الحمل

محمود درويش وحكاية هذه المقابلة /الكمال فـي الشعر مستحيل، لذلك أفكر دائماً بالنقصان

محمود درويش وحكاية هذه المقابلة /الكمال فـي الشعر مستحيل، لذلك أفكر دائماً بالنقصان
مقابلة مع محمود درويش



ترجمة: عبد السلام بنعبد العالي

من المؤكد أن الكتابة ليست فرضَ شكل تعبير على محتوى مَعيش. يقع الأدب جهة اللاشكل أو عدم الاكتمال كما قال غومبرويش وفَعَل Gombrowicz. الكتابة قضية صيرورة، هي دائما غير مكتملة، دائما بصدد التكوّن، وهي تتجاوز كل محتوى معيش ومُعَانى. إنها حركة، أي معبر حياة يخترق المَعيش والمُعَانى. لا تنفصل الكتابة عن الصيرورة. عندما نكتب، نصير امرأة، نصير حيوانا أو نباتا، نصير جُزيْئة إلى حدّ أن نتمنّع عن الإدراك. تترابط هذه الصيرورات فيما بينها وفق خط معين، كما في قصة لوكليزيو، أو هي تتواجد في جميع المستويات تبعاً للأبواب والعتبات والمناطق التي تشكل العالم بأسره كما في الأعمال القويّة للوفيكرافط Lovecraft. لا تتحرك الصيرورة في الاتجاه الآخر، ونحن لا نصير رجلا، لكون الرجل يمثُل كشكل تعبير مهيمن يدَّعي فرض نفسه على كل محتوى، بينما المرأة والحيوان والجزيئة تتكون من خط هروب لاينكشف حتى عندما تتخذ شكلها بذاتها. الخجل من كوننا بشرا، هل هناك مبرر آخر أفضل من هذا للكتابة؟ حتى عندما تكون المرأة هي التي تصير، فسيكون عليها أن تصير امرأة، ولا علاقة لهذه الصيرورة بتاتا بحال قارة يمكن أن تدّعي أنها عليها. ليست الصيرورة هي التوصّل إلى اتخاذ شكل (تماهي، تقليد، محاكاة)، وإنما العثور على منطقة القرب، بلوغ درجة عدم التميّز، حدود المطابقة، بحيث لا يمكننا أن نتميز عن امرأة، أو حيوان، أو جُزَيْء: لا يتعلق الأمر بخلط وعدم دقة ولا بعموميات، وإنما بلا مُتَوقَّع، بغير السابق في الوجود، وهو لا يتحدد في شكل، إلى حدّ أنه يجد فرادته في مجموع. بإمكاننا إقامة منطقة قرب مع أيّ شيء، شريطة توفير الأدوات الأدبية المناسبة لذلك، مثلما يتمّ مع النبات النجمي حسب أندري دوتيل A.Dhotel. شيء ما يمر بين الجنسين، وبين الأجناس. الصيرورة تكون دائما «بين» أو «وسط»: نصير امرأة بين النساء، حيواناً بين حيوانات أخرى. بيد أن الصيغة النكرة لا تفعل فعلها إلا إذا كان الطرف الذي يعمل على أن يصير قد نزعت عنه الخصائص الشكلية التي تعطيه صورة المعرّف (هذا الحيوان المشار إليه). عندما يصير لوكليزيو هنديا، فهو هندي غير مكتمل، لا يعرف «فلاحة الذرة ولا تهييء قطع زورق»: يدخل في منطقة قرب أكثر مما يكتسب مميزات شكلية. الأمر ذاته بالنسبة لكافكا وبطل السباحة الذي لا يعرف العوم. كل كتابة تحتوي على جانب رياضي، ولكن بعيدا عن أن أوفّق بين الأدب والرياضة، أو أن أجعل الكتابة لعبة من الألعاب الأولمبية، فإن هذه الرياضة تتم في الهروب والخذلان العضوي: إنه رياضي فوق السرير كما كان يقول الشاعر ميشو. إننا نصير حيوانا بقدر ما يموت الحيوان، وعلى عكس ما يذهب إليه حكم مسبق ذي نزعة روحية، فإن الحيوان هو الذي يعرف كيف يموت، وهو الذي يُحس بذلك ويستشعره. يبدأ الأدب بموت الخنزير الملحمي، حسب تعبير لورانس، أو موت الفأرة حسب كافكا: «قوائمنا الصغيرة المسكينة الحمراء وقد امتدت في حركة استرحام». نكتب من أجل الثيران التي تموت، كما كان يقول موريتز Moritz. على اللغة أن تبلغ منعطفات نِسوية، حيوانية وجُزَيْئية، وكل منعطف هو صيرورة قاتلة. ليست هناك خطوط مستقيمة، لا في الأشياء ولا في اللغة. التراكيب هي مجموع المنعطفات الضرورية التي تُستحدث كل مرة للكشف عما في الأشياء من حياة.

الأوهام عن الأدب

ليست الكتابة هي أن تحكي ذكرياتك وأسفارك ومغامراتك العاطفية وأحزانك وأحلامك وأوهامك. أن تبالغ في الواقعية أو التخييل، فالأمر سيان: في الحالتين كلتيهما، يتعلق الأمر بحكاية بابا-ماما، والبنية الأوديبية التي نُسقطها على الواقع أو التي نستبطنها في الخيال. ففي نهاية المسار سيتعلق الأمر بالبحث عن أب، كما في الحلم، وذلك ضمن مفهوم عن الأدب يحيل إلى الطفولة. أكتب من أجل أبي-أمي. دفعَت المحللة النفسانية مارت روبير هذا المنزع نحو الطفولة، وهذا الإضفاء للتحليل النفسي على الأدب إلى حدّ أنها لم تترك للروائي أيّ اختيار عدا كونه ابنا غير شرعي، أو كونه ابنا عُثر عليه. حتى الصيرورة- حيونا لم تنج من الاختزال الأوديبي على غرار «قطي، كلبي». كما يقول لورنس، «إذا كنت زرافة، وكان الأنجليز العاديين الذين يكتبون عني كلابا ظريفة مهذبة، فإن كل الدواعي متوافرة، الحيوانات مختلفة فيما بينها.. وأنتم تكرهون الحيوان الذي أنا إياه». بصفة عامة، فإن الأوهام عن الأدب لا تعامل النكرة إلا كقناع يخفي معرّفا: فعوض القول «طفل ما قد ضُرب»، سرعان ما يقال «أبي ضربني». غير أن الأدب يتبع المسلك المعاكس، وهو لا يفرض نفسه إلا عندما يكشف وراء الأشخاص-المظاهر، قوة لا-شخصيّ لا يكون أبدا شيئا عاما، وإنما تفرّدا في منتهى الدقة: رجلٌ، امرأةٌ، حيوانٌ، بطنٌ، طفلٌ… ليست صيغتا المتكلم والمخاطب هما اللتان تستعملان في المنطوقات الأدبية، لا يبدأ الأدب إلا حينما تتولد فينا صيغة ثالثة تنزع عنا إمكانية قول أنا(المحايد عند بلانشو). صحيح أن الشخوص الأدبية تحلّ في أفراد، وهي ليست لا عائمة ولا عامة، إلا أن جميع سماتها الفردية ترفعها إلى مستوى رؤية ينقلها إلى نكرة كصيرورة تفوقها قوة: آشاب ورؤية موبي ديكMoby Dick.[ ].

ليس المرض حركة، وإنما هو توقف عن الحركة، مثلما هي «حالة نيتشه». وهكذا فالكاتب من حيث هو كذلك، ليس مريضا، هو بالأحرى طبيب، طبيب نفسه، وطبيب العالم. العالم هو مجموع أعراض مرض يمتزج مع الإنسان. يبدو العالم حينئذ كمشروع صحة: لا لأن الكاتب بالضرورة يتمتع بصحة جيدة، وإنما كونه يتمتع بقليل لا يقهر من الصحة مبعثه كونه رأى وسمع أشياء تفوقه عظمة وقوة، يضنيه المرور بها، فتفتحه على مصائر لا تقوى عليها صحة وعافية تامة. يخرج الكاتب من جراء ما رآه وسمعه مُحْمَرّ العينين، مثقوب طبلتي الأذنين. ما هي الصحة التي تكفي لتحرير الحياة حيثما كانت سجينة عند الإنسان وبواسطته، عند العضويات والأجناس؟ إنها الصحة الأقلية كما هي عند سبينوزا، مادامت مستمرة، شاهدة حتى النهاية على رؤية جديدة تنفتح عليها عند عبورها.

الصحة كأدب وكتابة، تقتضي ابتكار شعب تكون الحاجة ماسّة إليه. من مهام الخيال الأدبي ابتكار شعب. لا نكتب عن ذكرياتنا، اللهم إلا إذا جعلنا منها مصدرا أو قدرا جماعيا لمستقبل شعب مازال غارقا تحت خياناته وإنكاراته. يتمتع الأدب الأميركي بالقدرة الرائعة على إنتاج كتَّاب بإمكانهم أن يحكوا عن ذكرياتهم الخاصة، لكن كما لو أنها كانت ذكريات شعب كوني يتكون من مهاجري جميع البلدان. «يدوّن توماس فولف كل أميركا من حيث يمكنها أن توجد في تجربة إنسان واحد بعينه». أكيد أن الأمر لا يتعلق بشعب مدعو إلى السيطرة على العالم، بل بشعب أقلّي، شعب ضعيف على الدوام، مأخوذ في صيرورة ثورية. ربما لا وجود له إلا في دماغ الكاتب، شعب هجين، أقلي، لا حول له ولا قوة، دائما في صيرورة، دائما غير مكتمل. لا تعني الهجانة هنا وضعية عائلية، وإنما حركة الأعراق وانسياقها. أنا حيوان، زنجي من العرق الأقلي وهذا منذ الأزل. هذه صيرورة الكاتب. كافكا بالنسبة لأوروبا الوسطى، ميلفيل Melville بالنسبة لأميركا، كلاهما يقدم الأدب كتعبير جماعي لشعب أقلي، أو لجميع الشعوب الأقلية، التي لا تجد التعبير عنها إلا عند الكاتب وعن طريقه.[ ].

ما يقوم به الأدب في اللغة يتجلى بكيفية أكثر وضوحا: فالأدب، كما يقول بروست، يرسم في اللغة نوعا من اللغة الأجنبية، التي ليست لغة أخرى، ولا لهجة مستعادة، وإنما صيرورة اللغة آخرَ، سعي أقلّي لهذه اللغة الأكثرية، هذيان يفرض ذاته، خط عجيب ينفلت من المنظومة المهيمنة. يجعل كافكا بطل السباحة يقول: «أنا أتكلم اللغة التي تتكلمها، ومع ذلك، لا أفهم ولو كلمة واحدة مما تقول». ابتكار في التراكيب والأسلوب، هذه هي صيرورة اللغة: لا ابتكار لكلمات، ولا لمصطلحات مستحدثة خارج مفعولات التركيب التي تتم فيها. إلى حدّ أن الأدب يتجلى في مظهرين، من حيث إنه يحدث شرخا في اللغة الأم، وأيضا من حيث إنه يبدع لغة في اللغة، بفضل ابتكار التراكيب. كتب بروست: «إن الكيفية الوحيدة للدفاع عن اللغة هي مهاجمتها.. كل كاتب مضطر لأن يصنع لنفسه لغته». فكما لو أن اللغة تدخل في هذيان يجعلها تحيد عن مسارها. أما المظهر الثالث، فإنه يعود لكون اللغة الأجنبية لا تنحت في اللغة نفسها من غير أن يهتز كيان اللغة ذاته ويبلغ حدّا، ويرتمي في خارج يتشكل من مرئيات ومسموعات لا تمتّ لأية لغة بصلة. هذه المرئيات ليست خيالات موهومة، وإنما أفكار حقيقية يراها الكاتب ويسمعها في ثنايا اللغة، وفجواتها. وهي ليست توقفات عن الحركة، وإنما محطات تشكل جزءا منها كخلود لا يتجلى إلا في الصيرورة، وكمنظر لا يظهر إلا في غضون الحركة. فهي لا توجد في مكان خارج عن اللغة، وإنما تشكل خارج اللغة. إنه الكاتب وهو يرى ويسمع، ذاك هو مرمى الأدب: الانتقال من الحياة نحو اللغة هو الذي يشكل الأفكار ويبني المعاني.

_________
*G.Deleuze، «La littérature et la vie »، in Critique et clinique
الاتحاد الثقافي

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top