الحمل

فواز طرابلسي عن سمير قصير

فواز طرابلسي عن سمير قصير
عن سمير قصير




جريدة “نيويورك تايمز” – 8 مايو 1971


ما يقوم بمقايضته الكاتب أو الشاعر دائمًا غريب. أتذكر اقتباسًا لتشيسترتون[1] يقول فيه: “هناك شيءٌ واحدٌ تبقى له الحاجة مستمرة: كل شيء!”. بالنسبة للكاتب، تعني كلمة “كل شيء” أكثر من كلمة شاملة، فهو يأخذها بشكل حرفي، وتعني له الشيء الأهم والأساسي، وهو التجربة البشرية بشموليّتها. على سبيل المثال، يحتاج الكاتب للعزلة، وينال حصّته منها. ويحتاج أيضًا للحب، ويجد من يشاطره الحب ومن لا يشاطره. وهو أيضًا يحتاج للصداقة.. بل يحتاج للكون بأكمله في واقع الأمر. يجب أن يكون الشخص شاردًا، يعيش حياتين بشكلٍ أو آخر، لكي يصبح كاتبًا.

منذ زمنٍ بعيد، نشرت كتابي الأول “[2]Fervor de Buenos Aires” سنة 1923. لم يكن هذا الكتاب مديحًا لبوينوس آيرس قدر ما كان محاولةً مني لوصف ما أشعر به تجاه هذه المدينة. عرفت لحظتها أن الكثير ينقصني، على الرغم من أنّي عشت في جوٍّ أدبي، فأبي كان كاتب رسائل، ومع ذلك لم يكن الأمر كافيًا. احتجب إلى ما هو أكثر من ذلك، ووجدته فعلًا على يد الصداقات وفي المحادثات الأدبية.

ما يجب أن تمنحه جامعةٌ عظيمةٌ لكاتبٍ شاب هو، وبشكلٍ دقيق، التالي: الحوار، فن النقاش، فن الموافقة، وفن الاختلاف؛ وربما يكون الأخير هو الأهم من بينها كلها. بعيدًا عن كل ذلك، نستطيع أن نقول بأن اللحظة باتت مؤاتية حينما يحس الكاتب الشاب بأنه يستطيع صياغة مشاعره من خلال القصائد. يجب عليه أن يبدأ ذلك من خلال تقليد الشعراء الذين يحبهم. هكذا، يجد الشاعر صوته الداخلي بينما يفقد ذاته أثناء التقليد، أي يعيش حياتين في ذات الوقت، حياته الواقعية بكل ما يمكنه، وحياةً أخرى يتقمص بها، هي حياة يحتاج لخلقها، ويصيغ بها أحلامه واقعًا.

هذا هو الهدف الأساسي في برنامج كلية الفنون بجامعة كولومبيا. أنا – في هذا المقام – أتحدث بالنيابة عن العديد من الشبان والفتيات الذين يناضلون في هذه الجامعة من أجل أن يصبحوا كتّابًا، ولم يجدوا صوتهم بعد. أمضيْتُ أسبوعين في هذا المكان وأنا أشرح لهؤلاء الطلاب التوّاقين للكتابة، وأستطيع أن أرى ما تعنيه هذه الدورات لهم، وأن أرى أهميتها – أي الدورات – للأدب. لا يحظى الشبان في بلادي بمثلها.

دعونا نفكر بكل الشعراء والكتّاب الذي لم يظهروا بعد، وعن احتمال جمعهم سويًا وتعليمهم في مكانٍ واحد. أؤمن بأن هذا هو واجبنا، مساعدة هذه الكفاءات المستقبليّة لتحقيق هدفهم النهائي بكشفهم لأنفسهم، والذي سيخدم الأدب العظيم لاحقًا. الأدب ليس مجرّد ضمٍ للكلمات، ما يهم فعلًا هو ما لم يقل، أو ما يمكن أن يُقرأ بين السطور. ما لم يكن مرتبطًا بالإحساس في دواخلنا، فليس الأدب إلا لعبة، وكلنا نعلم بالطبع أنه أكثر من ذلك.

كلّنا نملك متعة القارئ، ولكن الكاتب يملك تلك المتعة بالإضافة إلى مهمّة الكتابة؛ وتعدّ هذه التجربة مكافأة بالإضافة لغرابتها. نحن ندين لكل الكتّاب الشّباب بفرصة اجتماعنا سويًّا، وبفرصة الاتفاق والاختلاف، وأخيرًا ندين لهم بالوصول لحِرْفَةِ الكتابة.

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top