الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة


عن المدن

معرض يوسف عبدلكي في دمشق. الخبر تم تداوله أولاً على "الفايسبوك" بكثير من الدهشة والحيرة، وبكثير من السخط أو الترحيب أيضاً، الإدانة والتشجيع، الاستنكار والتأييد. فالفنان التشكيلي السوري المعارض الذي قضى نحو 24 عاماً في منفاه الباريسي قبل أن يعود العام 2005 إلى دمشق، اعتُقل في العام 2013 لفترة وجيزة وخرج إثرها إلى المنفى مجدداً، وها هو اليوم يعود بغتة إلى دمشق "آمناً" و"حراً" و"ناشطاً" فيها، وعلى هذا النحو الاحتفالي بمعرض تشكيلي له، في لحظة سقوط حلب وتغول النظام وميليشياته أكثر من أي وقت مضى، وتفاقم النكبة السورية، وانتشاء رأس النظام بفائض الدم المسفوك.

يقول الخبر: تقيم غاليري "كامل" في دمشق معرضاً لأعمال يوسف عبدلكي. الافتتاح السبت 17 كانون الأول 2016. من الساعة الخامسة وحتى الثامنة مساءً. ويستمر المعرض لغاية 15 كانون الثاني 2017. العنوان:
مزة فيلات شرقية ـ مقابل اتحاد الكتاب العرب ـ بناء سفارة بيلا روسيا.

بالطبع، لا تشكيك في مبدئية يوسف عبدلكي كمُعارض قديم للنظام السوري، وللإستبداد عموماً، وفي عناده اليساري، وإصراره في معظم أعماله على تصوير أثار الظلم والتهميش والقمع، بلوحات طغى عليها باستمرار الرمادي والأسود وإيحاءات الغضب واليأس والاحتجاج. لا شك أيضاً أنه أحد رموز الثقافة السورية المستقلة عن الثقافة الرسمية البعثية. ولا شك في حق عبدلكي بالبقاء في بلده أو السفر منه ساعة يشاء. بل إن البقاء في بلده ليس تهمة، كما أن اختيار الهجرة والمنفى ليس عيباً.

قد يكون التشبث بالإقامة في دمشق أو اللاذقية أو طرطوس أو حمص أو حلب، وفي أي بقعة سورية، هو فعل "مقاومة" ضد "التغيير الديموغرافي"، وضد التطهير الطائفي، وضد إفراغ سوريا من نخبتها وشبابها وطاقاتها البشرية. قد يكون "النشاط الثقافي" هنا وهناك في زمن الحرب، تعبيراً عن قوة الحياة ضد الموت، بل وأحياناً فعلاً ثورياً ضد النظام نفسه. 

ليس واجباً على كل مؤيد للثورة النزوح إلى المناطق المحررة، أو الهجرة إلى اسطنبول أو باريس أو برلين، أو حَمل السلاح، أو الانضواء في تشكيل سياسي، أو ببساطة: أن يسهّل على النظام اعتقاله. بهذا المعنى، من حق كل سوري ثائر أو معارض، أن يأخذ خياره الفردي وبحسب ظروفه، في البقاء أو الرحيل، في العمل أو القعود، في المجاهرة أو الصمت.

مع ذلك، الريبة كبيرة إزاء ما "اقترفه" يوسف عبدلكي. فهذا الفنان الذي استطاع إنجاز "تسوية" ما مع النظام ليعود إلى دمشق العام 2005، في ذروة الحملة القمعية والاعتقالات ضد رموز المعارضة المدنية آنذاك لما كان يعرف باسم "ربيع دمشق"، وفي ذروة الصدام بين المجتمع الدولي ونظام الأسد، إثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري.. بدت عودته في ذاك التوقيت "هدية" مجانية لتجميل صورة النظام، بغض النظر عن دوافع عبدلكي الشخصية. وهو بالتأكيد ليس ساذجاً سياسياً، وكان يعرف أن النظام سيستثمر هذه المبادرة إعلامياً وسياسياً بوصفه نظاماً يرحب بـ"المعارضة الوطنية الشريفة"، وفق رطانته المعروفة. بل إن تلك "العودة" اندرجت ضمن حملة النظام الدعائية لـ"التلاحم الوطني"، بعد المهانة التي تلقاها بالانسحاب المذل لجيشه من لبنان، والعزلة الدولية الخانقة التي عانى منها. 

اليوم، تتفاقم تلك الريبة مع هذه العودة الثانية، وبمعرض تشكيلي احتفالي في قلب دمشق، حيث لا نشاط، مهما كانت صفته، من دون موافقة النظام وأجهزته الأمنية. بل لا تنقّل ولا تسوّق أو خروج وتجوال في العاصمة السورية، من دون عشرات الحواجز العسكرية والمخابراتية، ولا قول أو رسم أو تصوير أو نشر أو عيش عادياً من دون رضى النظام. وحين يكون يوسف عبدلكي، حاملاً صفة المُعارض السياسي والمثقف اليساري المناهض للإستبداد، هو نفسه الذي يبادر إلى علنية الإقامة الطوعية تحت سيطرة النظام، ويمارس نشاطه الثقافي الفني من غير تحفظ أو مانع، فإن صفة "المعارضة" هنا تتخذ تأويلاً مختلفاً عن تلك المعارضة التي تتعرض للقتل والإبادة والقمع الوحشي. ويجوز الظن أن عبدلكي والنظام توصلا إلى تفاهمٍ ما يتيح التعايش بينهما. ويمكن التخمين، بلا مجازفة، أن أصل التفاهم الافتراضي (وربما غير المكتوب) إقرار ضمني أو علني وعملي من الفنان ببقاء النظام وشرعيته، واستسلام له ولسلطته. ولا شطط في الاستنتاج أن عبدلكي اتخذ مسافة آمنة عن كل المعارضة السورية التي تطالب بإسقاط النظام، وتبرّأ عملياً من شعارات الثورة، حتى ولو ظل يتلفظ بها شفهياً على طريقة أدونيس أو قدري جميل، أو وفق ما يتلفظ به بعض اليسار التقليدي، وعلمانيو جريدة "الأخبار"، من "أولوية محاربة الإرهاب" أي: النظام أرحم من الإسلام السياسي، وإن الثورة انحرفت أو تمت مصادرتها.. إلخ، من مقولات تبريرية تهرباً من ثمن التمرد على النظام، وإراحة للضمير من عبء التضامن مع مئات آلاف الضحايا وملايين المشردين وعشرات آلاف المعتقلين ومئات آلاف المفقودين.

يدري عبدلكي أن صدى معرضه ليس "تشكيلياً" ولن يكون حول تحولاته الأسلوبية واللونية والشكلية، ولو توقف كثيرون عند لوحات العري المستجدة والمتشحة بالكآبة (!!)، فها أن أبرز المقالات الصحافية عن المعرض تُجمع على القول بأن مبادرة يوسف عبدلكي هي "إخصاء تام للرواية السخيفة التي أشاعها ويشيعها "مناضلون" و"ثوّار" لم يكتفوا بتفضيل السلامة بعيداً فحسب، بل كانوا الأعلى زعيقاً وتحريضاً على الموت بعدما غدوا في مأمن (...)"، في كلام موجّه إلى كل قوى الثورة السورية والمعارضة الجذرية للنظام، يعني في ما يعنيه، أن عبدلكي بخياره هذا، هو "الوطني"، وأن الآخرين المهددين بالإستئصال اليوم في حلب وكل سوريا هم "خونة" أو مضللون أو ظلاميون وإرهابيون.

يعي الفنان أن مساكنة النظام على هذا النحو، هي رسالة فحواها أن "الصواب" هو في إلقاء السلاح والاستسلام والقبول بالسقف الذي يضعه نظام الأسد لأي اعتراض: "كن معارضاً مبدئياً لكن تخلّى عن ثورتك". هذه بالضبط الفحوى الخفية لتحول لوحة عبدلكي من وجه "أم الشهيد" إلى "إيروتيكية" العري الهانئة.. الخالية من "السياسة".

في العام 2005، سُئل الفنان عن "شروط" عودته وظروفها، فقال نافياً أي "تسوية": "لا أريد أن أعود بواسطة. من حقي أن أعود إلى بلدي من دون اتفاق أمني مع جهة ما". يمكن عدم تصديق ذلك، نظراً إلى معرفة الجميع بطبيعة النظام الوحشية وغير المتساهلة مع معارضيه، أو يمكننا تصديق هذا الكلام بالنظر إلى لحظة ضعف النظام وحاجته إلى تبييض صورته آنذاك. مع ذلك، فثمة التباس أخلاقي وسياسي أكبر يغلف قرار عودته الثانية، راهناً، إلى دمشق بعد كل ما اقترفه النظام بحق رفاق عبدلكي وبحق ملايين السوريين. لا يمكن لعبدلكي أن يمنعنا من الانتباه إلى مغزى مبادرته فيما البراميل المتفجرة تنزل على المدن والبلدات والقرى، ويهيم مئات الآلاف من سكان حلب في عراء التهجير، وفيما عشرات الآلاف من مواطنيه يتعرضون للتعذيب في أقبية المخابرات على مقربة من معرضه بالذات. 

مبادرة عبدلكي، وبغض النظر عن نواياه، هي "خدمة" كبيرة لنظام الإجرام، بل هي شهادة تصديق على مقولة "الموالين": سوريا بخير. لا يمكن لعبدلكي تجاهل أثر معرضه بالمعنى السياسي: تهليل الموالين (والرماديين) لهذا الحدث، وتحفظ المعارضين عليه. في أفضل الأحوال، يبدو عبدلكي قريباً من سلوك "الذمية" المهادنة والخانعة.

التساؤل الأخلاقي والسياسي حول "معرض ومعارضة" يوسف عبدلكي، يمكن اختصاره في رأي ياسين الحاج صالح، الذي أجابنا: "لا وجه للوم أحد على عيشه في بلده أو عودته إليه بعد غياب. الطبيعي أن نعيش كلنا في بلدنا وليس في غيره. نبقى في البلد أو نخرج منه وفقاً لدرجات من الاضطرار والاختيار. فإن كنا مضطرين، انقطع كل كلام. وإن كنا مختارين، فالمعيار هو ما إذا كان بقاؤنا أو خروجنا يعطينا هامش حركة أوسع من أجل قضية التحرر السورية العامة. ليس هناك خيار بلا ثمن، وفي شروطنا العيانية ينبغي طرح أسئلة بخصوص الدور الذي قد نرتضي القيام به حين نكون مختارين، وما يحتمل أن نضطر للقبول به من تسويات ورقابة ذاتية، أو من أشكال من الصمت والمراعاة من دون إقرار منا بذلك، وربما من حسابات بغرض الاحتفاظ بهوامش حركة شخصية أوسع. المسألة في النهاية لا تنحصر في أن نكون في الداخل أو في الخارج. المسألة هي ما إذا كان نستطيع الخروج من البلد والعودة إليه، وبأي ثمن؟".

هذا الجواب يعود بنا إلى معنى الثورة السورية الأول: طلب الحرية. وهذا، على ما يبدو، أصبح رمادياً عند يوسف عبدلكي. 

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top