عن بيضة هولاكو لخالد مطلك

10:36:00 ص
خالد مطلك


هذا ما كتبه الصديق سليم سوزه عن مسودة روايتي ، لا انشره هنا من اجل الترويج للرواية ، وهو حق طبيعي لكنني في الواقع لم أقم بنشرها حتى الان ولم افكر بذلك قريبا ،، سبب النشر هو ان الصديق سليم يدرس في جامعة أمريكية مرموقة حقلا جديدا هو الدراسات الثقافية culture studies 
غير معروف لدينا كثيرا ، وهو الأسلوب الشائع في عالمنا اليوم في القراءة النقدية بعد ان تراجعت النظريات الشكلانية لتخلي مكانها الى هذا النوع من القراءة ....

-----------------------------------------/
قرأت مسودة رواية خالد مطلك الجديدة "بيضة هولاكو" ، أي بذات الأسم نفسه لروايته القديمة التي طبعت عام ١٩٩٦ بصورة محدودة وقتئذ. لا ادري لِمَ يصر مطلك على تسمية روايته الجديدة بذات الاسم أيضاً ، ربما لخلق حالة من الغرابة والحيرة عند المتلقي كما قال لي قبل أيام.
بإعتقادي ، روايته الجديدة هذه ليست رواية بل أقرب لسيرة ذاتية أو قصيدة نثر طويلة من غير "حكاية مركزية" معجونة بأفكار فلسفية ومعلومات علمية وثقافية وسياسية عن الفن والطبيعة والحب وكل ما يشغل الانسان من حوله. إسلوب السرد ممتع جداً ، يتنقل مطلك فيه من مقطع لمقطع آخر غير مرتبط بالأول ، فيضيع القارئ في عالم كافكوي مليئ بالخيال ولذّة الصور الشعرية ، إذ كيف لإنسانٍ أن يولد من تمساح؟ وكيف لجندي أن يزرع بيوض الأسلحة التقليدية فتفقس أسلحةً أشد فتكاً ودماراً؟ كيف لوالد "شاكيرا" أن يصادق تمساحاً ويعيش على سيرك رقصاته في بركة مياه آسنة يجتمع حولها الناس بشغف؟ كيف لميلان كونديرا أن يتزوج تمساحاً؟ إنه عالم خالد مطلك ، العالم الذي صنع من الواقع والخيال وصفة سحر مجنونة جعلتني أكمل مئة صفحة من الرواية في ليلة واحدة فقط وبجلسة واحدة مستمرة لم يعكّر مزاجها سوى نوبات الإدرار اللعينة التي تلفظ بقايا السكر خارج غرفة مثانتي كل ساعة أو ساعتين.
أسلوب السرد الروائي الما بعد حداثوي أسلوب قد يبدو ممّلاً في أوّله لأنه لا يعبأ بالأسلوب التقليدي التصاعدي والوصول الى الحبكة ثم الحل شيئاً فشيئاً. كلا ، بل يعمد الى القفز والتنقل من موضوع الى آخر. خالد مطلك أجاد توظيف هذا الإسلوب بصورة بارعة وعمد الى ترك المعاني مفتوحة قابلة لتأويلاتٍ عدة. فلم يستسلم للطريقة التقليدية في صناعة المعاني ، المعاني التي تنتج من خط العلاقة الخيطي المار عبر المؤلف والنص الى القارئ ، بل صَنَعَ المعاني بخلط مبهر بين قصص ومعلومات واقعية حدثت في التاريخ فعلاً وبين خيال روائي يشوّه تلك الوقائع بتعمّد ليلبسها ثيمات فلسفية وفكرية وسياسية ، بل وحتى دينية أحياناً. ثيمات وإحالات مرنة وقابلة أن تنطبق على هذا السياسي أو ذاك الموقف أو تلك الدولة. القارئ هو مَن يحدد معانيها وليس الكاتب. طريقة صنع المعاني هذه طريقة غير مباشرة ، لكن يمكن للقارئ إدراكها من خلال عناصر التكوين الخطابي التي يشكل بها مطلك المعاني الكلّية ، أو بالأحرى تقنية الجمع بين الرموز والعلامات الخطابية المختلفة التي تصنع الصورة الكلية للمعنى. هذه التقنية يسميها شيخ نظريات التواصل والتلقّي ستوارت هول "بسياسات المغزى" Politics of Signification.
سياسات المغزى في رواية مطلك هي جمع قسري بين معلومة حقيقية كأن تكون مثلا عن متحف أوفتزي الإيطالي ، عن كاتدرائية القديس بطرس ، عن لوحة جوتو ، عن الروائي ميلان كونديرا ، عن المغنية شاكيرا ، عن حياة كاتب هذه الرواية نفسه خالد مطلك (الشاعر والصحفي الذي عمل سابقاً من رومانيا وبيلاروسيا وايطاليا لصالح صحيفة خليجية كبيرة) وبين خيال روائي يأخذ شكلاً كافكوياً مرة (تمساح يلد إنسانا ، أو أسلحة تبيض أسلحة أخرى) ، وشكلاً حقيقياً لكنه غير واقعي مرة أخرى (لقاء مطلك بأمبرتو إيكو وباولو كويليو ، أو زواج شاكيرا من عالم النفس التطوري كروك ، إحدى شخصيات الرواية). بهذا الجمع القسري يترك مطلك مهمة صنع المعاني للقارئ نفسه ، رغم أنه يشفّر نصّه برموزٍ وعلاماتٍ خطابية معينة تذهب بالقارئ نحو معنىً "مُفضّل" بالتأكيد.
في هذه الرواية ، يظهر خالد مطلك الأرستقراطي ، خالد الذي يحب الموسيقى والباليه والفن وعالم الروايات والأفلام الكلاسيكية الغربية ، فيعكس تلك القيم برسمة حروف لا تنتمي لمشاكل العالم العربي ربما. لكن أجمل ما في هذه الرواية هو أن القارئ ، وأن تسمّرت عينه أمام النص ، روحه تتنقل مع خالد مطلك بين مدن أوروبا ومتاحفها وشواطئها وشوارعها ومطاعمها. تتنقل بين أهم لوحات الرينيسانس وفنون البوروك والعصر القوطي ، مع أهم نتاجات الرسامين العالميين ، مع قصص دينية كقصة النبي موسى والأسكندر المقدوني ، مع روائع الشعراء والرواة العالميين ، مع الفلسفة الوجودية التي جسّدها خالد بسوريالية بارعة عبر محاولة التمرد التي تقودها شخوص الرواية على المؤلف نفسه (خالد مطلك) ، إذ أن في الرواية روايات أخرى متداخلة تكتبها بعض شخوص روايته فتحاول أن تصنع قدرها بعيداً عن خالد المؤلف ، لكنها في كل مرة تفشل حين تصطدم بإرادة "المؤلف" الذي رسم لها بداياتها ونهاياتها كما يشاء هو لا كما تشاء هي. بالنهاية ، شخوص رواية خالد (كما البشر جميعاً) محكومون دائماً وأبداً بإرادة "المؤلف" مهما حاولوا التمرد عليه ما دام هذا التمرد من خيال ذلك "المؤلف" نفسه أيضاً. تصبح محاولات التمرد هنا عبثاً وهو العبث الذي كتب عنه ألبير كامو قبل خالد مطلك بسنينٍ طويلة.
إنني وأنا أقرأ هذه الرواية أحصل على كنز مهم من المعلومات في سياق نصّي ممتع وشيّق بشعريته وإسلوب سرده. لم أكن أقرأ روايةً فحسب ، بل شعراً نثرياً بلغة صورية رائعة بمعانيها ودلالاتها. خذوا هذا المقطع مثلاً:
"من هذه اللحظات النادرة، تتأسس الذكريات الضاربة في العمق، لتستحيل وقوداً يمنح قصص الحب زمناً إضافياً، ذلك عندما يكون الحب قد أصبح مجرد قصة. لا يكون معها لهذه اللحظات زمن، فيها ينسى الإنسان ماضيه كله. ينفصل عن تتابعية الأحداث داخل مجال وجوده اليومي، ويسلم نفسه إلى مجال روحي متعالٍ آخر، هو مستودع الثواني الثمينة من حياتنا. لحظة المعانقة التي تسبق الوداع، هي محاولة لمرواغة هذا الوداع وتجريده من القسوة".
خالد مطلك كان قاسياً مع المرأة ، إذ لم تظهر المرأة في روايته سوى جسدٍ ومؤخرة جميلة ، فكان حضورها موضوعاً جنسياً فقط إلّا شخصية نسائية واحدة ظهرت مهتمة بالفكر والثقافة ولم ينم معها أحدٌ أو يشتهيها آخر. ثمّة وصف وتفصيل مهوّل للعلاقات الجنسية وطرق المضاجعة حتى أن الرواية قد تُصنّف ، برأيي ، رواية إيروتيك وتُمنع من الطبع في مؤسسات النشر العربية ربما. مطلك يدخل ساحة الممنوع بطريقة خطيرة ومستفِزة للتابو الإجتماعي العربي.
إنها رواية رائعة وغير تقليدية أبداً ، يمتزج فيها الخيال الفنطازي بالواقع فينتج واقعاً جديداً يسمّيه جان بودريار بالواقع المفرط Hyperreality ، أما خالد فيسميه بالسوبر واقعي ، وهو عمق فلسفة بودريار وترجمتها التي تقوم على فكرة أن العالم الحالي الذي يظهر على شاشة التلفاز وفي نصوص الادب والاعلام ومؤسسات الكلِم الأخرى ما هو إلّا محاكاة Simulation لعالم "واقعي" سابق فقدناه جميعنا. 
نحن الآن نصنع نسخاً جديدة لذلك العالم ، نسخ نعرفها جميعاً أنها نسخ غير واقعية لكننا نصر على تصديقها وتقديسها لتصبح "سوبر واقعية". هذه هي خلاصة فكرة رواية "بيضة هولاكو" أو "حديقة كونديرا" أو "التمساح" طالما لم يستقر خالد مطلك على التسمية النهائية بعد.
رواية كبيرة مثل هذه لا تستحق النهاية التي رسمها المؤلف لها. أراها نهاية باردة لأحداث ساخنة. أتمنى أن تحظى الرواية بنهاية تليق بها وبمستوى بدايتها ، إذ أنني شعرت أن المؤلف أراد أن ينهي الأحداث بشيء من العجالة فقام بغلق قصصه المتفرعة ، الواحدة تلو الأخرى ، بسرعة مضرّة بنسق الرواية. ربما نشوة الإحتفال بإنتهاء المشروع مبكراً تغلّب على لحظة التأمل الطويل بالنهايات المناسبة ، أقول ربما. عدا ذلك فأنني قضيت يومين جميلين مع هذه الرواية التي أتمناها ترى النور قريباً.
شكراً خالد مطلك وشكراً لثقتك بي وأنت تشرفني بعملك الذي لم يُطبع بعد.

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا