الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة



فيما تحترق حلب في عصر الأكاذيب هذا، لا تزال غيورنيكة بيكاسو تصرخ حقيقة الحرب


جوناثان جونز
ترجمة: روابي الدوسري



لا تزال لهب غيرنيكا تحترق في الذاكرة الحديثة. ففي عام ١٩٣٧ قصفت القوات الجوية الألمانية النازية (١) هذه المدينة العتيقة على تلال منطقة الباسك الإسبانية نيابة عن الجانب الفاشي (٢) من الحرب الإسبانية الأهلية. نتج عن هذا القصف إبادة أكثر من ٦٠٠ شخص وأثارت الرعب بين المدنيين والذي بات عرفا حين اندلعت الحرب العالمية بعد ذلك بعامين.

استحضر الوزير السابق أندرو ميتشل هذا الأسبوع أشباح غيرنيكا في مجلس العموم بقوله:

“ما تفعله روسيا للأمم المتحدة هو بالضبط ما فعلته إيطاليا وألمانيا لعصبة الأمم وما يُفعل في حلب هو بالضبط ما فعلته النازية لغيرنيكا في الحرب الإسبانية الأهلية”.

إن قوة غيرنيكا – بجعلنا نرى جرائم وقتنا أكثر وضوحاً- تُعزا إلى الجدوى الأخلاقية للفن. هناك سبب بأن كل يتعرف على غيرنيكا كصورة لبربرية القصف. لقد شهدت الحرب العالمية الثانية هجمات جوية أكثر إجراما، لكن غيرنيكا هي ما يستعاد عالميا كمثال على رثاء الغارات الجوية – لأن بيكاسو رسمها.


أشار ميتشل في حديثه عن قصف عاصمة الباسكيين كمقارنة لإيقاظنا. في حين عاد رسّام الكاركتير البرتغالي فاسكو قارقلو إلى لوحة بيكاسو نفسها. إن صورته حلب المنتشرة تُدرج وجهي فلاديمير بوتين وبشار الأسد داخل كابوس بيكاسو وتحوّل الحصان المطعون إلى رمز للولايات المتحدة.

2                                                     
 رسمة فاسكو قارقلو الكارياتورية
لماذا يمكن للغيرنيكا أن تساعدنا في رؤية الحقيقة بسوريا؟ رسم بيكاسو عمله الفني المميز عجالةً على لوحة ضخمة في الاستديو الخاص به في الدور العلوي على الضفة اليسرى في باريس. وفي عام ١٩٣٧عرضها في الجناح الإسباني في معرض باريس العالمي. لم تُوقف اللوحة هولات الحرب الإسبانية الأهلية ولم تنقذ الإسبانيين من سيطرة الفاشية لمدة٣٦سنة. بيد يُنظر لها اليوم كنبوءة؛ فكل قنبلة قذفت على إنسان يجعلها عميقة وأكثر وضوحاً.

غيرنيكا ليست لوحة تاريخية تقليدية ولا تسجيل واقعي لما حدث ولكن هي لوحة تكعيبية (٣) ليوم القيامة رسمها أكثر فناني العصر الحديث ثورية. الجسد البشري غير مؤهل لتقنية التفجير وبيكاسو بيّن لنا بالضبط ماذا يعني ذلك. بقايا المحارب مكسورة ومبعثرة. الوجه الميت لطفل صُوِّر بدقة في علامات قليلة وبسيطة ومورثةً للحزن. شخص محصور في مبنى يحترق.

5472
 طفل سوري مجروح يبكي في حلب، سوريا، 11 أكتوبر 2016
فعبر العدسة المتشظية للتكعيبية، هو قادر على أن يرينا اضطراب الهولات في نفس اللحظة. ويجبرنا على أن نتجاوب معهم كلحظات حقيقية ملموسة وجسدية من العنف والألم المهول. وعبر تجريد الواقع، تركز غيرنيكا العقل على ماهية الوحشية: وجه الطفل الميت والهيئة التي في النار. يمكن أن نرى شدة الجرح والموت التي يتجنبها معظم المصورين تجنبها لأن بيكاسو يرسم المعاناة الإنسانية ضمنيا بدلاً من الحملقة على التفاصيل القاسية.

في عام ١٩٣٧، كانت شجاعة هذه اللوحة في قول الحقيقة في عصر الأكاذيب، ولا زال. أكثر تشابه مؤسف بين اليوم والثلاثينيات هو أن الحقيقة سُحقت بالأكاذيب والدعايات-نحن في عصر ما بعد الحقيقة. يقول سياسيون مثل بوتين ودونالد ترامب ما يحلو لهم. ويوشوش الأنترنت على كل حقيقة ويذكر المخالف للواقع وهناك الكثير من نظريات المؤامرة بحيث لا أحد يصدق أي شيء.

غير أننا كنها هنا آنفا، ففي الثلاثينيات هاجمت آلات الدعاية الشمولية (٤) فكرة الحقيقة ذاتها. فقد شنّ هتلر وستالين حرب دائمة على الحقائق باستخدام الراديو والسينما ومراقبة المطبوعات وغسيل مخ المسيرات الجماهيرية.

عرف بيكاسو بالضبط ماذا كان يفعل حين رسم غيرنيكا. حاول إظهار الحقيقة بشكل عميق ومستدام بحيث يمكنها أن تضع عينها في عين الأكاذيب اليومية في عصر الطغاة دون أن ترف. كان لنازية الألمانية و روسيا الستالينية أجنحة ضخمة في معرض ١٩٣٧ حيث كشفت غيرنيكا. لكن بيكاسو -رجل واحد فقط حمل شهادة الحق-رسم واقع البشرية في ذلك الوقت الدنيء. وتجاوزت اللوحة جميع الدعايات.

نحتاج أن نحارب من أجل الحقيقة بشجاعة كما فعل بيكاسو. إنها ليست فقط قنابل تقتل الناس في حلب ولكن كذلك آلة بوتين للكذب.



الهوامش:


(١) النازية: هي حركة سياسية تأسست في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى.

(٢) الفاشية: حركات سياسية قومية أو وطنيه وإيطاليا اول البلدان التي تأسست بها نظام فاشي.

(٣) تكعيبية: المدرسة التكعيبية هي اتجاه فني ظهر في فرنسا بداية القرن العشرين الذي يتخذ من الأشكال الهندسية أساسا لبناء العمل الفني.

(٤) الدعايات الشمولية: هو مفهوم مستعمل من علماء السياسة لوصف الدولة التي تحاول فرض سلطتها على المجتمع وتعمل على السيطرة على كافة جوانب الحياة الشخصية والعامة.



مصدر المقالة /

https://www.theguardian.com/artanddesign/jonathanjonesblog/2016/oct/12/picasso-guernica-aleppo-syria

عن موقع حكمة

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top