الحمل

محمود درويش وحكاية هذه المقابلة /الكمال فـي الشعر مستحيل، لذلك أفكر دائماً بالنقصان

محمود درويش وحكاية هذه المقابلة /الكمال فـي الشعر مستحيل، لذلك أفكر دائماً بالنقصان
مقابلة مع محمود درويش

محمد الحجيري
صورة من خالد المعالي

16-12-2008 | 00:00(جريدة الجريدة)

عندما شاهدت صورة الحاج مدبولي في الصحف بعد رحيله، تذكرت أني رأيته للمرة الأولى في معرض الكتاب العربي في بيروت قبل سنوات، كان يجلس بين كتبه في جناح داره وكأنه استوحى بعضاً من ذاكرة «كشكه» الذي انطلق منه الى عالم النشر.


في ذلك اليوم، كان الحاج مدبولي، الذي لم يرتد المدرسة يوماً، يلبس عباءة مفتوحة الأزرار ويجلس بين كتب كثيرة. هذا العام خلا معرض الكتاب من دار «مكتبة مدبولي» التي قرأت بعض كتبها الشعبية والتي تصطدم بالرقابة، لكني لم أعرف سيرة هذا الرجل العصامي الذي يحتاج الى من يكتب سيرته بعد وفاته، فهو الى حد ما يشبه مقهى «ريش» في قلب القاهرة الذي يؤرخ حضوره تاريخ الحركات الثقافية والسياسة في مصر. بل إن سيرة مدبولي قد تكون مسلسلاً جيداً في خضم موجة المسلسلات عن الشخصيات البارزة في العالم العربي، شخصيات يتهافت المنتجون الى البحث عن اللافت منها والذي يثير فضول الجمهور العريض ويولّد إشكالية واسعة، تماماً كما حصل مع «أسمهان» و»أم كلثوم»، واليوم، وقبل أن يهنأ الشاعر محمود درويش في رحيله، يتهافت البعض لإنتاج عمل تلفزيوني يحكي سيرته، لنأمل ألا يشبه مسلسل «نزار قباني»!

تعبّر سيرة الحاج مدبولي عن مراحل معقّدة في تاريخ الثقافة المصرية، فهو «المثقف» الذي بدأ من الشارع، ومكتبته كانت أحد معالم الثقافة العربية، ويعتبر أحد أكثر الشخصيات تأثيراً في الحركة الثقافية العربية خلال نصف قرن، يفوق دوره ما قدمه بعض المؤسسات الثقافية العربية الكبرى من المحيط إلى الخليج.

تمتع مدبولي بعين ثاقبة مكّنته من اختيار أفضل العناوين لإصدارها من مكتبته، وخاض معاركه الخاصة ضد متشددين، فقدم من خلال مكتبته كتباً مثيرة للجدل، أثارت انتقادات واسعة. حتى أن متشددين هددوه بالاعتداء عليه، لكنه لم يخف واستمر على منواله. لكن جرأته هذه لم تخل من «فصامية» ما، فقد نشر كتب المفكر نصر حامد أبو زيد المنفي في هولندا ووزّعها، فاعتبره المتطرفون ناشراً علمانياً، وفي المقابل أتلف إصدارين للكاتبة المثيرة للجدل نوال السعداوي، لأنه «يخاف من غضب الله»، كما قال. وهذا ما كشف تحولاً مهماً في مسيرته كناشر بنى سمعته كلها على تجارة الكتب الممنوعة والعداء للرقابة.

ظلّت مكتبة مدبولي فترة طويلة منفذ الكتب المحظورة في البلاد الوحيد، فتوزّعت الإصدارات الممنوعة على رفوفها تنتظر قرّاءها. رواية «أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ التي مُنع طبعها في مصر في زمن الناصرية وكانت تطبع في لبنان لدى دار «الآداب»، كانت متوافرة في مكتبته، فضلاً عن كتب الصحافي محمد حسنين هيكل التي مُنعت لفترات في سبعينات وثمانينات القرن الماضي.

من رصيف مكتبته الشهير أطلق مدبولي أشعار أحمد فؤاد نجم الانتقادية التي سُجن بسببها، ووزع معظم الكتب الذي نال من استقرار نظام السادات بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد. ولم يكن، خلال تلك السنوات الساخنة، بعيداً عن عيون أجهزة الأمن التي استغلت رفوف مكتبته كمنصة دائمة لإطلاق الاتهامات بمنع هذه الكتب أو الترويج لتلك. كان مدبولي من أكثر الناشرين تعرضاً للملاحقة القضائية، ووصل عدد القضايا التي اتُّهم فيها إلى نحو 25 قضية نشر، وأدانه القضاء بعد توزيعه رواية «مسافة في عقل رجل» (هو ناشر الرواية ومؤلفها) وحكم عليه بالسجن لثمانية أعوام، لكن الرئيس المصري حسني مبارك تدخّل وأصدر عفواً عنه بعد طلب من المثقفين المصريين.

بورصة الكتاب

تؤرخ سيرة الحاج مدبولي للرقابة المصرية التي يبدو أنها الأكثر صخباً في العالم العربي، خصوصاً مع كثرة التناقضات في المجتمع المصري وتنامي ثقافة كتب الدعاة، فضلاً عن ثقافة الغيب وتحجّب الممثلات وبروز أجنحة التطرّف. هذه الأمور كلها تدل، في شكل من الأشكال، على تنامي الرقابة التي تعادي الثقافة والحرية والفكر.

قيل عن مكتبة مدبولي إنها بورصة الكتاب، وبوصلة القارئ أو الباحث، وأشار بعض الصحف العربية الى أن مدبولي «وزير ثقافة العرب»، أمّا أحد الحكام فذكر: «تعلّمنا في مكتبة مدبولي مثل ما تعلمنا في جامعة القاهرة، وأحياناً كنّا نستعير الكتاب أو الرواية بل ونقترض بعض المال من مدبولي حتى تصلنا التحويلات من أهلنا».

كتبت الاستخبارات المركزية الأميركية الـC.I.A تقريراً عن مدبولي، وعن كشكه الصغير في بدايته فقالت: «أصبح هذا الكشك ظاهرة ثقافية رائعة للمصريين والعرب على السواء، وكما كانت الثورة خيراً على مصر، كانت فاتحة الرزق على مدبولي في بناء «دار مدبولي للنشر»، التي طرح من خلالها مختلف أنواع الكتب من أدب وفن وثقافة وعلوم وفنون وسياسة واقتصاد، حتى بات الناس يرددون إسم مدبولي أكثر من أسماء الزعماء».

كأن تقرير الاستخبارات يرشد الإدارة الاميركية الى وسائل «التغيير» في العالم العربي. يشار في هذا المجال الى أن الاستخبارات الأميركية لجأت كثيراً الى دعم بعض المؤسسات الثقافة العربية بزعم ترويج الديمقراطية، خصوصاً في لبنان، وكان من «ضحايا» المال الثقافي الشاعر الفلسطيني توفيق صايغ.

الناصري

اللافت أن مدبولي الذي اعتبر نفسه «ناصرياً» هو من نشر الكتاب الذي وجّه أشد الانتقادات للتجربة الناصرية، وهو كتاب «تحطيم الآلهة» للمؤرخ الراحل عبد العظيم رمضان. وعلى رغم أنه اعتبر لاحقاً نشر هذا الكتاب «غلطة عمر»، لم يمتنع عن توزيع معظم الكتب التي نالت من الناصرية «حفاظاً على حق القارئ في المعرفة»، كما كان يقول، وللحفاظ أيضاً على أرباح طائلة حققها من وراء الكتب التي قام مؤلفوها بهجاء عبد الناصر بعد هزيمة 1967. وكان أحد أبرز هذه الكتب قصيدة نزار قباني الشهيرة «هوامش على دفتر النكسة» التي صدر قرار بمنعها، لكن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر اتخذ قراراً يتيح لمدبولي توزيعها.

على رغم أن الراحل كانت له علاقات واسعة بالمثقفين العرب والمسؤولين، إلا أن علاقته بالرئيس المصري الراحل أنور السادات لم تكن ودّية، ففي سبعينات القرن الماضي أصدر الأخير أوامر بإزالة كشك «مدبولي» لأنه يتيح الفرصة للكتّاب للتعبير عن رأيهم المعارض. وهنا تبرز إشكالية الرقابة في العالم العربي، فالسلطة التي تخشى نكتة أو طرفة تخاف من «كشك الثقافة»... أي صمود لسلطة تخاف من الثقافة، وأي مستقبل لبلاد تُمنع فيها الثقافة أو تدجن؟!

مسرح العبث

ولد مدبولي في الجيزة (جنوب غربي القاهرة) عام 1938. بدأ رحلته المهنية في السادسة كبائع صحف متجوّل، بصحبة والده وشقيقه أحمد الذي شاركه سنوات تألّقه في عالم نشر الكتب حتى بنى لنفسه حياة أقرب الى الأسطورة. تعلّم الأبجدية العربية عن طريق كتاب لتعليم الأطفال، ثم تعلّم مفردات من لغات أجنبية عدة بفضل التواصل مع رواد مكتبته من الأجانب.

في ستينات القرن الماضي بدأ مدبولي خطواته الأولى في النشر، بعد أن نقل «كشكه» لبيع الصحف الى ميدان طلعت حرب، وسط القاهرة حيث تجتمع النخبة الثقافية الجديدة في المقاهي.

شكّلت هذه النخبة نواة جيل الستينات الأدبي الأولى، وهو الجيل الذي أظهر شغفاً بكتب الماركسية والفلسفة الوجودية ومسرح العبث، والتي كانت الأكثر مبيعاً في تلك الفترة. ما دفع مدبولي الى تكليف أحد زبائنه، وهو الدكتور عبد المنعم الحنفي، لتأليف كتاب عن «مسرح العبث»، كان أول كتاب في مسيرة الراحل كناشر.

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top