الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة


 عن الحياة
صوت في حيرة من أمره يمضي وكأنه يتلمس طريقه في لحن بسيط مثل ألحان أغاني الأطفال أو في اغنية نتجرعها كما نفعل حين نغامر خبط عشواء في الوجود. ورنة صوته كأنها متحفظة أو بعيدة المنال، مع انها تخفق على وقع لجاجة الكلمات الشعائرية. وبدأ ليونارد كوهين مسيرته المهنية في الغناء في سن الثانية والثلاثين، وقلب رأساً على عقب معايير موسيقى الروك ان رول، وغيّر تاريخ الثقافة الغربية. وهو دخل عالم الفن من الكتابة والشعر، فهو صاحب «أفلانش» (انهيار جليدي) و»هاليلويا» و»سو لونغ» و»ماريان». وتحمل موسيقاه نفحة أدبه وكأنها صدى كتاباته. وهو رمز الالتقاء الغريب والبديهي، في آن، بين الأدب والروك، قبل عقود من تجرؤ المفكرين على مدح ما سموه «بوب كالتشر» (ثقافة البوب أو الثقافة الشعبية). وفي ترويج ألبوم كوهين الأول في 1967، «سونغس اوف ليونارد كوهين» (أغاني ليونارد كوهين)، لجأت شركة «كولومبيا» الى عبارة وردت في «بوستون غلوب» في وصف روايته الأولى: «جايمس جويس إذ نات ديد» (جايمس جويس لم يمت). ومقارنته بجايمس جويس قد لا تكون في محلها في ميزان تاريخ الأدب، ولكنها مرآة هالة الأديب الكبير التي كانت تلف كوهين في عيون مستمعيه الذين كانوا لا يرون ان اسطواناته قصائد جديدة نُقلت الى عالم الموسيقى، بل التحام هائل بين الكلمات والنوتات والألحان وتجسيد ذروة العصر الذهبي لموسيقى البوب يوم كانت لصيقة بالثقافة المضادة. ولم يكن اعتراض محبيه وجمهوره على منح لجنة نوبل جائزة نوبل للأدب إلى بوب ديلن، وليد محبة ومودة او انحياز اعتباطي فحسب. فهذا الكندي كان أديباً، شأن ديلن. وأدبه من نوع آخر، ولكنه متوهج مثل نظيره الديلني (نسبة الى ديلن).

وبعض كلمات اغانيه هي من اعظم الأعمال الشعرية بالإنكليزية في القرن العشرين. وبعض قصائده قرئت أكثر من كلمات أغان شعبية. وفي 1969، أسرّ في مقابلة مع «نيويورك تايمز» انه يخلط بين الشعر والأغاني: «لا فرق بين أغنية وقصيدة. وفي بعض الأحيان، أغانيي هي قصائد في وقت اول، وفي أحيان أخرى، قصائدي هي أغان... وكل كتاباتي أخصص لها ألحاناً موسيقية ترافق تلاوتها على وقع الغيتار». وحين صدر ألبومه الأول في كانون الأول (ديسمبر) 1967، كان كوهين فناناً ناجزاً، يرتدي بدلة مخططة من رأسه إلى أخمص قدميه. فالألبوم وسم بـ «أغاني ليونارد كوهين» وكأن صاحبه ذائع الصيت وحياته ناجزة أو مكتملة قبل ان يبدأ الغناء. وأغنيته الأولى يعجز وصفها بالكلاسيكية عن نقل ما تحمله من نفحة أبدية تسري فيها. فـ «سوزن» اريستوقراطية من عالم موسيقى الفولك في غرينويش فيلج. ولحن الأغنية هذه يوحي بأن كوهين كان ليكون في زمن آخر وفي بلد آخر، واضع أغان روحانية أو مدوناً انجيلياً، وهو لا يحاكي كيرواك او فولكنر او ميلتون بل يقارع مصاف هوميروس والملك داود. وكوهين كان يعد لتغيير العالم منذ ولادته في مونتريال في 1934. وهو قال أكثر من مرة في مسيرته المهنية إنه كان في طفولته صاحب رؤى خلاصية. ولم يخفَ عليه أنه سيكون عظيم الشأن، قائداً أو كاتباً. وعاش حياته وهو ينتظر هذه اللحظة المفصلية (الارتقاء الى مصاف رجل يخلف بصمته في العالم) على وقع السفر والحب والكتابة والإقبال على تجارب متباينة. وعلى خلاف عدد من اساطير البوب الذين تُجمع سيرهم الذاتية على سردية تتبع خطاً مستقيماً من الطفولة الى الخاتمة، من العسير تناول سيرة كوهين المتعرّجة. فهو كان في حيرة من امره طوال ثلاثة عقود. وهذه الحيرة هي وراء اختلاف طريقة غنائه عن اسلافه ومعاصريه وورثته.

وموت والده المفاجئ في 1944، يوم كان في الثانية والخمسين من العمر، حمل ليونارد اليافع على كتابة نصه الأول، وهو في التاسعة من العمر. وروى هذه الحكاية في قصته «ذي فايفوريت غايم» وفي قصتين تجمعان السيرة الى الرواية. وعشية الجنازة، سرق ربطة عنق والده وأحدث مزقاً فيها زرع فيه نصاً كتبه، ودفنها في اليوم التالي في الحديقة. وإلى هذه الحادثة، خلفت حوادث اخرى اثراً كبيراً فيه. فالبطل في «ذي فايفوريت غايم» ينوّم مغناطيسياً الخادمة، شأن ليونارد الشاب الذي حمل الخادمة وهي «منوّمة» على خلع ثيابها. فشعر بالمتعة الجسمانية والسلطان الناجم عن القدرة على الإغواء. وهو اشترى غيتاراً كلاسيكياً مقابل 12 دولاراً كندياً، وأصيب بأول انهيار عصبي يوم كان في السابعة عشرة من العمر، وتعرف على سفر اشعياء حين كان يقرأه مع جده لأمه، الحاخام سولومون كلونيتسكي- كلين، ووقع على قصائد غارسيا لوركا في 1950 في مكتبة صغيرة في مونتريال.


* صحافي، عن «ليبراسيون» الفرنسية، 13/11/2016، إعداد منال نحاس.

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top