ماريو باغارس يوسا - ثورة البُظر.. - ت: صالح علماني

8:36:00 ص
أفهم يا سيدتي أن البدائل النسائية التي تمثلينها قد أعلنت الحرب على الأعضاء الجنسية الذكرية وأن فلسفة حركتك تستند إلى القناعة بأن البَظْر متفوق معنوياً وجسدياً وثقافياً وإروتيكاً على القضيب، وأن المبيضات أنبل طبيعة من الخصيات.

أوافقك على أن أطروحتك يمكن الدفاع عنها. ولست أنوي أن أبدي أدنى معارضة لك. فتعاطفي مع الحركة النسائية عميق، وإن كان يأتي في المرتبة التالية لحبي للحرية الشخصية وحقوق الإنسان، وهي ضمن حدود لا بد لي من تحديدها حتى يكون هناك مغزى لما سأقوله فيما بعد. أبدأ بالتعميم، وبما هو أكثر جلاء، لأؤكد أنني مؤيد لإلغاء كل العقبات القانونية التي تحول دون وصول المرأة إلى المسؤوليات نفسها التي يصل إليها الذكر، ومؤيد للمعركة الفكرية و الأخلاقية ضد الأحكام المسبقة التي يستند إليها انتقاص حقوق النساء، وأسارع لأضيف أن من ضمنها، بل ومن أكثرها أهمية برأيي، بالنسبة للذكور أيضاً، هو حق المتعة، والذي يبرز منه. وأنا متأكد من ذلك. خلافنا الأول.

ولكن الخلاف الأساسي، وأخشى أن يكون الخلاف الذي لا رجعة عنه، لأنه يفتح الهوة التي لا سبيل إلى ردمها فيما بين حضرتك وبيني أو بين قضيبي ومهبلك، لكي نبقى ضمن حدود الحيادية العلمية . هذا الخلاف الأساسي، يرتكز من وجهة نظري ، على أن الحركة النسائية هي مقولة مفهوم جماعي، بمعنى أنها مغالطة سفسطائية، لأنها تسعى إلى أن تحيط في مفهوم نوعي متجانس، تشكيلةً جماعية فسيحة في الفرديات غير المتجانسة ، الاختلافات والتفاوتات فيها لا تقل أهمية ( بل هي أكثر أهمية بالتأكيد ) من القاسم المشترك البظري أو المَبيضي. وما أعنيه، دون أي قفزات بهلوانية مستهترة، أن كون المرء مزوداً بقضيب أو ببظر ( وهي أجهزة ملتبسة الحدود، مثلما سأثبتُ لكِ فيما بعد ) هو في رأيي أقل شأناً. في التفريق ما بين كائن وآخر من المواصفات الأخرى (العيوب، الفضائل، النقائص) الخاصة بكل فرد. وقد أدى تجاهل ذلك إلى تمكين الأيديولوجيات من خلق أشكال التعسف في المساواة تكون أسوأ عموماً من تلك المظالم التي تسعين إلى أن تثوري ضدها. وأخشى أن الحركة النسائية، من النوع الذي تقودينه حضرتكِ، ستواصل المضي في هذا الطريق في حال انتصار طروحتك، وهو أمر، من وجهة نظر تنطلق من ظروف المرأة ، لا يعني أي شيء آخر. باللغة العامية " سوى استبدال المخاط باللعاب" .

هذه الأمور بالنسبة لي هي اعتبارات تنطلق من مبدأ أخلاقي وجمالي، لستِ حضرتكِ معنية بمشاطرتي إياها. ولكن لحسن الحظ أن العلم يقف إلى جانبي أيضاً وستتأكدين من ذلك إذا ما ألقينا نظرة، مثلاً، على أعمال برفيسورة الوراثة والعلوم الطبية في جامعة بروان ، الدكتورة آن فاوستو – ستيرلينغ التي تصرخ منذ سنوات عديدة للبرهنة، أمام حشود متبلدة بسبب التوافقات الاجتماعية والخرافات والعمى حيال الحقيقة، بأن الأجناس البشرية لا تقتصر على الجنسين اللذان جعلونا نؤمن بأنهما الجنسان الوحيدان – مذكر ومؤنث- بل هناك على الأقل خمسة أجناس، وربما أكثر ! ومع أنني أعترض لأسباب لغوية صوتية على الأسماء التي اختارتها الدكتور فاوستو – ستيرلينغ ( herms – merms – ferms ) للأجناس الثلاثة الوسيطة بين ما هو مذكر ومؤنث، وقد أملتها عليها علوم البيولوجيا و الوراثة والجنس، إلا أنني أحيي في أبحاثها وأبحاث العلماء مثلها بعض الحلفاء الأقوياء لمن هم مثل هذا الجبان الذي يكتب لك، يؤمنون بأن التقسيم المانوي للبشرية إلى رجال ونساء هو وهم جماعي، وخثارة مؤامرة ضد الاستقلالية الفردية – و بالتالي ضد الحرية -، وتزوير علمي متوج بفضل السعي التقليدي للدول والأديان والأنظمة التشريعية إلى الحفاظ على هذا النظام الثنائي، ضد طبيعة تفنده كل لحظة .

إن مخيلة التحرر الأقصى في الميثولوجيا الهيلينية كانت تعرف ذلك جيداً حين أذنت بهذه الصيغة التركيبية من هرمس وأفروديت، المتمثلة في هيرما فروديت المراهق الذي ما أن أحب حورية حتى صهر جسده بها، متحولاً منذ ذلك الوقت إلى رجل – امرأة أو امرأة – رجل ( كل واحدة من هاتين الصيغتين تمثل، حسب قول الدكتورة فاوستو ستيرلينغ ، في فرد واحد لوناً مختلفاً من التآلف في الغدد الجنسية ، والهرمونات، وتركيب الصبغيات ، فينشأ بناء على ذلك، جنس مختلف عما نعرفه من الرجل والمرأة، هو تلك التنافرات الصوتية herms – merms – ferms ) ومن المهم أن نعرف أن هذا ليس ميثولوجيا وإنما هو واقع فاقع ، ذلك أنه قبل وبعد هيرمافروديت الإغريقي، ولدت مثل هالكائنات الوسيطة (ليسوا ذكوراً ولا إناثاً في المفهوم الشائع للمصطلح ) المحكومة بسبب الغباء والجهل والتعصب والأحكام المسبقة بأن تعيش متنكرة، أو – إذا ما اكتشف أمرها – بأن تتعرض إلى الحرق، والشنق ، و التعزيم بإعتبرها من نسل الشيطان ، أو العصر الحديث – يجري " تطبيعهم " منذ المهد عن طريق الجراحة والمعالجة الجينية بعلم موضوع في خدمة هذه التسميات المُضلِّلة التي لا تتقبل إلا الذكر أو الأنثى وتلقى إلى خارج المألوف ، إلى جحيم الشذوذ ، والمسوخية ، والغرابة الجسدية ، هؤلاء الأبطال الرقيقين من غير الجنسين . كل تعاطفي معهم – المزودين بخصيات ومبيضات ، ببظر مثل القضيب أو بقضيب مثل البظر ، وبإحليل ومهبل ، وقد يفرزون أحياناً حيوانات منوية في الوقت الذي يحيضون فيه . ولعلمك ، فإن هذه الحالات النادرة ليست نادرة جداً ؛ فالكتور جون موني من جامعة جون هوبكنز ، يقدر عدد من هم من غير الجنسين بأربعة بالمئة من بني البشر ( احسبي وسترين أنهم ، وحدهم يملؤون قارة بكاملها )
وجود هذه الإنسانية الواسعة المقرة علمياً ( والتي علمتُ بأمرها من خلال قراءة هذه الأعمال التي هي بالنسبة إلي ، ذات أهمية إيروتيكية قبل أي شيء ) ، على هامش ما هو طبيعي ، ومن أجل حريتها والاعتراف بها وتقبلها أناضل أيضاً بطريقتي التافهة ( أعني ، من ركني المنعزل كمتلذذ فوضوي ، محب للفن ومتع الجسد ، مكبل من وراء صورة مدير شركة تأمين فظ ) لأصعق من يسعون مثل حضرتكِ إلى فصل الإنسانية عن حظائر راكدة حسب الجنس : القضبان هنا ، والبُظر في الجانب الآخر ، المهابل إلى اليمين والخصيات إلى اليسار . هذه الابتسار الجماعي لا يتوافق مع الحقيقة . ففيما يتعلق بالجنس أيضاً ، نمثل نحن البشر مروحة من التنوع ، من الأسر ، من الاستثناءات ، ومن الأصول و الألوان . ومن أجل إمساك الحقيقة الأخيرة غير القابلة للتحول لما هو بشري ، لا بد من التخلي عن القطع ، وعن الرؤية الرعاعية والانسحاب نحو ما هو فردي .
و باختصار ، أقول لكِ إن كل حركة تسعى إلى تجاوز المعركة من أجل السيادة الفردية ( أو استعبادها إلى مستوى ثانوي ) ، مُقَدَّمة عليها مصالح جماعية – لطبقة أو عرق أو سلالة أو أمة أو جنس أو أثنية أو كنيسة أو مهنة . تبدو لي مؤامرة تريد فرض مزيد من اللجم على الحرية البشرية المهانة. هذه الحرية التي لا تصل إلى مغزاها الواسع إلا في مجال الفرد ، موطنها الدافئ وغير القابل للتجزئة الذي تجسدينه حضرتكِ ببظركِ المحارب وأجسده أنا بقضيبي المتخفي ( لدي غُلْفة على عضوي، وكذلك ابني ألفونسو، لأنني ضد الختان الديني لحديثي الولادة، ولستُ ضد الختان لمن يختارونه وهم في سن الرشد – وأدين للأسباب نفسها عمليات بتر البظر والشفرتين العلويين التي يمارسها كثيرون من الإسلاميين الأفارقة ) ويتوجب علينا أن ندافع عنها ، خصوصاً في مزاعم من يريدون تذويبنا في هذه التجمعات المشوهة و المخصية التي يحكم بها المتعطشون إلى السلطة. وكل شيء يشير كما يبدو إلى أنك وأتباعكِ تشكلون جزءاً من هذا القطيع ، ومن واجبي أن أنقل إليك خصومتي وعدائي عبر هذه الرسالة التي لا أفكر في حملها إلى البريد.

ولكي أستبعد قليلاً طابع الجديّة المأتمية الذي يطغى على رسالتي وأنهيها بابتسامة، فأنني أتحمس لأن أشير إلى قضية إيمـّّا البرغماتية الثنائي الجنس (هل يتوجب عليّ أن أقول ثنائية الجنس؟) والتي يذكرها طبيب الأمراض التناسلية هوغ هـ. يونغ ( وكذلك جون هوبكنز) التي عالجها / عالجه. لقد تربت إيـمّا على أنها طفلة، على الرغم من امتلاكها بظراً بحجم القضيب ومهبلاً مضيافاً، مما أتاح لها الاحتفال بتبادلات جنسية مع الرجال والنساء، في عزوبيتها كانت تمارس علاقاتها مع الفتيات بصورة خاصة، مؤدية دور الرجل. ثم تزوجت فيما بعد من ذكرٍ ومارست الحب كامرأة، دون أن تتلذذ بهذا الدور مثلما كانت تتلذذ بدورها الآخر؛ ولهذا كانت لها عشيقات من النساء تثقبهن ببظرها الذكري. وحين استشارت الدكتور يونغ عن حالتها، أوضح لها أنه من السهل القيام بمداخلة جراحية وتحويلها إلى رجل وحسب، لأن هذه هي حالتها كما يبدو. وكان رد إيـمّا الذي يساوي مكتبات مما قيل حول تقشف العالم البشري : " سيكون عليكَ أن تستأصل مهبلي ، أليس كذلك يا دكتور ؟ لا أظن أن هذا الحل يناسبني ، لأن رحمي هو الذي يوفر لي الطعام . فإذا ما أجريت لي العملية ، سيكون علي أن أنفصل عن زوجي وأن أبحث عن عمل. ولهذا ، أُفضّل أن أبقى مثلما أنا " . تورد هذه القصة الدكتورة آنا فاستو – ستيرلينغ في كتابها: خرافة الأجناس: نظريات بيولوجية حول المرأة والرجل، وهو كتاب أنصحك بقراءته.

وداعاً و".... " يا صديقتي.

____________________
* ماريو باغارس يوسا - روايته " دفاتر دون ريغو بيرتو "
ترجمة : صالح علماني

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا