الحمل

محمود درويش وحكاية هذه المقابلة /الكمال فـي الشعر مستحيل، لذلك أفكر دائماً بالنقصان

محمود درويش وحكاية هذه المقابلة /الكمال فـي الشعر مستحيل، لذلك أفكر دائماً بالنقصان
مقابلة مع محمود درويش


بقدر ما كانت خطوة ترشيح سعد الحريري للعماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية غير متوقعة، فإن تصريحاته المتفائلة بالعهد الجديد كانت مثيرة للتأمل وللتخمينات. وكذلك تفاؤل سمير جعجع رئيس حزب القوات اللبنانية، والذي ألمح إلى أن انتخاب عون رئيساً يعد مكسباً، لأن الإيرانيين لم يكونوا يرغبون بحصول الانتخابات أصلاً، أما تهنئة الرئيس الإيراني للعماد عون فهي "خطوةٌ إعلامية فقط لا غير، وهي من الواجبات لا أكثر ولا أقل" ثم يضيف رئيس حزب القوات بأنه "قبل إعلان الحريري تأييده لعون بأسبوع كان هناك عدد من الدبلوماسيين الغربيين في طهران وتطرقوا إلى الملف الرئاسي والجواب كان: "الآن ليس وقت الانتخابات في لبنان".. هذا الموضوع يعبّر عن الجو الذي كان سائداً في طهران..".
هذا ما صرّح به جعجع بعيد انتخاب ميشيل عون رئيساً، مع أن عبارة "قبل إعلان الحريري تأييده لعون" ليست تفصيلاً.. فيمكن لقائل أن يعترض على تحليل جعجع بأن أحداً لم يكن يتوقع انتخاباتٍ رئاسيةً في لبنان قبل إعلان الحريري تأييده لعون..
ما هي الأسباب الحقيقية لموقف الحريري الأخير الذي غيّر المعادلة وأدى إلى انتخاباتٍ رئاسية بعد أقلَّ من عشرة أيام؟
لا أظن بأن القول بانتخابات لبنانية صرفة تعكس حقيقة ما جرى.
لا بد أن هناك معطياتٍ دوليةً وإقليميّة سمحت أو دفعت لإجرائها، وهذا ما دفع بالرئيس بري إلى تغيير لهجته والتخفيف من سوْرة غضبه، بعد أن التقط الإشارة الحقيقية على ما يبدو.
لكن السؤال التالي هو: ما الذي يدفع بالحريري وجعجع إلى التعبير عن إفراطٍ في التفاؤل بالمرحلة المقبلة؟
هل هو خطاب القسم كما أعلنا ذلك؟ وهل في الخطاب إشارات تعبر عن تبدل في موقف عون مما يدعو إلى التفاؤل؟
إن قراءة متأنية لخطاب القسم لا يمكن أن تؤدي إلى هذا الاستنتاج.
فبالرغم من بعض الإشارات العامة التي لا تلامس الموقف من القضايا الخلافية، مثل القول بالتطبيق الكامل لوثيقة الوفاق الوطني، والنهوض بالاقتصاد، ومحاربة الفساد، وتعزيز أجهزة الرقابة.. 
فإن الإشارات التي لها علاقة بالقضايا الخلافية كانت واضحة لجهة التزام عون تماماً بما يرضي حزب الله ولا يتعارض مع الاتفاقات السابقة معه.. من قوله في خطاب القسم بأنه لن "يوفر مقاومةً في سبيل تحرير ما تبقى من أرض" إلى القول بأنه سيتعامل "مع الإرهاب استباقياً.."، إلى "معالجة مسألة النزوح السوري عبر تأمين العودة السريعة.."، وهو الموضوع الذي يشكل هاجساً عند حزب الله بسبب ما يشكله النزوح السوري من اختلال ديموغرافي ليس في صالحه.."أما مشروع تعزيز الجيش وتطوير قدراته، فهذا سيكون هاجسي وأولويتي" كما جاء على لسان عون في خطاب القسم، "ليصبح جيشُنا قادراً على ردع كل أنواع الاعتداءات على وطننا، وليكون حارساً أرضه وحامياً استقلاله وحافظاً سيادته."
ولم ترد أيُّ إشارة إلى أن يكون الجيش (وحده) مثلاً حارساً للأرض أو حافظاً للسيادة .. كإشارة تطمينية للفريق المتحفظ على الدور المتنامي لحزب الله..

الملفت للانتباه أن بعض أوساط تيار المستقبل استندت لتبرير تفاؤلها إلى ما جاء في خطاب القسم عن "ضرورة ابتعاد [لبنان] عن الصراعات الخارجية، ملتزمين احترام ميثاق جامعة الدول العربية، وبشكلٍ خاص المادة الثامنة منه"..
مع أن المادة الثامنة من ميثاق الجامعة العربية تقول حرفياً بأن "تحترم كل دولة من الدول المشتركة فى الجامعة نظام الحكم القائم فى دول الجامعة الأخرى، وتعتبره حقاً من حقوق تلك الدول، وتتعهد بأن لا تقوم بعمل يرمى الى تغيير ذلك النظام فيها."
لاحظ القول باحترام "نظام الحكم القائم في دول الجامعة"، وبالتالي فإن الدفاع عن أنظمة الحكم في دول الجامعة ليس مما يدعو إلى أي تحفظ.. وبذلك فإن الإشارة في خطاب القسم إلى هذه المادة بالذات يكون تطميناً إضافياً لحزب الله ولتدخله في سوريا وليس العكس مما حاول البعض الإيحاء به.
بعد هذا الاستعراض لبعض ما جاء في خطاب القسم، والذي يوضح بأن ما جاء فيه لا يمكن أن يكون "واعداً" كما جاء على لسان جعجع، أو أن يكون مدعاة للتفاؤل كما أوحت بذلك تصريحات مسؤولي المستقبل.
فما هي الأسباب الحقيقية التي ربما تكون خلف تفاؤل المتفائلين؟
يشير بعض المعنيين بالتفاؤل إلى تفاهمات تمت مع العماد عون، وإن لم يظهر ذلك في خطابه.
ربما..
لكن يمكن لنا القول بأن ما يسمح للحريري بهذا التفاؤل، أو باعتماد هذا الخيار، أنه في كل الأحوال يبقى أفضل من خيار الفراغ، الذي كان يمكن أن يتفاقم أكثر فيما لو حصلت أزمة كانت تلوح بوادرُها في مجلس الوزراء.. إضافة إلى الوضع المالي المهترئ الذي دفع أخيراً إلى استدانة مبلغ ملياري دولار بفائدة قياسية للحفاظ على سعر صرف الليرة اللبنانية.
العامل الثاني ربما، هو عامل العودة إلى السلطة. وأظنها حاجة لدى الخصوم بقدر ما هي رغبة لدى الحريري، الذي يظن أنها ستكون سهلة وميسرة لأن أحداً لا يريد الوقوف في وجه العماد عون (الراغب في تحقيق إنجازات في عهده)، وبخاصة حزب الله.
والسبب الأهم والمضمَر ربما، وهو سبب مشترك بين القوات والمستقبل، وهو يكمن في الرهان على أن يكون وصول العماد عون إلى الرئاسة سبباً في الافتراق بينه وبين حزب الله، بسبب المشروعين المتناقضين: فإذا كان العماد عون سيسعى إلى تعزيز مؤسسات الدولة، فإنه حتماً سيصطدم بحزب الله الذي ليس له مصلحة في ذلك.
والسؤال الأخير هو هل سيكون أمر تشكيل الحكومة يسيراً كما يتوقع البعض، أم أنه ستكون أمامه عقبات وعقبات، وقد كان أول الغيث ما أوحى به نصرالله اليوم من خلال مديحه لصبر تمّام سلام ودعوته لاستنفار هذا الصبر أيضاً في مرحلة تصريف الأعمال، بما يوحي بأنها مرحلة قد تطول أيضاً؟
كيف سيتمكن الرئيس المكلف من إشباع نهم الجميع إلى الحقائب الوزارية، بدءاً من التيار الوطني الحر الذي أعلن أن حصة رئيس الجمهورية مستقلة عن حصة التيار؟
ثم حصة القوات اللبنانية التي تطالب بثلاث حقائب على الأرجح.
ثم حصة الوزير فرنجية وحركة أمل وحزب الله (الذي لن يرضى إلا بما يرضى به الرئيس برّي) والمستقبل وغيرهم وغيرهم..
وماذا عن توزيع الحقائب الأساسية؟ 
هل ستكون كل هذه التعقيدات مجرد رفع سقف التفاوض للقبول بالممكن، أم أنها ستكون عقباتٍ حقيقيةً تجعل الحريري يقبل بالتكليف دون التأليف كبديل عن الفراغ الرئاسي؟

هذا ما ستجيب عنه الأيام القادمة.
(محمد الحجيري)
4/11/2016

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top