في العودة إلى أسطورة الكركدن

11:12:00 ص
محمد حجيري

09-07-2012 | 00:02

يوماً ما تَفرد الشاعر الفلسطيني الأصل السوري المولد الراحل توفيق صايغ في إرساء أسطورة «الكركدن» في الحداثة العربية، من خلال  ديوانه «معلقة توفيق صايغ»، فبنى قصيدته الطويلة «بضعة أسئلة لأطرحها على الكركدن» مستفيداً من أسطورة مسيحية شاعت في القرون الوسطى، وهي «الكركدن» والعذراء. تقوم القصيدة على قصة أسطورية تروي سعي الكركدن إلى العذراء، ومقاومته أشكال الإغراء كافة، وينتهي هذا السعي بالوصول إليها، تلك التي يستريح إليها ويستسلم، فتُسلِّمه إلى الصيَّادين الذين يُمزِّقون جسده، ويأخذون قرنه الذي يُستخدم في علاج العقم عند النساء والرجال.

اختار الشاعر توفيق صايغ أسطورة ليس لها في وجدان القارئ العربي وثقافته ما يُمهِّد له سُبُل تلقيها والتفاعل معها، وهي «الكركدن»، وكانت النتيجة أن تعرض لنقد صارم، ليس بسبب أسطورته التي أرساها فحسب بل بسبب قصيدته نفسها. قابله كبار النقاد والشعراء في الستينيات بمزيج من الامتعاض والذهول، وكتبوا عنه أشد أنواع النقد. فما كان منه إلا أن اقتطع مقتطفات من تلك الكتابات ونشرها إعلاناً عن كتابه في مجلته «حوار».

يخبرنا الباحث محمود شريح بأن قصيدة «الكركدن» قد «أثارت زوبعة من النقاش  والجدل، وأحيانا الهجوم عند نشرها، فقد كتب عاصم الجندي مقالة ضدها عنوانها «أبعدوا هذا الطنين عن أذني»، وقال عنها علي الجندي إنها «نشاز غريب وصفاقة هجينة، وتجنٍّ مريب على الشعر»، بينما انبرى للدفاع عنها الناشر والصحافي رياض نجيب الريس وأعجب بها الروائي السوداني الطيب صالح من خلال رسالة إلى الصايغ. ويعتبر الشاعر العراقي سامي مهدي في كتابه «تجربة توفيق صايغ – دار رياض الريس»، أن بعض دوافع الحملة على قصيدة صايغ كان سياسياً محضاً، يتصل بطبيعة مجلة «حوار» وجهة تمويلها، في حين كان الاعتراض المبدئي على الشعر الحر وتقنياته وغموضه الدافع الآخر لها.

ما يلفت إليه سامي مهدي أن صايغ لم يستطع أن يحيي أسطورة «الكركدن» ويجعل منها رمزاً يحرك مشاعر الإنسان ويوجد لها صدى في نفسه. بل لعل القارئ سيشعر بالانكماش وهو يتخيل الشاعر في هيئة كركدن قابع باستسلام في حضن حبيبته وهي تقوده إلى مصير يعرفه. ويبدو أن صايغ بحسب سامي مهدي أراد من كتابة هذه القصيدة أن يقدم شعره بتقنية جديدة جربها زملاؤه ولم يجربها هو سابقاً، ويقصد الأطار الاسطوري المتجسد في تموز واليعازر والمسيح وغلغامش ويوحنا المعمدان والحلاج وغيرهم.

عثر صايغ على «الكركدن» الأسطورة غير المستهلكة في الشعر العربي، و{رأى أن بإمكانه تحريف متنها والانحراف بهدفها لتلائم الموضوع الذي يضغط عليه بإلحاح، أي علاقته بحبيبته كاي».

أصداء نيتشه

يعتبر بعض النقاد أن الباحثة زهرة حسين هي أفضل من عالج هذه القصيدة في دراستها «أصداء نيتشه وييتس في شعر توفيق صايغ»، إذ تقول: «توفيق صايغ، بين كل الشعراء العرب، أكثرهم رفضاً للمساومة على تجاربه في مضمار الشكل الشعري، وأكثرهم وعياً وإيجازاً في التعامل مع الأسطورة، سواء كانت كلاسيكية (يونانية رومانية) أو شرق أوسطية، وأكثرهم قدرة على دمجها في تكوين شعري مدهش... أساس هذه القصيدة الفلسفي وفرته فلسفة نيتشه القائلة بالثنائية في صميم الوجود، أما أساسها الجمالي فوفره إلى حدٍّ ما ييتس بالربط بين ثلاثية البطولة/ الفعل/ المعرفة بموضوعة الخلاص الآخروي الجماعي (ربط التجربة الشعرية بالتجربة الدينية).

لكن توفيق صايغ، على رغم محاولته، بقي أشبه بـ{الكركدن المحاصر» بحسب الوصف الذي أطلقه عليه الناقد عيسى بلاطة، فقد تأخَّر الحديث عن شعر توفيق وشخصيته بشكل جدّي، ولئن كُتبت عنه مقالات كثيرة لكنها ظلَّت بعيدة عن محاولة تفسير الشاعر وتقريبه إلى أذهان الجمهور. في هذا الإطار يذكر سامي مهدي أن «أول ما يُفاجئنا حين نذكر توفيق صايغ هو «النسيان». فلم يكد يمضي زمن قصير على وفاته حتى كاد يصبح منسياً نسبياً. إذ نجد أدباء وقراء كثراً معجبين بشعر بدر شاكر السيّاب والبيّاتي وأدونيس ومحمود درويش ونزار قباني، في حين يندر أن نجد معجباً بشعر توفيق صايغ. ثمة سر ما في «ميديا» التواصل بين الشعراء والجمهور، لا يخص جيل الرواد وجيل الستينيات فحسب بل يطاول معظم الشعراء، فمنهم من ينعم شعره بنعمة الرواج ومنهم من يكون شعره في دائرة الاهمال مهما كان عظيماً وحاملاً للمعاني وناتجاً من التمرد أو حتى الصعلكة».

يقال إن لكل شاعر شيطانه، لكن توفيق لم يختر شيطانه بل كركدنه بحسب تعبير أحد الصحافيين، وعلى هذا بقي عصياً على التداول تماماً كما كانت حياته عصية على الفهم، فهو كتلة من الالتباسات، استعمل النصوص الدينية في قصائده ولكنها لم تساعده في في الخروج من شحنه الذاتي ومرايا الكركدن الغامضة. قد يكون السؤال: لماذا لم تحظ أسطورة «الكركدن» بالتداول في الشعر العربي؟ ربما تكون الإجابة بأن هذه الأسطورة لها أقنعة مختلفة، ليس لها وجه واحد.

في التراث واللغة

والمدهش أكثر من الشعر هو وصف الكركدن في النصوص التراثية واللغة، إذ طالما وُصف بطريقة أغرب من الخيال، هذا ما نلاحظه في قصة السندباد التي تقول: {وفي تلك الجزيرة صنف من الوحوش يقال له: الكركدن يرعى فيها رعياً مثلما يرعى البقر والجاموس في بلادنا ولكن جسم ذلك الوحش أكبر من جسم الجمل ويأكل {العلق} وهو دابة عظيمة لها قرن واحد غليظ في وسط رأسها طوله قدر عشرة أذرع وفيه صورة إنسان، وفي تلك الجزيرة شيء من صنف البقر، وقد قال لنا البحريون المسافرون وأهل السياحة في الجبال والأراضي أن هذا الوحش المسمى بالكركدن يحمل الفيل الكبير على قرنه ويرعى به في الجزيرة والسواحل ولا يشعر به ويموت الفيل على قرنه، ويسيح دهنه من حر الشمس على رأسه، ويدخل في عينيه فيعمى فيرقد في جانب السواحل فيجيء له طير الرخ، فيحمله في مخالبه ويروح به عند أولاده ويزقهم به وبما على قرنه».

اللافت أن ابن منظور في «لسان العرب» ينص على هذه المعلومة ويذكرها نقلاً عن ابن الأعرابي بقوله: {الكَرْكَدَّنُ دابة عظيمة الخَلْقِ يقال إِنها تحمل الفِيلَ على قرْنِها». كذلك نجد الإمام اللغوي الفيروزآبادي في كتابه «القاموس المحيط» ينص على هذه الخرافة نفسها بقوله: {الكَرْكَدَّنُ، مُشَدَّدَةَ الدالِ والعامَّةُ تُشَدِّدُ بالنون: دابَّةٌ تَحْمِلُ الفيلَ على قَرْنِها!!». وثمة روايات كثيرة حول الكركدن في النصوص التراثية. نقل الإمام عبد القادر البغدادي المعلومة نفسها، لكن مستغرباً منها ومستنكراً لها يقول في كتابه «خزانة الأدب»: {الحريش، ويقال له: الكركدن له قرن واحد يحمل الفيل على قرنه، على ما قيل!!}. أما الجاحظ فحاول أن يتوسط في الطرح فقال في كتابه «الحيوان»: {الكركدن قال: والذي يثبت الكركَدَّن أن داود النبي ذكره في الزّبور حتّى سمّاه. وقد ذكره صاحب المنطق في كتاب «الحيوان» إلاّ أنه سمَّاه بالْحِمار الهنديّ، وجعل له قرناً واحداً في وسْط جبهته».

ويورد قاموس «المورد» تعريفه كلمة كركدن على النحو التالي: خرتيت، وحيد القرن، كركدن البحر حيوان اسمه بالإنكليزيةNarwharl.  أما «المعجم الوسيط» فيذكر: حيوان ثديي، من ذوات الحافر، عاشب، عظيم الجثة، كبير البطن، قصير القوائم، غليظ الجلد، له قرن واحد قائم فوق أنفه، لذلك يقال له «وحيد القرن» وهو هندي أفريقي. بينما ما تقصده قصيدة توفيق صايغ هو اليونيكورن Unicorn وهو حيوان خرافي يشبه المهرة البيضاء الجميلة الرشيقة.

ثمة تعريفات كثيرة لأسطورة الكركدن، لكن حضورها في الشعر العربي ما زال خجولاً، وأحياناً أخرى يكون الكركدن قناعاً لسيرة توفيق صايغ نفسه. كتب الشاعر السوداني محمد عبدالحي (1945 - 1989) نصاً عن صايغ بعنوان «مقتل الكركدن» في ديوانه «زمن العنف». وأشار في القصيدة إلى مأساة الشاعر ومحنته، وفرادته في كتابة متنه الشعري، وتلك الغصة التي جرته إلى العدم، فهو مات داخل المصعد وهو في طريقه إلى منزله في بيركلي بكاليفورنيا،  وقصيدة «مقتل الكركدن» تأويل أنطلوجي لمحنة صايغ، إذ يقول الشاعر: «أجمل من في الغابة يصهل قرب النبع يغني ظل الشمس على أشجار التفاح جرح ربيع الروح تلألأ أجمل من كل جراح الأيام النصف مضاءة تحت مصابيح الشارع والحزن».

أحسب أن لكل شاعر «كركدنه» الخاص، فالشاعر صادق الصائغ في ديوانه الأول «نشيد الكركدن»، يشير إلى أن غالبية قصائد الديوان ترمز الى الإنسان الذي حاصرته البنادق في غابة الرأسمال وقد تحول إلى كركدن يبحث عن مخرج، يهجم ويهاجم، ينزف ويستنزف، وأثناء ذلك يدلي بشهادة، وهي في آخر الأمر نشيده الإنساني المرير. ثمة فرق شاسع بين كركدن توفيق صايغ وكركدن صادق الصائغ.

شيء من الجنائزية

للكركدن معنى آخر في ديوان «شجرة تشبه حطاباً» (صدر عن دار «الآداب») للشاعر عباس بيضون، شيء من الجنائزية ونقد للموت في هذا الديوان. وليس الكتاب عن الكركدن إنما تحضر صورته بقوة إلى جانب السيكلوب، يقول بيضون: «لا أحد في بيت السيكلوب. حين علمت بانتحار «زاد» خطر لي أنّ أمثاله يتحوّلون إلى سيكلوبات، إذ العين الوحيدة وسط الرأس هي مثلّث المنتحرين. قرن الكركدن الوحيد شعار موته، لا ضوء، ليس في عين السيكلوب سوى أمر، فكرة غير مرتدّة إلى الأمام حتّى الانفجار». «ليس الكركدن أعمى. إنّه وحيد النظر، عينه وقرنه واحد». الصورة الشعرية في قصائد عباس بيضون هي نحت في الخيال، يحضر الكركدن في مشهديته لا في أسطورته، في متخيل الشاعر لا في الحكاية المألوفة، إنها حكاية اللعب على الصورة حيث الكركدن يخبط «بالأشجار لا بالكلمات».

أما الشاعر المصري رفعت سلام فاختار أن يعنون كتابه الجديد «هكذا تكلم الكركدن» (صدر عن هيئة قصور الثقافة في مصر)، أبدل «زرادشت» نيتشه بالكركدن - الكائن الخرافي، هذا الكائن الذي يتحدث إلى الشاعر رفعت سلام، ويملي عليه ما يشاء، فيصيغ الشاعر من حديثه أبياتاً شعرية. الديوان عبارة عن سيمفونية تتداخل فيها الأصوات والعوالم لتناقش محنة وجودية مر بها الإنسان.

وحسبما يقول الشاعر: «اكتشاف أحلامها وراهنها المأزوم منذ أمد غير معروف، وأوهامها الأثيرة، وانكساراتها وخيباتها الدفينة، وعذاباتها السرية، وبهجاتها الصغيرة العابرة، والانتظار الوجودي الأليم للانفراج القادم، في شكل حلم مؤكد؟». ما يكتب رفعت سلام أقرب إلى مشهدية للحيوان الخرافي والحقيقي كما ترد في الروايات، يقول هو «حيوان في جثَّة الفيل، خلْقتُه خلْقة الثّورِ، إلاّ أنّه أعظم منه، ذو حافر، وهو سريع الغضب، صادق الحملة، يخافه ساير الحيوانات. على رأسه قَرن واحد حادّ الرأس. يعيش سبعُماية سنة، وهيجان شهوتِه بعد خمسينَ سنة(...) وزعم الهند أنَّ الكركدنَّ، إذا كان بأرض، لم يدع في تلك البلاد شيئاً من الحيوان؛ وإذا رأى الفيل يأتيه من ورائه، يضرب بطنه بقرنه، ويقوم على رجليه ويرفع الفيل، حتّى يتشبَّث بقرنه. فإذا تشبَّث يريد أن يتخلَّص عن الفيل، لا يمكنه، فيخرُّ على الأرض فيموت هو والفيل».(...)

والسؤال هل بات الكركدن نفسه مرآة للشعر؟

«هكذا تكلم الكركدن» بقلم رفعت سلام

لستُ ديناصوراً، لا وألفُ كلاَّ؛ لستُ هولاكو ولا هتلرَ، لا الحَجَّاحَ  لا مُوسوليني ولا بينوشيه، أنا أصلُ السُّلالة، والكلُّ ظِلالٌ باهتة

أنا اللحظةُ المارقةُ الفالتة

استعاروا قامتي وسيرتي، سلبوني منِّي، وارتَدَوْا قناعيَ الذهبيَّ في غِفلةٍ من الزمن

وكلُّ غِفلةٍ: مِحنَةٌ

كلُّ محنةٍ: مِيتَةٌ

وكلُّ ميتةٍ: صِراطٌ وأَسَن

سَرقوا منِّي القاموسَ والأبجديَّةَ، عَرَّوني منِّي قبلَ حُلُولي، وسَبَقُوني إلى المَدَائن المنذورةِ للنارِ، إلى القُطعانِ المنذورةِ للسَّفك، إلى السَّبي والهَتك، إلى الآياتِ المُحكَمَات ممَّا لا عينٌ من قبل رأت، ولا أُذُنٌ سمعت، ولا خَطَرَ على قلبِ بَشَر

وجهي: قناعٌ من حَجَر

لا يَبلى، أو تتآكلُه العواصفُ، من حَجَرٍ بازلتٍ (شقيقيَ وخِلِّي الوفيُّ، لا أعرفُ سواه، لا يَعرف سواي)؛ لا تَعرف وجهيَ المرايا ولا الشموسُ، جسدي قناعي، وروحي وردةٌ شائكة

وردةُ الأَسَنِ الحالكة

فلا تقربُوني،

لا نوافذَ لي، لا أبواب.

كُلِّي أسوارٌ مُدجَّجة،

حُرَّاسُها مُشهَرُون، لا نومَ لا سَهَر.

فابتعدُوا، ابتعدُوا

سأمي أزليٌّ، أبديُّ،

وأنتُم: المُناسَبة.

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا