فوزي يمين... التجريب قرين الخريب(*)

7:32:00 ص


لطالما اعتبرتُ، خلال مسيرتي الكتابيّة، والتي تمتدّ على مدى عشرات السنوات، أنّ التجريب قرينُ التخريب. لا أعرف كيف ولماذا ومتى تحديداً انْزرعتْ هذه الفكرة في رأسي. شيء ما كان يتحرّك، ولا يزال، يدفعني إلى كسْر القوالب. مذ كنتُ تلميذاً أتعلّم الأوزان الخليليّة على مقاعد المدرسة في البلدة، على يد أستاذ سرعان ما خرجت عليه وعلى أوزانه، مروراً بقصيدة التفعيلة في خروجها على العروض التقليديّ، وصولاً إلى قصيدة النثر في خروجها الكلّي عن الوزن والقافية. 
كنتُ، طوال هذه الفترة، أكتب لأحرق. وكلّما حرقتُ، نثرتُ الرّماد ورائي وتقدّمتُ. إلى أين؟ لا أعرف. ربّما، وهذا ما تبيّن لي مع الوقت، باتّجاه لغة مفقودة، لاهثاً وراء جملة ضائعة. بصراحة، إنّي أعتبر أنّ لغتي فُقِدَتْ، مذ بدأتُ أتكلّم وأكتب. مذ أصبحتْ للكلمات دلالات ورموز وعلائق وروابط ومصطلحات. أعتقد أنّي أبحث عن معنى أجوف، عن كلمات محرومة، محبوسة داخل الحلق، مخنوقة، تتداعى ولا مَن يستجيب. إذ، في كلّ مرّة، أبدأ من جملة تقذفني على ظهر جملة. شيءٌ ما ينطلق منه كلّ شيء، ويتفجّر في اتّجاه لا اتّجاه محدّداً له. جُمَلٌ متفرّقة لا يشبه بعضها بعضاً، لا أعرف كيف تلتقي، وما الخيط الذي يربطها ويغزلها غزلة واحدة.
هكذا انزلقتُ من العناوين الكبيرة، كالوطن والأمّ والحبّ، وانضممتُ إلى اللحظات الفالتة المرخيّة، والفسحات الهوائيّة الهشّة والرّخوة. نزلتُ من رومانسيّة الجبال والوديان والأشجار إلى الرّدهات الخالية في البيوت الضيّقة، والأروقة النّحيلة المسلولة. انحدرتُ من قصور البيان وأبراج البلاغة لأجلس حافي القدمين واللغة مع أصدقاء بسطاء على قارعة رصيف بمحاذاة مقهى. هناك، جلستُ على حرف المقهى، وغطّستُ رِجلي في الطريق. راقبتُ الحياة تمرّ قربي في الشارع. رميتُ بضع كلمات إلى العابرين فتجاوبوا، كالخبز إلى البطّ. حاولتُ تركيب لغة يوميّة من الحياة الجارية. من كلّ ما ترتطم به قدمي، ومن كلّ ما يقع تحت يدي. من علاقتي بالوقت، والغيوم طبعاً. من ذكريات دفينة وأحلام مستعارة. من تأمُّلي الحياة والموت شجرتين متلاصقتين في حديقتي، جنباً إلى جنب، تتقاسمان الضّوء نفسه الظلّ نفسه. من وقوفي لحظة أمام القضايا البشريّة الكبرى، ودهراً أمام محلّ بائع الفلافل أستمزج قرصه والشّمس. من كلّ ذلك، وسواه، مخلوطاً بعضه ببعض لا أعرف كيف.

ولم أكن أجد نفسي، وأنا أصنع لغتي، إلاّ مُنحنياً على التّفاصيل، والتّفاصيل سرعان ما كانت تبرق وتختفي.
هذا التّجريب، هذا الخروج على، لم يكنْ خروجاً على اللغة فحسب، بل على كلّ شيء تقريباً. وما ينسحب على الكتابة عندي، ينسحب أيضاً على الحياة. واللغة، بكونها سلطة، فالخروج عليها هو على السّلطة أيضاً، كلّ سلطة: الأهل، المدرسة، الدّين، المجتمع، السياسة. الخروج على كلّ الأعراف والتقاليد والمتوارَثات والمشترَكات: الاجتماعيّة، القيميّة والتربويّة. كأنّما المطلوب واحد: دَكُّ المُسلّمات. فأنا شخصيّاً، أكتبُ لأتحرّر. من مشاعري أوّلاً، ثمّ من كلّ ما يضغط عليّ، ويمسكني من مفاصلي كرطوبة. من كلّ العقد والحواجز والمفاهيم، تلك التي تراكمتْ، ولا تزال، منذ "في البدء كان الكلمة" حتّى هذه اللحظة التي مرّتْ الآن وأنا أقولُ ما أقول. وأيضاً من كلّ الحدود التي صنعناها بأنفسنا لأنفسنا، واستلقيْنا وراءها مُطمئنّين، ثمّ فجأة استيقظْنا مطالبين بنسفها.
كان واضحاً لي منذ البداية، وأنا أقوم بكلّ ذلك، أنّي أجيء إلى الكتابة بلا أيِّ لغة. أجيء ولغتي ليست معي. أصنعها وأنا أكتبها. إيماناً منّي بأنّ الحقيقة، حقيقة ما يكتبه الإنسان، لا تأتي قبل الكلمات، إنّما تخرج من عراكها فوق أرض التجريب لتستوي. فعلى الكلمة أن تنطلق من ذاتها وليس من تركيب لغويّ مُسبَق، تُولّد نفسها بنفسها، لحظةَ تُكتَب. بالتالي كان واضحاً لي أيضاً، أنّ الكتابة استكشاف ومغامرة، تصنع لنا حرّيتنا، وتكون خلاصنا من صمت عزلاتنا حيناً، ومن صخب جماهيريّتنا حيناً آخر. 
الكتابة، أن نمدّ يداً في فراغ، على أمل أن يكون هناك أحد ما في مكان ما. على أمل أن يتمّ لقاء، ولو وهميّ، وعلى أمل أن يُقام حوار، ولو افتراضيّ.
وهكذا دواليْك... الخروج أيضاً ودائماً على ما تمّ الخروج عليه مُسبقاً. من دون ادّعاء أيّ نظريّة ثابتة أو مفهومٍ محدّد، ومن دون أيِّ انتماء إلى أيّ مضمون أو شكل.
أن يفجّر الإنسان اللغة ليتحرّر.
أن تخون اللغة نفسها كلّ يوم كي تبقى على قيد الحياة. 
وأن تخرج الحياة نحو حياة جديدة.
هكذا الكتابة، كديناميّة للتجريب، وطاقة للتخريب، تغدو السبيل الأوحد إلى التحرُّر. أمّا تحرُّر الأوطان والشعوب فلا طاقة لي على التفكير به، ولا حيلة في يدي على تحقيق أيّ غرض منه. 
الكتابة هي الرّبيع، ليس الرّبيع العربيّ فحسب، بل كلّ ربيع وشباب.
والكتابة تجابه الحدث والمصير، وتتحرّك ضدّ التبعيّات، إلى جانب الصّراع من أجل الحرّية، في كلّ زمان ومكان.
في النهاية، الكلمات تراوغ والمعنى يختفي. فماذا قلتُ؟ إنْ سألتمُوني سأجيب. ومن جرّبَ مُجرّباً كان عقله مُخرّباً.


(مداخلتي التي ألقيتُها في الجامعة الأميركيّة في بيروت نهار الثلاثاء 15 نوفمبر 2016 حول دور الشباب في اختبار أنواع كتابيّة جديدة، بدعوة من جمعيّة "قلم" Pen الثقافيّة اللبنانيّة ضمن برنامجها "طُرُق الحوار") 

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا