الحمل

محمود درويش وحكاية هذه المقابلة /الكمال فـي الشعر مستحيل، لذلك أفكر دائماً بالنقصان

محمود درويش وحكاية هذه المقابلة /الكمال فـي الشعر مستحيل، لذلك أفكر دائماً بالنقصان
مقابلة مع محمود درويش



 لا يفوّت ماريو بارغس يوسا، الكاتب البيروفي الشهير الحائز على جائزة نوبل، أي فرصة إلا وينتقد الغرب ويضغط على أوجاعه، إنه الدور الذي يراه فرضًا على المثقف، والطريقة التي يعبّر بها عن اختناقه من فشل سياسات تفعل عكس ما تدعي.

ننشر هنا ترجمة لمقاله الجديد المنشور في جريدة "الباييس" الإسبانية بعنوان: "انهيار الغرب". نقلا عن ضفة ثالثة.



 البداية كانت "البريكست"، والآن انتخاب ترامب رئيسًا للولايات المتحدة. لا ينقصنا إلا فوز مارين لو بن في الانتخابات الفرنسية القادمة ليتضح لنا أن الغرب، مهد ثقافة الحرية والتقدم، بات مرعوبًا من التغيرات العالمية الكبرى الناتجة عن العولمة، ويريد أن يتراجع جذريًا ليحتمي فيما سمّاه بوبر بـ "نداء القبيلة"- بمعنى القومية وكل العيوب الخلقية مثل كراهية الأجانب والعنصرية وسياسة الحماية والانعزالية-، وكأن إيقاف الزمن أو التقهقر ليس إلا مسألة إدارة عقارب الساعة للوراء.

 ليس ثمة جديد في الإجراءات التي يقترحها دونالد ترامب على مواطنيه لكسب أصواتهم؛ المفاجأة أن ما يقرب من ستين مليون أميركي يصدقونه ويدعمونه في صناديق الانتخابات. لقد ألصق ديماغوجيو التاريخ الكبار كل الشرور التي تعاني منها بلدانهم بالأجانب الأشرار، ويقصدون بهم المهاجرين، بدءًا من المكسيكيين اللصوص وتجار المخدرات والمنتهكين، ونهاية بالمسلمين الإرهابيين والصينيين الذين استعمروا الأسواق الأميركية بسلعهم الرخيصة وبرواتبهم المنخفضة. وألقوا ذنب انحدار مستوى المعيشة والبطالة، طبعًا، على رجال الأعمال "الخونة" الذين نقلوا مؤسساتهم إلى الخارج ليحرموا الأميركان من العمل ويضاعفوا البطالة في الولايات المتحدة.

ليس غريبًا قولهم حماقات في حملتهم الانتخابية، الغريب أن يصدقهم أناس يُفترض أنهم متعلّمون ومطلّعون، لهم تاريخ راسخ في الديمقراطية، وأن يقنعهم ملياردير جاهل بأن ينتخبوه لرئاسة الدولة الأقوى في الكوكب.

 لقد بات أمل الكثيرين الآن أن يقوم الحزب الجمهوري، الذي فاز مجددًا بالهيمنة على المجلسين، والذي يضم مجموعة من البراغماتيين والمجرَّبين، بالسيطرة المتوازنة على اندفاعات الحاكم الجديد، وأن يقنعه بالعدول عن تطبيق الإصلاحات الغريبة التي وعد بها. وبالفعل، يتكئ النظام السياسي الأميركي على آليات للسيطرة والفرملة تسمح بمنع الرئيس من ارتكاب أي فعل جنوني. فما من شك أنه في حالة شروع الرئيس الجديد في طرد أحد عشر مليون مهاجر غير شرعي، وإغلاق الحدود في وجه مواطنين من العالم الإسلامي، وإنهاء العولمة بإلغاء كل اتفاقيات التجارة الحرة الموقّع عليها- بما فيها اتفاقية Trans Pacific Partnership- وبتجريم الشركات التي، لتخفيض نفقاتها، تنقل مصانعها لدول العالم الثالث، في هذه الحالات سيتسبب في زلزال اقتصادي واجتماعي في بلده وفي عدد كبير من البلدان الأجنبية وسيخلق أزمات دبلوماسية للولايات المتحدة.


المؤكد أن تهديده دول حلف الناتو بأنه "سيجعلهم يدفعون ثمن" دفاعهم، الذي راق لفلاديمير بوتين، سيضعف على الفور النظام الذي يحمي الدول الحرة من الإمبريالية الروسية الجديدة. وهي، بالمناسبة، الإمبريالية التي حققت نصرًا وراء نصر في السنوات الأخيرة: اقرأ أحداث القرم، سورية، أوكرانيا وجورجيا. مع ذلك لا ينبغي الاتكاء بثقة على تأثير الحزب الجمهوري المتوازن، فالقوة التي سمحت بفوز ترامب في هذه الانتخابات رغم معارضة أغلب الصحف والطبقة الأكثر ديمقراطية وتعقلًا، تبرهن أن ثمة شيئًا أكبر من الديماغوجية البسيطة والبدائية والجاهلة: إنه الشغف المعدي لكبار الساسة المشعوذين بالأفكار البسيطة والمحددة التي تجذب الجماهير، والعناد الموسوس لقادة مأخوذين بثرثرتهم ويأخذون شعوبهم بها.

 إن واحدة من أكبر المفارقات تكمن في الشعور بعدم الأمان، إذ تشققت الأرض التي كانوا يقفون عليها، ودخلت الولايات المتحدة في سقوط حر، وهي حالة دفعت ملايين الأميركانيين للتصويت لترامب- وحالة شبيهة دفعت ملايين البريطانيين للتصويت للبريكست- دون أن يكون لذلك منطق في الواقع. لقد تجاوزت الولايات المتحدة، سريعًا وبشكل أفضل من بقية دول العالم، بما فيها دول أوروبا، أزمة 2008، وعالجت في السنوات الأخيرة مشكلة البطالة وبات الاقتصاد في حالة نمو بإيقاع ممتاز. سياسيًا، تمكن النظام خلال سنوات حكم أوباما الثماني من العمل بكفاءة و58% من الشعب قيّم أداءه إيجابيًا. لماذا، إذن، هذا الشعور بالخطر الذي دفع أعدادًا كبيرة من الأميركيين لابتلاع هراءات دونالد ترامب؟

 لأن العالم القديم، في الحقيقة، لم يعد هو عالم اليوم. فبفضل العولمة والثورة التكنولوجية الكبيرة في هذا الزمن صارت حياة كل الأمم الآن (على قاعدة) "البقاء للأقوى"، وتجربة تحديات وفرص لم تُجرَّب من قبل، ما رجرج أسس الأمم القديمة، مثل بريطانيا العظمى والولايات المتحدة، وهي أمم كانت تظن أنها راسخة في هيمنتها وثرائها، وما فتح لمجتمعات أخرى- أكثر جرأة وأكثر انحيازًا لطليعية التحديث- إمكانية النمو بخطى عملاقة وبلوغ وتجاوز القوى الكبرى القديمة. هذه البانوراما الجديدة تعني، ببساطة، أن عالمنا اليوم أكثر عدالة، أو، إن أردتم، أقل ظلمًا، أقل إقليمية، أقل إقصاء، من عالم الأمس.

والآن، يجب على كل بلد أن يجدد نفسه وأن يعيد إنتاجه بشكل مستمر حتى لا يبقى في الذيل. هذا العالم الجديد يتطلب المغامرة وإعادة الابتكار من دون هدنة، يتطلب العمل الكثير والتزود بالتعليم الجيد وعدم النظر للخلف ولا الاستسلام لنوستالجيا استرجاعية. لا يمكن استعادة الماضي، كما سيكتشف سريعًا أنصار ترامب والمصوتون للبريكست. هؤلاء لن يتأخروا في الانتباه إلى أن من يقضون حياتهم في النظر للوراء لن يربحوا إلا التحول إلى تماثيل من الملح، كما حدث في القصة التوراتية.

المعنى الكامن في البريكست وفوز دونالد ترامب- وفرنسا الجبهة الوطنية- يعني أن الغرب صاحب الثورة الصناعية والاكتشافات العلمية الكبرى، حقوق الإنسان وحرية الصحافة، المجتمع المفتوح والانتخابات الحرة، الغرب الذي كان في الماضي رائدًا للعالم، بات اليوم متقاعسًا. ليس لنقصان في الاستعداد لمواجهة المستقبل مثل آخرين- على العكس- بل لرضائه عن نفسه ولجبنه، ولخوفه من اكتشاف أن الفضائل التي يظن أنه يمتكلها حصريًا، كتمييز متوارث، باتت اليوم في متناول أي بلد، مهما كان صغيرًا، ما دام يعرف استغلال الفرص الاستثنائية التي أتاحتها العولمة والبطولات التكنولوجية لكل الأمم، ولأول مرة.

 يمثل البريكست وانتصار ترامب علامة لا تخطئ على الانهيار، علامة على الموت البطيء الذي تغرق فيه البلدان حين تفقد ثقتها في نفسها، وحين تخالف العقلانية لتبدأ في الإيمان بالخزعبلات، وأولها وأكثرها وحشية وغباءً هي القومية. إنها منبع أسوأ الكوارث التي جرّبها الغرب على طول تاريخه، والآن تبعث من جديد وتلوح كرقصات مجنونة لشامانات (روحانيين لاتينيين) بدائيين، أو كشراب مؤدي للقيء وكلاهما وسيلة للانتصار على الوباء، الجفاف، الزلازل، البؤس. لن يحل ترامب ولا البريكست أي مشكلة، بل ستتفاقم المشكلات الموجودة، وسيجلبان مشكلات أخرى أشد خطورة. إنهما يمثلان التراجع عن الكفاح، الاستسلام، الطريق إلى الهاوية. وسواء في بريطانيا العظمى، أم في الولايات المتحدة، ما أن اكتشفوا الخطأ سريعًا حتى بدأ النقد الذاتي والتحسر. غير أن البكاء لا يجدي في هذه الحالة، إذ الأفضل التأمل برأس بارد، وقبول الخطأ، والعودة لطريق العقل مرة أخرى، وبداية من الآن يجب مواجهة المستقبل بشجاعة وتحدٍ.

المترجم: أحمد عبد اللطيف
- See more at: https://www.alaraby.co.uk/diffah/secondbank/2016/11/30/%D9%85%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88-%D8%A8%D8%A7%D8%B1%D8%BA%D8%B3-%D9%8A%D9%88%D8%B3%D8%A7-%D9%8A%D9%83%D8%AA%D8%A8-%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D9%86%D9%87%D9%8A%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B1%D8%A8#sthash.mpMh7R6c.dpuf

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top