الحمل

فواز طرابلسي عن سمير قصير

فواز طرابلسي عن سمير قصير
عن سمير قصير


*نُشرتْ هذه المقالة في الثالث من أكتوبر، 2015، على موقع Griot. وهي للكاتب الإيطالي ريكاردو جازانيجا. ونقلتها إلى الإنجليزية أليكسا كومز ديفنباخ. وهذه النسخة من الترجمة على موقع قصة الفكر.
ترجمة: عمر فارس

أحيانًا، الصور تخدع. خذ هذه كمثال. إنها تُظهِر الإيماءات الثورية لجون كارلوس وتومي سميث يومَ حَصَلا على ميداليتي سباق المئتي متر في أولمبياد صيف 1968 في مكسيكو – سيتي. ولقد خدعتْني، بالتأكيد، لمدة طويلة.
لطالما اعتبرتُها كصورة قويّة لرجلين أسودين حافيين، رؤوسهم مطأطئة، وأكفّهم المُقفّزة مرفوعة في الهواء أثناء تشغيل النشيد الوطني الأمريكي “راية النجم الساطع”. كان تعبيرًا رمزيًّا قويًّا؛ الوقوفُ في صف الحقوق المدنية للأفارقة الأمريكيين في عام من التراجيديات التي تضمّنتْ مقتل مارتن لوثر كينج وبوبي كينيدي.
إنها صورة تاريخية لرجلين ملوّنين. لهذا السبب، لم ألقِ بالاً أبدًا للرجل الآخر: أبيض، كحالتي، واقف بلا حراك على الدرجة الثانية لمنصّة الميداليات. اعتبرتهُ حضورًا عشوائيًّا، زائدًا في لحظة كارلوس وسميث، أو نوعًا ما كمتطفّل. حتى أنني، في الحقيقة، ظننت أن الرجل – الذي بدا كمتباسِمٍ إنجليزي فقط – مثّلَ، من خلال هذا الجمود الجليديّ، الرغبة لمقاومة التغيير الذي يستحضره كل من سميث وكارلوس عن طريق احتجاجهم الصامت. لكنني كنت مخطئًا.
الشكر لمقالة قديمة كتبها جياني مورا. اليوم اكتشفت الحقيقة: إن الرجل الأبيض في الصورة، ربما، أكبر بطلٍ لتلك الليلة في 1968. كان اسمه بيتر نورمان، وكان أستراليًّا وصل إلى نهائي المئتي متر بعد ركضه  20,20 ثانية رائعات في قبل النهائي. الأمريكيّان تومي “ذا جِتْ” سميث وجون كارلوس فقط، أدّيا أفضل منه؛ 20,14 و20,122 ثانية لكل منهما على التوالي.
بدا أن النصر سيكون حليف أحد الأمريكيين. نورمان كان عدّاءً مغمورًا، ظهر كأنه خاض بضع جولات جيّدة فقط. قال جون كارلوس، بعد عدة سنين، أنه سُئل عما حدث للفتى الأبيض الصغير، الواقف بطول 5,6 قدم، والراكض بسرعة تقارب سرعته هو وسميث، والاثنان بطول6,2 قدم.
حان وقت النهائيّات، وركض الحصان الأسود، بيتر نورمان، سباقًا من العمر؛ محسّنًا رقمه مرة أخرى. لقد أنهى السباق في 20,06 ثانية، أفضلِ أداء له على الإطلاق. رقمٌ قياسي أسترالي ما زال صامدًا إلى اليوم، بعد مرور 47 عام. لكنّ ذلك الرقم لم يكن كافيًا، لأن تومي سميث كان “النفّاث، The jet” بحقّ. وردّ على رقم نورمان لأسترالي برقم قياسي عالمي. باختصار، لقد كان سباقًا عظيمًا.


لكنّ ذلك السباق لن يبقى في الذاكرة مثلما بقي ما تبعه في حفل التتويج.
لم تتطلب وقتًا طويلاً بعد السباق معرفةُ أن أمرًا كبيرًا، لم يسبق له مثيل، كان على وشك الحدوث فوق منصة الميداليات. قرّر سميث وكارلوس أنهما يريدان أن يُريا العالم أجمع شكلَ قتالهم من أجل حقوق الإنسان، ونشر الأمر بين الرياضيّين.
كان نورمان رجلاً أبيض من أستراليا، بلدٌ يمتلك قوانينَ فصلِ عنصريّ صارمة، شبيهة بصرامة قوانين جنوب إفريقيا. لقد كان هناك توتّرًا واحتجاجات في شوارع أستراليا عقبَ فرض قيود ثقيلة على المهاجرين غير البيض وقوانينَ مُمَيِّزةٍ ضد السكان الأصليّين، والتي تضمّنت إحداها عمليّات إلحاق وتبنّياتٍ قسريّةٍ لأطفال أصليّين إلى عائلات بيضاء.
سأل الأمريكيّان نورمان إن كان يؤمن بحقوق الإنسان. وصرّح نورمان بالإيجاب. سألاه إن كان يؤمن بالإله. وأجاب، هو الذي كان في جيش الخلاص، أنه يؤمن بالإله بشدة. يتذكّر جون كارلوس ويقول: “كنا نعرف أن ما ننتوي فعله أكبر من أي قدرةٍ بطولية لدى أي رياضيّ، لكنّ نورمان قال "أنه سيقف معنا”. توقعتُ أن أرى خوفًا في عينيه، لكنني بدلاً من ذلك رأيت حُبًّا".
قرّر سميث وكارلوس أن يصعدا إلى الإستاد يرتديان شارة المشروع الأوليمبيّ لحقوق الإنسان. وهو حراك من الرياضيّين لدعم المعركة من أجل المساواة. كانا يريدان تسلّمَ ميداليّاتهم حفاةً، كتعبير عن الفقر الذي يواجهه البشر الملوّنون. وكانا يريدان ارتداء القفّازات السوداء المشهورة، كرمزٍ لقضية الفهود السوداء. لكن قبل الصعود للمنصة أدركا أنهما يمتلكان زوجًا واحدًا من تلك القفّازات. “فليأخذ كلٌّ منكما واحدة”. اقترحَ نورمان. وأخذ سميث وكارلوس بنصيحته.

لكنّ نورمان فعل أمرًا مختلفًا بعد ذلك. “أؤمن بما تؤمنون. هل تمتلكون واحدة أخرى من هذه؟”. سألَ مُشيرًا لشارة المشروع الأوليمبي لحقوق الإنسان على صدور الآخرين. “بهذه الطريقة أستطيع إظهار مساندتي لقضيّتكم”. اعترف سميث بكونه اندهش، ويتأمّل: “من هذا الفتى الأبيض الأستراليّ؟ لقد ظفر بميداليته الفضية، ألا يمكنه أن يأخذها وكفى؟!”
ردّ سميث بأنه لا يمتلك واحدة إضافية، كما أنه لن يتخلى عن شارته. صدفَ أن يكون هنالك مجدّف أمريكي أبيض معهم. بول هوفمان، ناشط مع المشروع الأوليمبي لحقوق الإنسان. بعد سماعه كل شيء فكّر: “إن سألني أسترالي أبيض شارةً للمشروع الأوليمبي لحقوق الإنسان، إذًا بحقّ الإله سوف يحصل على واحدة!”. لم يتردّد هوفمان. “أعطيتُهُ الشارة الوحيدة التي أمتلكها: خاصتي”.
خرج ثلاثتهم إلى الملعب، وصعدوا إلى المنصة. أما الباقي فهو تاريخ محفوظ في سلطة الصورة. يروي نورمان: “لم أستطع رؤية ما يحدث. لكنني عرفت أنهم نجحوا بخطّتهم عندما أنشدَ صوتٌ من الجَمْع النشيد الوطني الأمريكي ثم اندثر إلى لا شيء. ساد الصمت في الإستاد.”


تعهّد رئيس البعثة الأمريكية للأوليمبياد بأن هؤلاء الرياضيين سوف يدفعون ثمن إيماءتهم هذه طيلة حياتهم، إيماءة ظن أن لا دخل لها بالرياضة. استُبعدَ سميث وكارلوس فورًا من الفريق الأوليمبي الأمريكي وأُبعدا من القرية الأوليمبية. بينما تم اتهام المجدّف هوفمان بالتآمر.
حالما عادا للوطن، واجه أسرع رجلين في العالم تداعيات خطرة وتهديدات بالموت.

لكنّ الزمن، في النهاية، أثبت أنهما كانا على حق. وأصبحا أبطالاً في المعركة من أجل حقوق الإنسان. وبعد أن تم إصلاح صورتهما أمام المجتمع، تعاونا مع الفريق الأمريكي للرياضيّين. وأُقيم نصب تذكاريّ لهما في جامعة ولاية سان خوسيه. بيتر نورمان كان غائبًا عن هذا النصب. وبدا غيابه عن درجة المنصة كعبارة منقوشة عليه، عن بطل لم يلاحظه أحد قط. رياضي منسي، ملغي من التاريخ، حتى في أستراليا. بلده.


بعد أربع سنوات، في أولمبياد صيف 1972 في ميونخ، لم يكن نورمان جزءًا من فريق العدّائين الأستراليين المُرسَل. بالرغم من أنه أنهى سباقات في أوقات مؤهِّلةٍ للمئتي متر ثلاثين مرة، وللمئة متر خمس مرات.
ترك نورمان المنافسة الرياضية بعد خيبة الأمل هذه، وأكمل الركض على مستوى الهواة.
في أستراليا المقاوِمة للتغير، والتي تم تبييضها (whitewashed)، عومِل كمتطفّل، وكمنبوذ من قِبل عائلته، وكشخص من المستحيل أن يجد عملاً. عمل لفترة كمدرب في صالة ألعاب رياضية، مكملاً طريق العناء ضد اللامساواة كنقابيّ. وعمل أحيانًا في ملحمة.
إصابةٌ حدثتْ لنورمان وصلتْ به للغرغرينا وسببتْ له مشاكل مع الكآبة والإدمان على الكحول.
كما قال جون كارلوس: "إذا كنا نُهزم حينها، فإن بيتر كان يواجه بلدًا بحاله ويعاني وحيدًا”. لسنوات، امتلك نورمان فرصة وحيدة لإنقاذ نفسه: دُعي لأن يُدين إيماءة زملائه الرياضيين، جون كارلوس وتومي سميث، كمقابل لعفوٍ من النظام الذي نبذه.
عذر كان من الممكن أن يخوّله ليجد عملاً مستقرًّا من خلال الجمعية الأسترالية الأوليمبية، وأن يكون جزءا من هيئة تنظيم أولمبياد 2000 في سيدني. لم يستسلم نورمان أبدًا، ولم يُدِنْ خيار الأمريكيَّين.  
لقد كان أعظم عداء أسترالي في التاريخ، وحاملَ الرقم القياسي لسباق المئتي متر. مع كل هذا، لم يُدعَ حتى إلى الألعاب الأوليمبية في سيدني. أما من دعته للانضمام لمجموعتها، فقد كانت الجمعية الأمريكية الأوليمبية. حالما سمعوا هناك عن الأخبار تلك. ودعوه أيضًا لحفلة عيد ميلاد البطل الأوليمبي مايكل جونسون، والذي كان بيتر نورمان بالنسبة له قدوة وبطلاً.
توفي نورمان فجأة إثر نوبة قلبية في 2006، دون أي اعتذار من بلده على ما فعلوه له. في جنازته، كان تومي سميث وجون كارلوس، أصدقاءُ نورمان منذ تلك اللحظة في 1968، حاملا نعشه. وأرسلاه للقبر كبطل.


يقول جون كارلوس: “كان بيتر محاربًا وحيدًا. لقد اختار عن وعي أن يكون كبش فداء باسم حقوق الإنسان. لا يوجد شخص أحق منه بالتكريم والتقدير والاعتراف به في أستراليا”.
ويوضّح تومي سميث: “لقد دفع الثمن بإرادته. لم تكن مجرّد إيماءة لمساندتنا، لقد كانت حربه هو. لقد كان رجلاً أبيض، أسترالي أبيض بين رجلين ملوّنين، وقفوا جميعًا في لحظة النصر، باسم الشيء نفسه”.
أخيرًا في 2012، قرّر البرلمان الأسترالي قبول مذكّرة اقتراح تدعو للاعتذار الرسمي لبيتر نورمان وإعادة إدخاله للتاريخ بهذه العبارات:
إن هذا المجلس “يعترف بالإنجازات الرياضية الفارقة للراحل بيتر نورمان، الذي ظفر بالميدالية الفضية لسباق المئتي متر عَدْو في أولمبياد مكسيكو - سيتي 1968، في زمن قدره 20,06، والذي ما يزال الرقم القياسي الأسترالي”.
“ويقرّ بشجاعة بيتر نورمان من خلال ارتدائه شارةً للمشروع الأولمبي لحقوق الإنسان على المنصة، متضامنًا مع الرياضيَّين الأفريقيَّين - الأمريكيَّين تومي سميث وجون كارلوس، اللذان أدّيا تحيّة (القوة السوداء)”.
“ويعتذر لبيتر نورمان عن الفعل الخاطئ الذي قامتْ به أستراليا بفشلها في إرساله للمشاركة في أولمبياد ميونخ 1972، دون الالتفات لتأهّله المتكرّر؛ بالإضافة إلى أنه يعترف متأخرًا بالدور العظيم الذي قام به بيتر نورمان في تعزيز المساواة بين الأعراق”.
مع ذلك، ربما، الكلمات التي تذكّرنا جيّدًا ببيتر نورمان هي، ببساطة، كلماته نفسه في وصف أسباب إيماءته، وذلك في فيلم “تحية، Salute”. كتابة وإخراج وإنتاج ابن أخته Matt.
“لم أستطع رؤية السبب وراء عدم مقدرة رجل أسود شرب نفس الماء من نافورة، وركوب نفس الباص، أو الذهاب لنفس المدرسة مثل الرجل الأبيض.
لقد كان هناك ظلمًا اجتماعيًّا لم أستطع فعل أي شيء لمجابهته من موقعي. لكنني كرهته بالتأكيد.
قيل أن مشاركتي لميداليتي الفضية مع ذلك الحدث على منصة النصر انتقص من إنجازاتي. على النقيض، عليّ أن أعترف، كنت أكثر من فخور لكوني جزءا منه”.


في حين أن اليوم يبدو القتال من أجل حقوق الإنسان والمساواة لا نهائيًّا، وأرواح بريئة ما زالت تؤخَذ، علينا أن نتذكر البشر الذين  قاموا بتضحيات حياتيّة، مثل بيتر نورمان، وأن نحاول محاكاة نموذجهم. إن المساواة والعدالة ليست قتالاً يقع على عاتق جماعة واحدة. إنه على عاتق الجميع.
إذًا، في أكتوبر هذا، عندما أكون في سان خوسيه، سأزور نصب القوة السوداء الأولمبية في حَرَم جامعة سان خوسيه، وستذكّرني درجة المنصة الخالية تلك ببطل منسيّ، لكنه حقًّا شجاع. بيتر نورمان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

*ملاحظة(1): وجدتُ أن من الأمانة أن أشير إلى أن تناول أي موضوع حركّي، مثل المطالبة بحقوق الإنسان، على صعيد شخصي (غير تحليلي، وإنما مجرد سرد)، لا يخلو من تحيّز وتكبير لدورٍ ما على حساب آخر دون وجه حق. وطيلة عملية الترجمة كنت أشعر بذلك، إذ أن ما فعله بيتر نورمان – على قوّته وتأثيره – لا يضاهي شيئًا من التضحيات التي قدّمها أناس آخرون، سود تحديدًا، دفعوا دماءهم ثمنًا لتلك القضية. إنني هنا أستخدم نفس المنطق الذي يزاود ويقارن، حيث يبدو أن لا مهرب من ذلك عند شخصنة الحديث عن أي حركة جماعية. ربما يكون هذا الشعور بالتحيّز سببه سوء فهم مني، لكنني أحببت أن أضيف هذا التعليق. [المترجم].
*ملاحظة(2): تكرّر في التعليقات على موقع Griot، إحالة إلى خطأ وقع فيه الكاتب حين أشار إلى الدرجة الخالية من وجود بيتر نورمان، في النصب التذكاري الموجود في حرم جامعة سان خوسيه. حيث في حوارلجون كارلوس، صرّح أن بيتر نورمان كان يعلم  بأمر النصب، ولم يرد أن يكون جزءا منه لأنه رأى أن ما فعله لا يوازي شيئًا أمام ما قدّمه جون كارلوس وتومي سميث. وأراد أن يسخّر من خلال هذا الفراغ، مكانًا يشعر فيه الزائر للنصب حين يقف فيه، أنه بجانب البطلين. ويخوّله ذلك من معرفة شعور بيتر نورمان حينها. [المترجم].

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top