الحمل

محمود درويش وحكاية هذه المقابلة /الكمال فـي الشعر مستحيل، لذلك أفكر دائماً بالنقصان

محمود درويش وحكاية هذه المقابلة /الكمال فـي الشعر مستحيل، لذلك أفكر دائماً بالنقصان
مقابلة مع محمود درويش

 جريدةالصباح_________
لا أزال رهين صورٍ مثالية عن ناشري الكتب، لم تستطع الاستعارات الثقافية العولمية تفكيك هيمنتها الاستلابية، أو زحزحتها عن أزمنة الجماعات السرية في مدن العالم القديم، روما والإسكندرية وبغداد. وأجدني مرغماً على استعارة أجواء تلك الصور لدعم تصوري عن ناشري اليوم. 
أوّلُ هذه الصور كانت عن سهيل إدريس (ناشر الآداب) وقد تخيلتُه حبيسَ قبوٍ/ دير معقود بسقف واطئ، يدير عملية تصحيف الكتب وتوضيبها بمساعدة زوجته المخلصة عايدة إدريس، أحنى الانتقال في قبو الطبع ظهريهما. هناك بالطبع الماكينة الطباعية الضخمة تجثم كحيوان حبيس معهما في خلفية الصورة.
الصورة الثانية تخيلتُها ليوسف يعقوب حداد في دار طباعة مستقبلية، يحتلّ طوابقها الشاهقة مؤلفو بصرياثا المؤبّدون، لا يكادون يرفعون رؤوسهم عمّا بين أيديهم، كلما أنجزوا كتاباً دفعوا بآخر إلى رئيسهم حدّاد لطبعه، فهم أيضا حبيسو أقدارِهم التي رتّبتْ لهم هذه المهنة الأبدية. 
كلتا الصورتين السابقتين ترتبط من جهتين بشبكة النشر الإلكترونية التي أقامت أركانها على أطراف العالم، ناسخةً عمليات النشر الأربع (التأليف والترجمة والنشر والتوزيع) بتطبيقات متجددة وعلاقات متبدلة بين طرفي الإنتاج الفكري والتجاري، المؤلّف والناشر. وبذلك توسّطت الشبكة في نشر الكتاب على أيّ صورة يشاء مؤلفه: صورة (دودو) الكاتب العراقي القديم، أو صورة المؤلف المستقبلي في موقعه العالمي المجهول. حسبه، أينما استدار، وجهُ الأيقونة الرمزية التي اعتاد الناشرون طبعها على الأغلفة، وقد استحالت رمزاً مهيمناً لنشر كتابٍ لم يُطبع مثله نظيرٌ من قبل، كما قد يتمنّى السيميائيون العظام.
وإذا كان نشر كتاب محكوماً بهذه الصور والمواثيق _ المجموعة في أيقونة متنقلة بين الأماكن والجهات _ فلا سبيل إلى احتكار المنتَج العقلي وحجْرهِ وراء الأسوار. بل أنّ رواية ملعونة مثل (ثلاثية الصلب الوردي) سيكون لها نصيب (كليلة ودمنة) نفسه يرفعها فوق الطرق الهوائية التي سارت عليه (الدكتور زيفاكو) عبر الحدود والسلطات والمعايير الأخلاقية والسياسية. بعد اليوم ستكون المزاحمة الكبرى للناشرين، سدنةِ الكتاب المخطوط/ المسطور، والفكر المُرسَل/ المبثوث حول محور الوعي بالعالم والمصير الإنساني على كوكب الأرض. ولو صدّقنا نبوءة انتهاء عصر الكتاب الورقي وتحوّل المكتبات إلى عجينة تملأ المحيطات، فإنّ الناشرين هم المسؤولون الوحيدون عن ذلك. وعليهم تقع مهمة خلق مجراتٍ إلكترونية تحلّق فوق الجزُر الورقية، شبيهةٍ بالمدن العنقودية المعلّقة في خيال المعماريين المستقبليين. 
أمام هذه الغزارة والجشع العولمي لتعويم الكتاب، طريقان متفرعتان من بؤرة التأليف والنشر، تحضر فيهما صيغتا النشر البدئيتان: النشر اليدوي/ الفردي للكتاب، وأخويّات النشر السرّية. يحضر آلافُ المؤلفين الموزعِين كتبَهم بحذر على قرّاء منفردين هم أيضاً بكتُبهم ومتحكّمين كذلك بمصيرهم (لدينا صورة بدئية هامشية من كتاب الاستنساخ). هذه هي النتيجة المخيفة التي يصنعها الناشرون المتزاحمون حول ورش الكتابة الموزَّعة حول العالم. نتيجةٌ هي في الحسبان وليست نبوءة مؤلفٍ بدائيّ من جماعة إخوان الصفاء. كما ليس ثمّة حدود للخوف من نتائج النشر في مجرّات الشبكة الإلكترونية المستقبلية.
أين العرب/ العراقيون/ ناشرو المؤلفات الورقية من هذا النبوءة ذات الوجه المزدوَج: الجامد والسائل؟ الغرابةُ في هذا أننا في قلب الرؤيا لا خارجها ولا حولها. نحن من سيملأ دجلة بعجينة الورق السائلة، بعد أن أتخمنا المخازنَ بأطنان من الكتب النافقة. نحن/ دكاكين النشر المتزاحمة في سوق الجملة مع اكسسوارات الحياة التافهة. بغداد/ اليوم/ قلب الفوضى/ تزاحم العالم على أيقونة النشر المهيمنة. واحدة من عواصم التفاهة الورقية التي تحرق الأعصاب قبل الأوراق بما تقذف أفواه المطابع المؤجرة. وسنطِمُّ دجلةَ الجاري بها.
منذ سنين وسنين ودكاكين النشر العراقية تزدحم في زقاقٍ سمّاه نزار عباس (زقاق الفئران). خطوات وتجد نفسك في دهليز يفضي إلى ملفات السردية التي شاخَ روّادها بصمت، وهم يسمعون قضْمَ الجرذان للكتب، من دون التفات أو اعتبار. هنا في هذه الدار القديمة التي عُلّقت أقنعةُ الغابرين على جدرانها، يجلس في شبه عتمة الطبّاعُ الذي سنشير إليه بكناية: مصفِّف شَعرَ الأيقونة الرصاصية (الرأس الأصلع للناشر). وهذه صورتي الخيالية الثالثة فوق اللتين بدأت بهما مقالتي. 
متى خرج الناشرون العراقيون من زقاق الفئران ليلتحقوا بعجينة السوق العالمية؟ وهل خرجوا؟
ماذا رتّبوا لعلاقتهم بمؤلّفي الكتب الذين انتظروا طويلا في فمِ الزقاق؟ لماذا علّقوا أقنعتَهم على الجدران. لماذا تركوا مصفّفَ الحروف وراء ظهورهم. أ للذكرى أم الخذلان؟
هل التفتوا لهذا السطر من قصيدة توماس ترانسترومر: "فضاءاتُ الدماغ البشري اللانهائية اختُزلتْ في حجم قبضة". وهل درَوا أنّ دار نشرٍ قد تكون بحجم قبضة ترانسترومر؟
أيستطيع شركائي الناشرون إضافة صورةٍ رابعة إلى صُوري الثلاث المتخيلة عنهم؟

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top