الحمل

فواز طرابلسي عن سمير قصير

فواز طرابلسي عن سمير قصير
عن سمير قصير





حين كتب أبو حامد الغزالي (1058-1111م) كتابه «تهافت الفلاسفة» لم تكن الفلسفة الأخلاقية حينها قد ظهرت وتحلّت بإهابها التحليلي الرصين، بل كانت أسيرة للمحاولات الأولى المهمومة بتعريفات الخير والشر والسلم والحرب، ثم سرعان ما كشفت القرون التالية عن حيازة الأخلاق مساحة بالغة الأهمية من الخريطة الفلسفية العامة، بما فيها من جدليات وتنظيرات ساعية لبناء مجتمع مثالي متكامل. كانت النتيجة بناء إطار نظري أخلاقي لتحقيق العدالة والمساواة، ورفع معدل الانضباط والمسؤولية، وتقليل الأضرار الناجمة عن التصرفات الإنسانية، فرديةً كانت أو مجتمعية؛ فنجحت تلك الطروحات من الوجهة النظرية، في حين فشلت عن تحقيق مستويات أخلاقية عالية من الوجهة التطبيقية، والمؤسف أنْ كان مؤشر التدني محسوبًا على أقطاب الفلسفة الغربية أنفسهم.

فعلى رغم أن الفلاسفة قدّموا أنفسهم نماذج متصالحة مع ذواتهم وصالحة لمجتمعاتهم، كان منهم نماذج شاذة خرقت المواثيق والأعراف الوظيفية، وساهمت في الاعتلال المهني والانحلال القيمي بممارسة ما هو غير متوقع، وما هو غير معهود، فدفعتهم نزواتهم الجنسية إلى هتك العلاقة المقدسة، والعروة الوثقى بين المعلم والطالب، والطبيب والمريض، والمربي والابن. من هنا نسبر أغوار الحياة الجنسية الصاخبة التي عاشها رموز ساطعة من أوروبا، ونضيء تلك العتمات بالكشف الروائي الاستعراضي، بدايةً بحياة روسو المضطربة، ومرورًا بصراعات فرويد ويونغ، وصولًا لمغامرات سارتر ودي بوفوار، وانتهاءً بنماذج معاصرة لا تزال تمضي تائهة في هذا المسلك الوعر.

كشف الكاتبان نايغل رودجرز وميل ثومبسون في كتابهما «جنون الفلاسفة، 2004» منظومة التناقضات التي مر بها الفيلسوف السويسري جان جاك روسو (1712-1778)، إذ عاش حياةً مبتذلة يحفّها العهر والرذيلة، وخيالات الاستمناء الصاخبة. لقد ثبت من خلال استعراض تجارب روسو أنه عانى في حياته المازوشية، وهو اضطراب نفسي يتلذذ فيه الفرد بتعذيب ذاته والإحساس بالاضطهاد عامةً؛ إذ كان يثني على ذكريات تلقيه العقاب والضرب في صغره من آنسة تدعى لامبرسير، معترفًا في كتابه «اعترافات، 1782» بأنها ساهمت في صياغة ذوقه الجنسي طويلًا «حتى بعد وصولي سن الزواج، كنت أجد لذة رائعة في الجلوس تحت قدمي حبيبتي المتعجرفة، مطيعًا أوامرها، طالبًا الغفران منها».

في عام 1742، كان عالم السياسة والاجتماع روسو مشغولًا بالخوض في علاقات محرمة مع عدد من بائعات الهوى، كان يزوده بهن السفير الفرنسي السكّير الذي عمل معه سكرتيرًا إبان إقامته في فينيسيا بإيطاليا. وبعدها بثلاث سنوات، انتقل إلى باريس لينزل في أحد الفنادق، ويلتقي شابة بشعة تدعى تيريز لوفاسير (1721-1801م) كانت تعمل مُغسّلة في الفندق نفسه، وكان يتلذذ بإقامة علاقات معها من دون حدود، مناشدًا بذلك حالته المازوشية؛ إذ كانت بشاعتها تخفف من شعوره العميق بالدونية الاجتماعية، وكان يرى في ذلك مصدرًا يسد حاجته للشعور بالتفوق والامتياز. دامت علاقة روسو مع تيريز طويلًا حتى أنجب منها خمسة أطفال في زيجة غير قانونية، وأصر على التخلي عنهم جميعًا حتى مات معظمهم، قائلًا: «نتج عن تلك اللقاءات الغرامية خمسة أطفال، تم وضعهم جميعًا في مستشفى اللقطاء دون أن أفكر بهم لاحقًا، إذ لم أحتفظ حتى بسجلات تواريخ ميلادهم… أنا متأكد من أن هؤلاء الأطفال كانوا سيكبرون على كراهية والديهما، وربما خيانتهما».

لم يكن هذا التصرف الغريب من روسو في زيجته غير القانونية ليمنعه من كتابة «رسائل في الأخلاق، 1757م»، والذي وعظ من خلالها بأهمية الإخلاص بين الزوجين، وتكليل الحب بالزواج، كما لم يثنه تخليه عن أبنائه عن كتابة روايته التربوية «إميل، 1762»، وإرشاد قرائه إلى الطريقة السليمة لتربية الأطفال، فقد كان يحكي قصة الفتى إميل الذي ترعرع في الريف، وانعزل عن المدينة، وتلقى تعليمه بعيدًا من فساد المجتمع كأفضل الطرائق التربوية، مؤكدًا على نظريته بأن طبيعة الإنسان خيّرة، ولا تفسد إلا بالحضارة.
يمكن القول: إن هذه الأطروحة التربوية الموازية لبراءته الفعلية عن أبنائه (حتى مماتهم) تمثل نقضًا صارخًا في حياة هذا الفيلسوف الشهير الذي عجز عن الخروج من مرحلة التعليق والتنظير دخولًا في مرحلة التطبيق والتنفيذ؛ غير أن من يسبر حياة روسو يُدرك محفزات هذه التناقضات الشخصية التي كان يصارعها طيلة حياته، إذ كان يعيش وحده دون إخوة أو علاقات أو أصدقاء أو مجتمع، كما كان يؤكد في كتابه الرائد «اعترافات» الذي نُشر بعد وفاته عام 1782، وأكد فيه «أن كشف كل شيء، يغفر كل شيء». فقد عاش يتيمًا منبوذًا في وقتٍ مبكر، بعد أن توفيت والدته بعد ولادته مباشرة، لتتولى عمته رعايته، كما تخلى عنه والده الماجن وهو في العاشرة من عمره، ليتولى عمه العناية به نيابةً عنه؛ وقد تكون هذه اللحظات القاسية من حياة روسو هي ما ملأ حياته الطويلة بالتناقضات.

لم تكن هذه التجاوزات في العموم لتقلل من مكانته الفلسفية، ومن أن يلقى اهتمام الجماهير برسائله في السياسة والاجتماع، فقد نُقل جثمانه بعد موته وحيدًا مجهولًا في جزيرة إيل دي بوبليه بعد 16 سنة من وفاته ليُعاد دفنه في احتفالية جماهيرية حاشدة، وبطقوس رسمية فاخرة في مقبرة البانثيون (مقبرة عظماء فرنسا)، إلى جانب فولتير وفيكتور هوغو وفلاسفة آخرين.

على أعتاب الحرب العالمية الأولى، كانت المدينتان زيورخ وفيينّا قطبين نشطين جاذبين للإشكالات النفسية الجنسية بين عالمين من أبرز علماء النفس في العالم: النمساوي سيغموند فرويد (1856-1939)، والسويسري كارل يونغ (1875-1961)، إذ كانت بداية الصراع الأكاديمي والشخصي بينهما على فتاة روسية تدعى سابينا سبيلرين (1885-1949)؛ وقد كشف عن أستار هذا الصراع المؤلف الأميركي جون كير (1931-2013م) في كتابه «الطريقة الأخطر، 1994» وجُسدت في عرض سينمائي بالاسم نفسه عام 2011.

كانت البداية عام 1904 حين افتتح كارل يونغ (29 عامًا) عيادته النفسية في زيورخ، وقد كان حينها متأثرًا ومعجبًا بالعالم الكبير فرويد (48 عامًا) وطريقته في «العلاج بالكلام» وهي طريقة يقوم فيها المريض بالتعبير عن مشكلاته لطبيبه أو لمجموعة من الأفراد لعدة جلسات. استقبل يونغ في عيادته فتاة روسية تدعى سابينا سبيلرين (19 عامًا) ليكتشف من خلال علاجها بطريقة فرويد أنها تعاني الهستيريا بسبب معاناتها في الطفولة وتعرضها لأزمات جنسية مع والدها، وهذا يؤيد نظرية فرويد في ارتباط الجنس بالاضطرابات العاطفية. هذه الطريقة في العلاج، أي «العلاج بالكلام»، هي التي يصفها الكاتب في عنوان كتابه بـ «الطريقة الأخطر» إذ تستمد خطورتها من كونها ستؤول إلى سقطات مدوية في حياة يونغ المهنية.

في عام 1907، سافر يونغ لزيارة فرويد ونقاشه بخصوص حالة سابينا طلبًا للنصح والاستشارة، وكان فرويد حينها معجبًا بتحليلات يونغ لدرجة أن سمّاه وريثه الشرعي الأحق بعرشه بعد وفاته. وبسبب هذه الثقة بين الصديقين، قام فرويد بإرسال طالبه أوتو غروس (1877-1920) إلى يونغ ليقوم بعلاجه، وقد كان غروس منظرًا جيدًا في علم النفس على رغم انحلاله الخلقي، وإدمانه المخدرات، «وقد توفي لاحقًا بسبب المخدرات ووجد طريحًا في شوارع برلين». كان غروس ماهرًا في تبرير أهمية تعدد الزيجات، وعدم كبح الرغبات الجنسية حتى وإن آلت إلى علاقات محظورة، الأمر الذي أثّر في يونغ ليجد فيها مسوغات كافية للتخلي عن أخلاقياته المهنية، وممارسة الجنس مع مريضته سابينا بنية علاجها، محطمًا بذلك المواثيق الأخلاقية بين الطبيب والمريض، متنكرًا في الوقت ذاته لقرانه الطويل مع زوجته الكاتبة إيما روشنباخ (1882-1955م) التي أنجبت له أبناءه الثلاثة. انهار يونغ في علاقات غرامية مع مريضته بشكل دوري بلا توقف، وكانت سابينا في هذه الأثناء سببًا كافيًا لإغرائه للانفصال عن مدرسة فرويد، وممارسة النقد ضدها، إلى أن فسدت هذه الصداقة الطويلة بينهما.

علمت إيما روشنباخ بما بين زوجها وسابينا من وصال، فقامت بإرسال رسالة مجهولة لوالدة سابينا تخبرها عن علاقة ابنتها بيونغ، الأمر الذي قوّض العلاقة بينهما، فقامت سابينا بمهاجمته في مكتبه وآذته جسديًّا، ثم سافرت لتكمل علاجها وتعليمها تحت إشراف فرويد. دب القلق في نفس يونغ، وبدأ يبعث برسائل يائسة لفرويد مؤكدًا له عدم صحة علاقاته الجنسية المكشوفة مع سابينا، لإبقاء مهنيته وعيادته سليمة من الأذى والتشهير، وكان فرويد بدوره يؤهل ويدرب سابينا لتعالج مرضاه، لتصبح بعد ذلك من أوائل عالمات النفس في أوربا. لقد أصبحت سابينا أول عالمة نفس تنشر أكثر من 35 ورقة متخصصة دفعت بعجلة علم النفس إلى الأمام، إلى أن لقيت مصرعها مع طفلتيها في محرقة الهولوكوست.

ظلت علاقتها مع يونغ طي الكتمان، إلى أن طفت إلى السطح فكانت بمثابة الصدمة للقراء عن حياة يونغ الجنسية، إذ كشفت عن هبوط العالِم أخلاقيًّا، وعدم قدرته على كبح نزواته ضد مرضاه، لا سيما أن علاقة يونغ مع سابينا لم تنتهِ في حينها، بل استمر يونغ في هبوطه غير المهني بإقامة صداقة غرامية أخرى مع عالمة النفس السويسرية توني وولف (1888-1953م) وذلك في بواكير 1913، لتستمر مدة طويلة كانت كافية ليونغ لأن يصف وولف بـ «زوجته الثانية».

في عام 1929، جمعت الفرصة طالبًا وطالبة من فرنسا، كلاهما تخصص في الفلسفة، وكلاهما تجاوز الاختبارات النهائية بتميّز، وهو ما جعل اللجنة تحتار في تحديد الأولى منهما بالمركز الأول. خلصت اللجنة أخيرًا لمنح المركز الأول لجان بول سارتر (1905-1980) الذي سيصبح لاحقًا أعظم عظماء الفلسفة الوجودية، لتأتي سيمون دي بوفوار (1908-1986) ثانيًا، التي ستكون من أعظم منظري الحركة النسوية في العالم. هذه المصادفة المحضة قدحت شعلة التعارف بين الطالبين، حتى توشجت بينهما آصرة غرامية شهيرة دامت أكثر من خمسين سنة.

قضى سارتر حياته مع دي بوفوار في وصال أشبه ما يكون بالزواج، غير أنه لم يتكلل بالعقود القانونية أبدًا، فقد كانت علاقة حرة ومفتوحة للطرفين، إذ يحق لأي طرف منهما أن يعاشر شركاء آخرين دون تذمر واستياء من الآخر. ففي الوقت الذي كان فيه سارتر يقيم غرامياته و«قاذوراته» مع العاهرات الفرنسيات بحسب توصيف سكرتيره الخاص بيني ليفي (1945-2003م)، كانت دي بوفوار تكثر من علاقاتها مع الجنسين، ذكورًا وإناثًا، وكانت أكثر انجذابًا للإناث، وقد يُفسر هذا النزوع المثلي لديها وصف أبيها لها، إذ ثبت عنه أنه قال: «إن ابنتي تفكر كرجل». ففي عام 1935، خرقت المعلّمة دي بوفوار العقود التربوية، وقامت باستدراج أولغا كوساكيويتز (1915-1983) إحدى طالباتها (19 عامًا) لإقامة علاقة غرامية معها، ثم تعمّقت العلاقة بين المعلمة والطالبة حتى كتبت دي بوفوار روايتها الأولى «أتت لتمكث، 1943» لتدبّجها بإهداء خاص لكوساكيويتز. تجاوزت دي بوفوار هذا الاستدراج غير المهني بإشراك كوساكيويتز في مُساكنة ثلاثية مع حبيبها سارتر وعُشّاق آخرين منهم الروائي الأميركي الشهير نيلسون ألغرين (1909-1981) الذي كانت تعاشره في أثناء زيارتها لشيكاغو عام 1947، إضافة إلى الصحافي الفرنسي جاك لوران بوست (1916-1990) الذي تعرّف بدوره إلى كوساكيويتز وتزوجها قانونيًّا.

مضت دي بوفوار في هذه الخطط الاستدراجية حتى تعرفت عام 1937 إلى طالبة أخرى (16 عامًا) تُدعى بيانكا لامبلين (1921-2011م) فأقنعتها لتدخل في علاقة غرامية مشتركة مع سارتر، الذي كان -فيما يبدو- يهيئ نفسه للقاء أي ضحية تقع في حبال دي بوفوار. كتبت لامبلين مذكرات «علاقة مشينة، 1993» واصفة هذه الغراميات الطويلة، شاكية من كونها استغلت استغلالًا شائنًا من جانب دي بوفوار وسارتر على السواء. تذكر لامبلين أن سارتر مارس معها الجنس عام 1939 في أحد الفنادق الباريسية وكان يُظهر نزعات سادية؛ وقد يكون السبب وراء هذه النزعات اضطرابات العلاقة العاطفية بين سارتر وأمه في وقت مبكر من حياته، إذ تزوجت بعد وفاة والده من رجل يُبغضه، وهذا جعله لا يحترمها ولا يدعو الناس لاحترامها، بل يزعم أنه كان يتظاهر بالنوم في أثناء تنويمه بأحد المستشفيات ليراقب أمه المرافقة له وهي تخلع ملابسها.

في عام 1943، مضت دي بوفوار في تعرفها إلى الطالبات لتلتقي هذه المرة طالبة (17 عامًا) تدعى ناتالي سوروكين (1926) وهي آخر العشيقات الأحياء لدي بوفوار وسارتر، غير أن من سوء حظ دي بوفوار هذه المرة أن قامت أم ناتالي بعد ملاحظة تغير سلوكياتها برفع قضية تحرش ضد دي بوفوار آلت بعد التحقيقات لتجريم دي بوفوار وسحب رخصتها التدريسية منها مدى الحياة. كان هذا القرار بمثابة الصفعة لدي بوفوار، غير أنه لم يمنعها -وهي المرأة المناضلة والجسورة – من مواصلة حياتها الخاصة، إذ واصلت علاقاتها مع طالباتها ومع صديقات سارتر نفسه، كالمغنية الفرنسية جولييت غريكو (1927) التي أهدى لها سارتر أغنية مسرحيته «الغرفة المغلقة، 1949» وصديقة أميركية أخرى تدعى دولوريس فانيتي، إلى جانب الكاتبة الأميركية ميشيل ليغليز- فيان التي كانت زوجة الروائي الفرنسي بوريس فيان (1920-1959م) وكانت غراميات سارتر معها سببًا كافيًا لإفساد زواجهما وطلاقها منه.

لقد كانت حياة سارتر ودي بوفوار مليئة بالصخب والإثارة لما يخترقها من علاقات تداخلية من أطراف أخرى، وقد تكون هذه الحياة الحرة التي مر بها سارتر كافية لثنيه عن الدخول في الالتزامات المهنية العليا، إذ كان يبتغي الخلاص والحرية، ويرفض الضوابط الرسمية لدرجة أن قام برفض جائزة نوبل للآداب عام 1964 قائلًا: «لا ينبغي للكاتب أن يسمح لنفسه أن تتحول إلى مؤسسة». توفي سارتر عام 1980، فلم تتردد دي بوفوار في أن توصي قبل وفاتها بنشر رسائلها إلى سارتر في كتاب «رسائل إلى سارتر، 1990» لتعبر عن كلفها وحبها له، وتحكي مغامراتها وغرامياتها معه، لتموت أخيرًا وتُقبر بجواره في مقبرة مونبارناس عام 1986.

لم تنقشع هذه السحابة السوداء من العلاقات المحظورة في القرن العشرين، بل ألقت بظلالها على واقع القرن الحادي والعشرين لتخل بسمعة فلاسفة معاصرين، إذ اضطر الفيلسوف البريطاني الشهير والمختص في فلسفة العقل كولن مكغين (1950-) للاستقالة عام 2013 من منصبه في جامعة ميامي بعد أن تورط في قضية تحرش جنسي رفعتها ضده طالبته مونيكا موريسون، بعد أن قدمت إثباتات قاطعة من الرسائل الورقية والإلكترونية تشمل تحرشات واعتداءات صدرت منه ومن زميله أستاذ الفلسفة إدوارد إروين. لقد كان كولن مكغين مطلب غالب الجامعات، إذ عمل في جامعة أوكسفورد وعدد من أعرق جامعات أميركا، إلا أنه وبعد استقالته من جامعة ميامي على خلفية هذه الحادثة، وعلى رغم حصوله على مقعد سريع بجامعة شرق كارولاينا، سرعان ما سُحب مقعده منه بعد توصيات مسؤولي الجامعة بسبب اشتعال قضيته إعلاميًّا.

وفي عام 2014، تورط الفيلسوف الألماني بجامعة ييل توماس بوغي (1963-) في قضية تحرش جنسي أخرى ضد طالبة عرض عليها فرصًا وظيفية في الجامعة لقاء علاقات غرامية، ولم تكن الأولى، وقد لا تكون الأخيرة، إذ تحرش بطالبة أخرى تدعى فيرناندا لوبيز عام 2010، وقام بتهديدها بطردها من برنامج «المساعدة الجامعية» إن هي تعرضت له قضائيًّا، كما سبق وتحرش بطالبة أخرى عام 1990 إبان تدريسه في جامعة كولومبيا. الغريب في الأمر أن بوغي فيلسوف مختص في فلسفة الأخلاق، وقد تخرج من جامعة هارفارد تحت إشراف فيلسوف الأخلاق الأميركي جون رولز (1921-2002م)، ويعد الآن من أبرز الأخلاقيين في العالم. وعلى رغم تلقي رئاسة الجامعة خطابات مفتوحة من جانب طلاب وأساتذة بارزين يؤكدون تحرشات بوغي المستمرة ويطالبون بفصله تأديبيًّا، فإن الجامعة لا ترغب في فتح قضيته علنًا، ومن ثم التفريط بعقده التدريسي لأن الاتهامات لم تثبت عليه قضائيًّا.
الإنسان‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬كينونة‭ ‬منفصلة‭ ‬بذاتها
بقي أن نقول: إن مثل هذه السقطات الجنسية من فلاسفة الأخلاق هي حلقة واحدة في سلسلة طويلة متناقضة تدعو إلى الالتزام وتخالفه في الوقت ذاته. وبقي أن نؤكد أن الإنسان في جوهره كينونة منفصلة بذاتها، وليست رهنًا لمهنته، فالإنسان كُنهٌ والمهنة كنهٌ آخر كالحليّ التي تزين الذات البشرية العارية العاجزة عن صد النزوات. وبقي أخيرًا أن نتحوط في الت
نبيه إلى أن هناك من يرى أن العلاقة الجنسية – في الجوهر – لا تمثل خطرًا أخلاقيًّا إذا ما تمت بالتراضي بين الأطراف، وإنْ لم تنضوِ تحت القانون، وذلك بحسب النصوص الفلسفية الراهنة، إنما الخطر يكمن في خرق الأعراف المهنية بالمخالفات الأخلاقية، بالاستدراج كأنموذج دي بوفوار وطالباتها، أو بالاستغلال كأنموذج يونغ ومريضاته، أو بالتخلي عن المسؤولية التربوية كحالة روسو وأطفاله، في الوقت الذي ينتج عنها مخاطر جسيمة قد تؤول أخيرًا إلى الوفاة، وهو الضرر الأكبر أخلاقيًّا كما حدث لأطفال روسو غير الشرعيين.

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top