الحمل

فواز طرابلسي عن سمير قصير

فواز طرابلسي عن سمير قصير
عن سمير قصير

  I



ترجمة وتقديم وتعليق عبد العزيز العيادي

جيورجيو أغامبن فيلسوف إيطاليّ معاصر ولد سنة 1942 بروما. درّس بالعديد من الجامعات الإيطالية والأوروبية، اعتزل اليوم التدريس لكنه ظلّ فاعلا وعاملا في الحقل الفلسفي من خلال المحاضرات والندوات. له كتب عديدة من أهمّها هذا الذي أقبلنا على ترجمة جزئه الأوّل، نعني المنبوذ. السلطة السيادية والحياة العارية. وليس لنا أن نذهب في هذا التقديم إلى التحجّج بعسر مادّته وبخليط الألسن فيه وهو ما أتعبنا ولكنّا تغلّبنا عليه. فالعسر له أهله وهم جديرون بالاستقواء عليه همّا وتعنّيا ومسؤولية.
 هذا الكتاب، مثلما يدلّ على ذلك عنوانه، يتطرّق إلى إشكال من أهمّ الإشكالات المعاصرة انطلاقا من مدخلين منهجيين مختلفين لكنهما غير متباعدين، نعني الجنيالوجيا والأركيولوجيا. إذا كان الأوّل يجعلنا نستحضر نيتشه والثاني يحيلنا على فوكو، فإنّ هذين الاسمين ليسا غريبين على أغامبن ولا على مرجعياته النظرية وهو الذي يعلن مواصلة الحفريات الفوكوية وتطويرها.

المنبوذ وجه قديم تعاطى معه القانون الروماني وهو قائم من قَبل ذلك في «الحياة البدائية للشعوب الهندو- أوروبية» - وينسى أغامبن أو يغفل عن جهل صورة الصعلوك في الحضارة العربية -. استمرّ هذا الوجه بصورة أخرى في القرون الوسطى وفي زمن الحداثة وبشكل أقسى وأقصى في الوجود المعاصر من خلال وضع المهمَّشين والمقصيين واللاجئين والمرحَّلين إلى معسكرات الاعتقال. ومعسكر الاعتقال ليس مؤسسة سجنية عقابية وحسب، بل هو اليوم كلّ فضاء لا تمييز فيه بين الحياة العارية – شأن الخبز الحافي لمحمّد شكري -، نعني الحياة الطبيعية التي لا همّ لها إلاّ العيش ومواصلة البقاء والحياة المؤهَّلة سياسيا والتي أصبحت رهانا سلطويا يُستثمَر في الأوضاع العادية وفي حالات الاستثناء. فملعب درّاجات هوائية أو ملعب كرة قدم يقع فيه تكديس المهاجرين معتقَل، ومنطقة انتظار في مطار للحصول على بطاقة لاجئ معتقَل، وتسييج الفضاء العمومي أو تحويله إلى مجرّد فضاء للجولان يُمنع فيه التظاهر والاحتجاج معتقَل، والتهديد بسحب المواطَنة والجنسية معتقَل، ووصْم أحواز أو ضواحي المدن وأرباضها معتقَل، والتمييز بين الشعب والرعاع أو السوقة والسفلة والهمج و«القَمْل» وفق توصيف هتلر معتَقل... وإذًا كلّ فضاء للاستثناء هو معتقَل. وشَرُّ ما يحدث اليوم هو أن يصبح الاستثناء هو القاعدة، في علاقة السلطة بمواطنيها أو في العلاقات الدولية بـ«الدّول المارقة» وفق عنوان معبّر لدرّيدا – مع ما في العبارة من لبْس، إذ الدولة الكبرى المارقة التي هي أميركا هي التي تتدخّل بالمروق عن القانون الدولي في شؤون الدول الخارجة عن سلطانها حدّ تمزيقها-. والمارق يتوجّب تأديبه وإعلان الحرب عليه سواء كان فردا أو جماعة أو كيانا سياسيا. ومن هنا استثناؤه وحظره والتّأمّر عليه – فضلا عن التآمر – وعزله أو نفيه إن كان فردا أو جماعة. هذه بعض دلالات لفظة ban التي اخترنا أن نستبقي منها في ترجمتنا النفي والحظر تبعا للسياقات التي ترد فيها مقرونة دما بالقانون وبالسيادة وبحالة الاستثناء.

 أهمية هذا المفهوم متأتية من كونه يخترق جلّ فترات التاريخ متخذا وجوها عدّة وفق جملة التحوّلات الحضارية واستمراره فاعلا في بنية الدولة- أمّة التي ما زلنا نعيش في ظلّها سواء تعلّق الأمر بالتضييق على الحياة العارية أو استبعادها مفارقيا بإدماجها، أو بأوضاع اللاجئين وتفقير مفهوم الضيافة والتشديد على ضديده الكائن في أفقه الذي هو الريبة والمراقبة والخشية من الغريب بل ونبذه. فصورة المنبوذ والمهجَّر والمقصيّ والمنفيّ واللاجئ والطريد والمهدور دمه و«المحروم من الماء والنار» - وعند العرب المحروم من الماء والكلإ - ، بالأمس كما اليوم عملت وما تزال عاملة وإن اختلفت أشكالها وتغيّرت القوانين المنظّمة لها. لذلك اخترنا أيضا أن نعرّب العبارة اللاتينية  Homo Sacer  التي تعني حرْفيا الإنسان المقدَّس – والملعون أيضا – بلفظة المنبوذ، الذي يتخذ تاريخيا وحتى اليوم وجوها عدّة مثل التي كنّا نشير إليها، فضلا عن التباس منزلته من حيث وجوده في منطقة عدم تمايز وتمييز بين القاعدة والاستثناء وبين المعيار والحياة وبين الإقصاء والإدماج وبين هدر دمه وتحريمه بل وبين الحيوانيّ والإنسانيّ فيه أو بين الذئبيّ والبشريّ فيه وفق ما كانت فكّرت به الفلسفات التعاقدية والهوبزية منها تخصيصا.

إجمالا، المشكلات التي تفكّر بها أغامبن في هذا الكتاب هي مشكلات حقوقية- سياسية- إتيقية، ذهب فيها بعيدا من الجهة التاريخية والنظرية، وانتهى بها تفكّرا بالحداثة وبالمعاصَرة - وللفيلسوف كتيّب عنوانه ما المعاصر؟ - لقد بدأ من القانون الروماني وانتهى إلى منزلة الجسد واستثماره اليوم سياسيا، إلى الحياة ودخولها إلى مجال السلطة ثمّ إلى مجال السياسة لتتحوّل الممارسة من بيو- سلطة إلى بيوسياسة بل وبالضرورة إلى تناتوسياسة، نعني السياسة التي تدير الموت سواء من خلال الإبادة أو النِّسالة أو الاغتصاب العِرقي أو التعذيب والموت المقسَّط، أو كذلك من خلال الكوبايات البشرية من حيث هم حقل تجارب مورست عليهم فظاعات لم يخجل بعدُ الذين اقترفوها ممّا أتوه، أو في الجدالات التي ما تزال قائمة حول قتل الأجنّة والقتل الرحيم وزرع الأعضاء والموت الدماغي أو الغيبوبة التي لا رجعة فيها.

على الجملة، ما عاد يمكن التفكير في السياسة وفق المقولات الكلاسيكية للسيادة والتعاقد والإرادة العامّة، وفي العلاقات الدولية وفق عدوّ/ صديق وشمال/جنوب، وفي العيش/الحياة وفق الحيوانيّ/الإنساني وفي الإتيقا وفق الحقّ/الواقع. علينا أن نعيد النظر في هذه الثنائيات حتى من الجهة الميتافيزيقية لننظر في هذه المناطق المتزحزحة وفي هذه الدوائر الغائمة وفي الجهات التي يغمرها الظلّ وفي الحدود المترحّلة بل وحتى في المفاهيم المهاجرة بين حقول المعرفة. بمثل هذه الكيفية تنفتح سبل استقصاء أخرى وآفاق رؤى سياسية مغايرة تبحث فيها الحياة عن عيشها والحقّ عن صاحب الحقّ قبل أن يغيّبه ويسمّي نفسه «حقوق إنسان» وتبحث فيها الإتيقا عمّا به تكون «أسلوب حياة» يكسر الرياء الأخلاقي ويربك سِلم التأبّد، ويبحث فيها الوعي عن ارتجافاته والفكر عن وجيعته الحقّ والمخيال عن إيقاعاته خارج كلّ الأوزان والموازين. فإن لم يكن فتغليق واستبداد وعودة «أحباس» - هي دلالة أخرى لكلمة Ban -  دينية وسياسية  مسيَّجة لا نفوذ فيها إلاّ للفقهاء- أيًّا كان دينهم-  والميسورين وهم الذين إن تسيّدوا كان بهم خراب «المدن» وفق عبارة ابن باجة.


    جزء من مــــقدّمــة  الكتاب
لم يكن لدى اليونانيين لفظ أوحد للتعبير عمّا نعنيه نحن بكلمة حياة. لقد كانوا يستخدمون كلمتين، وإن كان يمكن إرجاعهما إلى تأثيل مشترك فإنهما كانتا متمايزتين دلاليا وتركيبيا: z ̄ o ̄ e ، التي كانت تعبّر عن مجرّد ظاهرة العيش المشتركة بين جميع الكائنات الحية (حيوانات، بَشر أو آلهة)، وbios التي كانت تشير إلى شكل أو كيفية العيش الخاصة بفرد أو جماعة. عندما يتحدّث أفلاطون في الفيلاب عن ثلاثة ضروب من الحياة، وعندما يميّز أرسطو في نيقوماخيا بين الحياة التأملية للفيلسوف (الحياة النظرية) والحياة التي موضوعها المتعة (حياة الملذّة) والحياة السياسية (الحياة المدنية)، لم يكن لا هذا ولا ذاك ليقدرا البتة على استعمال لفظة z ̄ o ̄ e (التي لا جمع لها في اليونانية من حيث المغزى) وذلك لسبب بسيط وهو أنّ المسألة بالنسبة إليهما لم تكن أبدا مسألة مجرّد الحياة الطبيعية، وإنما مسألة حياة نوعية ومسألة نمط حياة خاصّ. صحيح أنّ أرسطو يتحدّث بخصوص الإله عن حياة أكثر نبلا وأبدية (الميتافيزيقا، 1072 ب 28) لكن ذلك لأنه يودّ التأكيد وحسب على الحقيقة الخارقة وهي أنّ الإله أيضا هو كائن حيّ (تماما مثلما يستخدم في نفس السياق لفظ z ̄ o ̄ e  ليعرّف بشكل ليس أكثر ابتذالا البتة، فعل التعقّل). الحديث عن عيش [z ̄ o ̄ e] سياسي لمواطني أثينا ما كان ليكون له أيّ معنى. وما ذلك لأنّ الفكرة لم تكن مألوفة لدى العالم القديم، الفكرة القائلة إنّ الحياة الطبيعية، العيش البسيط مثلما هو، كان يمكنه أن يكون خيرا في ذاته. في مقطع من كتاب السياسة (1278 ب 23- 31)، بعد أن ذكّر بأنّ غاية المدينة [10] هي العيش طِبق الخير، يتحدّث أرسطو عن هذا الموضوع بأقصى ما يكون من الوضوح: 

هي ذي [الحياة طِبق الخير] الغاية القصوى، بالنسبة إلى جميع الناس باشتراك كما بالنسبة إلى كلّ واحد منهم على حدة. غير أنّ هؤلاء يجتمعون ويحافظون على المجتمع السياسيّ أيضا من أجل مجرّد العيش، من حيث أنه ثمّة على الأرجح خيرٌ ما كذلك في مجرّد ظاهرة العيش؛ إذا لم يكن ثمّة صعوبة مفرطة في كيفية العيش فمن اليقيني أنّ أغلب الناس يتحمّلون الكثير من العناء ويتعلّقون بالـعيش وكأنه كان فيه ضرب من السكينة [يوم جميل] وعذوبة طبيعيّة.

غير أنه في العالم الكلاسيكيّ كانت الحياة الطبيعية البسيطة مقصية من المدينة بالمعنى الأصلي للكلمة وتظل بوصفها مجرّد حياة تناسلية، حبيسة بوتقة المنزل (السياسة، 1252 أ 26- 35). في مستهلّ السياسة، يفصل أرسطو بدقة، المقتصِدَ (oikonomos) (رئيس مؤسسة عبيد) والعائلَ (despotes) (ربّ العائلة) اللذيْن يهتمّان بالتوالد وبالمحافظة عليه، عن السياسيّ، ويسخر من أولئك الذين يعتقدون أنّ الفرق بينهم فرق في الكمّ وليس في النوع. وعندما يعرّف هدف المجتمع الكامل، في مقطع كان يتوجّب أن يحوز قيمة شرعية في التراث السياسي الغربي، فإنه يقيم بالفعل مجرّد ظاهرة العيش في وجه الحياة المؤهّلة سياسيا، «وُلدت [المدينة]  من أجل البقاء لكنها توجد أساسيا من أجل جودة الحياة» (وفق الترجمة اللاتينية لغيّوم دي موارباخ ( Guillaume de Moerbeke) الذي كان تحت ناظريه في نفس الآن طوما الإكويني ومارسيل دي بادو: خُلقت الحياة نعمة فعلا أمّا الأساسي في الوجود فهو نعمة الحياة الجيّدة.
صحيح أنّ مقطعا شهيرا جدّا من نفس هذا الأثر يعرّف الإنسان بأنه حيوان سياسيّ (1253 أ 4)، لكن هنا، فضلا على أنّه في النثر اليوناني لم يكن الفعل عاش مستعملا عمليا في صيغة الحاضر فإنّ لفظ «سياسيّ» ليس صفة للحيّ بما هو كذلك بل هو فرق نوعيّ يحدّد الجنس حيوان. مباشرة بعد ذلك، وفضلا عمّا سبق، وقع تمييز المجتمع الإنسانيّ عن مجتمع الكائنات الحية الأخرى من حيث أنّه قائم – بفضل [11] تتمة سياسية مرتبطة باللغة - على شراكة بين الخير والشرّ، العادل والجائر وليس على شراكة بين الممتع والمؤلم وحسب.


إنه بالرجوع إلى هذا التعريف يلخّص ميشال فوكو في نهاية إرادة المعرفة، المسار الذي من خلاله تبدأ الحياة الطبيعية بالمقابل على عتبة العصر الحديث بالاندماج في آليات وحسابات سلطة الدولة وتتحوّل السياسة إلى بيو- سياسة: «ظلّ الإنسان لآلاف السنين كما كان عند أرسطو:  حيوانا حيّا وقادرا فوق ذلك على وجود سياسيّ؛ الإنسان الحديث حيوان في السياسة وهو الذي حياته التي هي حياة كائن حيّ هي المعنية» (فوكو، إرادة المعرفة، ص 188).

«عتبة الحداثة البيولوجية» لمجتمع ما تقع حسب فوكو هناك حيث يصبح النوع والفرد من حيث هما مجرد جسم حيّ، رهان الاستراتيجيات السياسية. انطلاقا من 1977، يشرع فوكو في دروسه بالكوليج دي فرانس، في تحديد الانتقال من «الدولة الإقليمية» إلى «دولة السكّان» والتعاظم المذهل لأهمية الحياة البيولوجية ولصحّة الأمّة من حيث هما إشكال يخصّ السلطة السياسية التي ستتحوّل تدريجيا في المستقبل إلى «حكم الناس» (فوكو، أقوال وكتابات، الجزء الثالث، ص 719). ينتج عن ذلك ضرب من حَيْونة الإنسان تقوم به أكثر التقنيات السياسية تعقيدا. يظهر حينئذ في التاريخ تكاثر إمكانات العلوم الإنسانية والاجتماعية كما الإمكان المتزامن لحماية الحياة وإباحة محرقتها. وبالخصوص، تطوّر الرأسمالية وانتصارها ما كانا ليكونا ممكنين، من هذا المنظور، دون المراقبة التأديبية التي حقّقتها البيوسياسة الجديدة التي صنعت لنفسها إذا جاز القول «الأجساد المذعنة» التي كانت في حاجة إليها بواسطة سلسلة من التكنولوجيات الملائمة.

من ناحية أخرى وفي نهاية السنوات الخمسين (أي قبل إرادة المعرفة بما يقارب العشرين سنة)، كان سبق لحنة أرنت أن حلّلت في وضع الإنسان الحديث المسار الذي يؤدّي بـالإنسان الكادح ومعه الحياة البيولوجية بما هي كذلك إلى احتلال تدريجيّ لمركز المشهد السياسيّ للحداثة. وبالضبط، كانت أرنت، وهي تتوغّل بعيدا، تُرجع تحوّل الفضاء العمومي وأفوله في المجتمعات الحديثة إلى أسبقية الحياة الطبيعية هذه على الفعل السياسيّ. [12] أن لا يكون عمليا لهذه التحليلات استتباع وأن يكون فوكو استطاع أن يباشر بحوثه حول البيوسياسة دون الرجوع أبدا إلى هذه التحليلات، فهذا هو ما يشهد على الصعوبات والمعيقات التي كان يتوجّب على الفكر مواجهتها في هذا المجال. والراجح أنّه بسبب هذه الصعوبات لم تُقِم الكاتبة في وضع الإنسان الحديث أيّة صلة مع التحليلات الثاقبة التي كانت خصّصتها سابقا للسلطة الكليانية (حيث يغيب كلّ منظور بيوسياسيّ)، وأنّ فوكو، بغرابة، لم ينقل أبدا بحوثه إلى مواقع البيوسياسة الحديثة بامتياز: معسكرات الاعتقال وبنية الدول الكليانية العظمى للقرن العشرين.


لقد منع الموتُ فوكو من تطوير كل استتباعات مفهوم البيوسياسة ومن بيان الاتجاه الذي قد  كان سيعمّق فيه بحوثه؛ لكن أيّا كان الأمر فإنّ إدخال العيش في مجال المدينة وتسييس الحياة العارية بما هي كذلك، يشكّل الحدث الحاسم للحداثة ويؤشّر على تغيير جذريّ للمقولات السياسية – الفلسفية للفكر الكلاسيكي. في الواقع، من المحتمل أنه إذا كانت السياسة خاضعة اليوم إلى كسوف دائم فذلك تحديدا لأنها نسيت مقارنة نفسها بهذا الحدث التأسيسيّ للحداثة. «الألغاز» (فيريه، ألمانيا النازية والإبادة الجماعية لليهود، ص 7) التي طرحها عصرنا على العقل التاريخيّ والتي تظلّ راهنة دوما (ليست النازية إلا الأشدّ خطورة من بينها) سوف لا يمكن حلّها إلاّ في التربة – تربة البيوسياسة- التي تشكّلت فيها. وبالفعل، إنه في أفق بيوسياسيّ وحسب، سيمكننا تقرير ما إذا كان سيتوجّب علينا التخلّي نهائيا عن المقولات التي انبنت السياسة الحديثة على تقابلها (اليمين/اليسار؛ الخاصّ/العامّ؛ الاستبداد/الديمقراطية، إلخ.) والتي تلاشت تدريجيا إلى حدّ أن التمييز بينها يزداد تناقصه اليوم، أو أنه سيمكنها أن تستعيد الدلالة التي كانت فقدتها في هذا الأفق. ووحده تفكير يجمع مقترحات فوكو وبنيامين، يسائل بشكل مبحثيّ العلاقة بين الحياة العارية والسياسة التي تحكم سرّا إيديولوجيات الحداثة [13] الأشدّ تباعدا ظاهريا، سيتمكّن من إخراج السياسيّ من عزلته ومن أن يعيد للفكر وظيفته العملية.


واحدة من التوجهات الأكثر رسوخا في عمل فوكو هي التخلي النهائي عن المقاربة التقليدية لمشكل السلطة، القائمة على النماذج الحقوقية- المؤسساتية (تعريف السيادة، نظرية الدولة)، بهدف تحليل الكيفيات العينية التي تَنفذ السلطة من خلالها في جسد الذوات ذاته وفي أشكال حياتهم. خلال السنوات الأخيرة من حياته ومثلما تشهد على ذلك ندوة 1982 في جامعة فرمان (Vermont)، يبدو أنّ هذا التحليل يتّخذ وجهتيْ بحث متمايزتين: من ناحية، دراسة التقنيات السياسية (مثل عِلم الشرطة) التي بواسطتها تتحمّل الدولة وتدمج في صُلبها الاهتمام بالحياة الطبيعية للأفراد؛ ومن ناحية أخرى، دراسة تكنولوجيات عين الذات التي من خلالها يتفعّل مسار التذييت الذي يقود الفرد إلى التمسك بهويته الخاصة وبوعيه الخاص، وبالتالي إلى سلطة مراقبة خارجية. من اليقينيّ أنّ خطّيْ البحث هذين - اللذيْن يتابعان فضلا عمّا سبق، اتجاهين حاضرين منذ بداية عمل فوكو- يتشابكان في الكثير من النقاط ويحيلان إلى مركز مشترك. يؤكّد فوكو في واحدة من كتاباته الأخيرة أنّ الدولة الغربية الحديثة أدمجت كمّا لا مثيل له من تقنيات الفردنة الذاتية ومن إجراءات الكَلْينة الموضوعية. إنه يتحدّث إذًا  عن  «إكراه سياسيّ حقيقيّ مزدوج* شكّلته فردنة بُنى السلطة الحديثة وكَلينتها المتزامنتان» (فوكو، أقوال وكتابات، الجزء الرابع، ص 229- 232).


غير أنّ نقطة التقاء مظهريْ السلطة هذين ظلت غامضة في بحوثه  بشكل غريب حتى أنه أمكن القول إنّ فوكو قد يكون رفض باستمرار إقامة نظرية موحَّدة للسلطة. إذا كان يعترض على المقاربة التقليدية لمشكل السلطة القائمة حصريا على نماذج حقوقية («ما الذي يشرّع السلطة؟») أو على نماذج مؤسّساتية («ما الدولة؟») وإذا كان يدعو إلى «التحرّر من الامتياز النظريّ للقانون وللسيادة» ليبنيَ تحليلية للسلطة لعله لم يعد لها [14] أن تتخذ من  القانون نموذجا وشِرعة، فأين نبحث حينئذ في جسم السلطة عن منطقة اللاتمييز (أو على الأقلّ نقطة التقاطع) التي تتماسّ فيها تقنيات الفَردنة وإجراءات الكَليَنة؟ وبشكل أعمّ، هل يوجد مركز موحَّد حيث يجد «الإكراه المضاعف» للسياسة علّة وجوده؟ أنْ يتضمّن تكوُّن السلطة جانبا ذاتيا فذلك ما كان ينطوي عليه مسبقا مفهوم العبودية الطوعية عند لابويسيه. لكن ما هي النقطة التي تلتقي فيها العبودية الطوعية للأفراد مع السلطة الموضوعية؟ هل يمكننا الاكتفاء  في مجال حاسم كهذا بتفسيرات سيكولوجية مثل تلك التي تقيم مقارنة بين العُصاب الخارجيّ والذُّهان الداخلي؟ في مواجهة ظاهرة مثل ظاهرة السلطة الإعلامية – الفرجوية التي تُغيّر اليوم في كلّ مكان تقريبا الفضاء السياسيّ، هل  من المشروع أو حتى من الممكن وحسب، المحافظة على الانفصال بين التكنولوجيات الذاتية والتقنيات السياسية؟
مع أنّ وجود مثل نقطة التقاطع هذه يبدو متضمَّنا منطقيا في بحوث فوكو فإنها  تظلّ نقطة عمياء في المجال البصري – شيئا ما مثل نقطة استهراب تتباعد نهائيا ونحوها تتساتل مختلف خطوط بحثه (وبشكل أعمّ كل خطوط التفكير الغربيّ حول السلطة) دون القدرة أبدا على الالتقاء بها. 




*  الإكراه المزدوج (double lien): هو تعبير عن معطيين أو فعلين أو موقفين متناقضين  وتقع المطالبة بهما في نفس الآن، مثل التصرّف بعدوانية إزاء الآخر والقول إننا في حاجة إليه، أو التصرّف بشطط مع الإعلاء من شأن العقل، أو الالتجاء إلى التخويف والتهديد مع رفع راية الأخلاق، أو كما في المثال الذي يذكره فوكو، فردنة وكلينة بنى السلطة في نفس الوقت.
*

(*) صدر عن منشورات الجمل والنص ينشر بالاتفاق مع الناشر.      

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top