتذكّرني، وبدأ يرجف، وصعد الدم إلى رأسه، وبدأت شفّته العلوية تتحرّك. قلت له: “تعال قعود جمبي”، لم يستجب، فناديته بجديّة وقلت له تعال. جلس بقربي صاغرًا. قلت له بأنّ حي كرويزبرغ، ومدينة برلين عموماً، مليئة بالمتسولين والعاطلين عن العمل ومدمني المخدّرات، وهؤلاء جميعاً يتسوّلون، وهذا فعلاً خيار شخصي، لا أحد يستطيع أن يجبرك أو يمنعك منه. لكن، أن تختلق قصّة لجوء، وتلعب بمشاعر الآخرين باستغلال أعمق مأساة في القرن الواحد والعشرين، فهذه خسّة ونذالة. إن كنت تريد التسوّل، عليك فقط التحلّي ببعض أخلاق التسوّل، واترك مآسي الآخرين بحالها. ما جرى مع الناس يكفيهم.

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا