قصائد تتكلم عن سقوط آدم من الجنة وعن الخطيئة الأولى

11:09:00 ص

ابراهيم حسو(العرب)

  • تحفل الذاكرة بالعديد من الشخصيات التي كان لها تأثير كبير على مسيرة الثقافة في العالم، والمؤلفات تركت لنا بصمات واضحة لأسماء كتّاب وشعراء رحلوا، لكنهم مازالوا يعيشون فينا، نتنفس إبداعاتهم ونقرأ أعمالهم ونتلهف لمعرفة أسرارهم التي كشفتها العديد من الترجمات العربية، وقد ظلت هذه الأسرار لسنوات متروكة ومهجورة. والحقيقة أن الفضل يعود بالأساس إلى كثير من المترجمين العرب الذين آثروا نقل حياة المشاهير من الأدباء والفنانين ممن ساهموا، وبدرجة كبيرة، في إغناء الساحة الإبداعية واستطاعوا أن يرسموا صورة جميلة عن هذا العالم المتغيّر وأن يُدخلوا في قلوب الناس معنى السعادة وفهم الوجود.

 

يتعرض المترجم السوري صالح الرزوق في ترجمته لكتاب “صديقي العزيز كافكا”، الصادر عن دار نينوى للنشر (2016)، للشاعر الأميركي فيليب تيرمان إلى تجربة جديدة، مختلفة عن ترجماته السابقة وخاصة تلك التي تتناول تجارب شعرية ضخمة وعظيمة كبعض الأعمال لشعراء في أوروبا وأميركا الجنوبية وتجربته الجديدة هذه خارجة عن حدود التقليد المتعارف عليه، خاصة تلك الترجمات التي تقدّم ثقافات مختلفة على نحو واسع كترجمات لكافكا الرمزية الساخرة والساحرة التي جذبت الكثير من القراء على مدار نصف قرن.
أسرار كافكا
المعروف عن المترجم صالح الرزوق تذوقه الفني العالي والنخبوي، فهو دائما يبحث عن نصوص وكتابات استثنائية خالدة، تحمل مواضيع وأفكارا طازجة وصدامية، يبحث عن الروحانيات والحساسيات الخاصة جدا بالنسبة للغة وما ورائيتها، يشير إلى منبع الصوت والصدى في النص الشعري ومقارنته ذهنيا عبر التخابر التخييلي والتذاكر وإعمال اللاوعي واللحظات الحميمية التي تعيده إلى الماضي، الماضي الذي يظل مستمرا وشاغلا للمساحة المجازية كلها بطريقة إيقاعية خفيفة وسلسة فهو يحتفل بالطبيعة مثلما يحتفل بموضع الإنسان منها. إنه يرسم بالكلمات مناظر طبيعية تشكل خلفية اللوحة وفي الصدارة تجد الإنسان البسيط الحائر الذي يبحث عن طريقة للتفاهم مع نفسه، وكلاهما ينظر بعين الرهبة والاحترام للخط الفاصل بين الحياة والموت، أو للشيخوخة.
احتوى الكتاب على مقدمتين مطولتين واحدة تحمل هوامش فيليب عن كافكا ومبادرة المترجم في ترجمة كتبه وخاصة هذا الكتاب الذي بين أيدينا، والثانية لمحة عن حياة كافكا الاضطرابية والمعلومات الخفية وخاصة يهوديته وحالته الروحية القلقة وحقيقة شخصيته الضعيفة وقابليتها للانكسار في عالم مريض ومزيف كتعبير صارخ عن حالة التدين الهشة التي كانت إحدى نقاط انكساره، ومن يرجع إلى كتابات كافكا وعلاقته بالنازية أو محرقة النازية واللحظات العصيبة التي عاشتها والانفعالات الرهابية مع من حوله ومحيطه المعيشي مع الأصدقاء والعائلة والمرأة والكتابة والمعاناة الإنسانية اليومية مع العالم، إن نصوص فيليب تتكلم عن سقوط آدم من الجنة وبالتالي الخطيئة الأولى في التاريخ.
تيرمان يرجـع إلى كتـابات كافكا وعلاقته بمحرقة النازية والـلحـظـات العصيبـة التـي عاشتها والانفعالات الرهابية
يقول تيرمان في قصيدة “صديقي العزيز كافكا”: حيث ليس من الممكن أن تتوارى/ مثل حشرة غير متمايزة لتحمي/ الكتابة من كل المنغصات، لو أن حفرة القبر/ كبيرة بما فيه الكفاية لتحمي إطارك الرقيق/ ومعك منضدة تضع الجنون في خليجه/ مثل التي أكتب عليها الآن، سنديانة كبيرة بالعمر/ في مقصورة هي على الطرف الآخر من حقل القش/ وأمامها بركة ماء حيث يمكن لي أن أشاهد مالك الحزين.
في النصوص الطويلة التي حملت أغلب الصفحات ينتقل فيليب تيرمان من الكلمة والأفكار إلى الصورة أو الأصح إلى الرسم بطريقة فوتوغرافية يراها بعين قلبه وليس ببصره فقط. وعلى هذا الأساس أعاد تفسير معنى أشياء كثيرة مختلف عليها منها التوراة ورجال الدين والخطيئة -أو ما لا يجوز وما يجوز- وشخصيات لها وضع استثنائي في الوجود أمثال كافكا وغيره من رموز وشخصيات إبداعية مؤثرة في المساحة الكتابية.
شاعر حركات وصور
إن فيليب تيرمان شاعر حركات وصور. وغالبا ما تكون صوره حركية. إن لم تكن الشخصيات والمشاهد تتحرك فعلا فهي ذات مدلول أو بعد نفسي. إن قصائده لا تعاني من الركود ولا عقدة التثبيت. فدائما يحاول أن يتغلب على ما يسمى بخطوط العزل. وهي كل السدود والموانع المفروضة على بداهة الإنسان ورغباته. ولذلك ليس لديه تراكم شعري وإنما نموّ وتطور يحوّل أبيات الشعر إلى قصيدة متماسكة عضويا.
تبدو أهمية هذه الترجمة لشاعر أميركي مثل تيرمان كنوع من الإحاطة العلمية للأدب الأميركي بشكل خاص والأدب العالمي بشكل عام. فهذا الشاعر حينما تناول قبل حياة كافكا قد أخذ الكثير من شعراء أميركا وإنكلترا كوايتمان وليام كارلوس ويليامز وتعرض لحياة المشاهير مثل شكسبير وفولتير، وتعمق في حياتهم وكانت له إضاءات كثيرة على تحليل شخصيات كانت تؤثر على مسيرة ثقافة كبيرة كالثقافة الأفرو- أميركية.

فيليب تيرمان يبحث عن كافكا في ظلال القصيدة

وبالرجوع إلى كتاباته وترجماته سيُعثر على هذا الجهد العظيم الذي كان يبذله طيلة سنوات التصاقه بهذه الثقافات العالمية، لقد عانى فيليب الكثير من المعوقات في مسألة الاغتراب الأدبي والشك وحتى الغموض من المستقبل أو كما كان يقول “الماضي المفقود”، لقد كان أقرب إلى اليأس منه إلى الأمل. إن علاقة فيليب تيرمان مع كافكا مركبة. فهو يقوم بتدريس أدب كافكا في جامعة كلاريون الأميركية.
ويتشابه معه في بعض التفاصيل. فهو إنسان صغير يشعر بوطأة الحياة الطاحنة ويخاف من المفاجآت التي تطارده في كل الأوقات. ومثله لا يعرف شكل عدوّه “بمقدورك أن تذوب حتى تصبح الجلد والعظم، وتصبح القش الحبيس في القفص/ وبمقدورك أن تختفي في غموضك/ زارو، شيليستين، ميران، كوليمتري/ أنت تجرب مصحة بعد مصحة/ ولكنْ دائما للصوت شكل ملموس حتى في الفراغ/ لو أنك تؤلف كوخا فقط مثل ماهلير، بعيدا/ في أعماق الغابة، قبيل الفجر، وبعد الاستحمام للتوصل إلى الطهارة”.
في المقدمة الثانية قبل الهوامش يخلص المترجم صالح الرزوق إلى إيضاح بعض ما جاء في نصوص تيرمان عبر الدخول في حياته الخاصة جدا ويتوغل أكثر في ما اعتنقه من معتقدات، ويقول إن تيرمان لم يوفر فرصة إلا واستغلها لإنجاب ظاهرة صوتية لها علاقة باليهود. لقد كانت يهوديته بالاسم والصورة. كما أن تيرمان كان ملما بالتراتيل، التجويد والترنم في الإسلام حتى أن معظم قصائده تنتمي للعائلة وتدخل في عداد شعر الأسرة.
يبقى أن نقول إن تيرمان في هذا الكتاب هو صوت عاطفي واغترابي. وهو يمثل جيلا من ذوي الاحتياجات الخاصة (من يعيش كأقلية في بلد تعاني فيه الأقليات)، وفي كلمة شكر من الشاعر إلى المترجم صالح الرزوق كتب “يبدو من المستغرب أن تترجم للعربية أعمال شاعر أميركي يهودي وبمجهود سوري مسلم ولكنني دائما أحببت مقولة شجاعة وجرأة لبيرمي شيللي شاعر إنكليزي من القرن التاسع عشر يقول فيها “الشعراء هم الصانعون المجهولون للعالم، نعم لو سمع العالم لمزيد من الشعر سوف نقترب أكثر من الروح البشرية التي يتخيلها الشاعر”.

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا