السريالية المصرية … اللغز وجنائزية المشهد

10:14:00 ص


هل ثمة نوافذ
بديلة؟


 أحمد الجناينى

«السرياليون المصريون – الفن والحرية – 1938 / 1965»

أن يكون هذا هو عنوان المعرض المفترض أن يجوب بميدان لم يفصح عنه قطاع الفنون فى رحلة تمتد ثمانية أشهر ويكون التعامل مع خطة ومسار تلك العروض محاطا بسرية تامة وكأن الثروة التى خرجت من متاحفنا المصرية لا يحق لأحد أن يتابع خط سيرها أو أن نخاف عليها .. تلك إشكالية تسمى فقدان الشفافية ..!

نحن إذًا بهذا المعرض أخرجنا كل ما يتعلق بالسريالية المصرية «حسب ما تصدر العنوان» 1938 / 1965 ونقامر بهذه الثروة ونغامر بها فى عروض خارج الوطن وغير معلن عنها بشفافية كان من الواجب اتباعها مما أثار الريبة وهذا حق أصيل .

* أن يخرج هذا العرض عمْدا دونما أى وثيقة تؤرخ له فيصبح العرض بدون كتالوج لتوثيق الأعمال المعروضة رغم ما قام به الشريك من تصوير لا يحدَّه أى مانع ولم يسمح به للمصريين

واللافت ان يقدم هذا العرض دون ورقة A4 معلقة على الحائط بأسماء الفنانين وأعمالهم المعروضة .. ثم يضاف إلى ذلك كله إعلان يطارد الجمهور بأنه «ممنوع التصوير» رغم ما تم الإشارة إليه من أن شخوصا ليست مصرية قامت باستباحة كل الأعمال تصويرا حتى بالفلاش . وهو اللغز الذى لم أفهمه وغيرى . أذكر أننى شرفت بزيارة معرض سلفادور دالى فى برلين 1981 وقمت بتصوير جل ما عرض به، يحدث ذلك بالقطع فى كل المعارض حتى فى المتاحف باستثناء بعض المتاحف الأثرية التى لا تمنع التصوير لكنها – ربما – تمنع استخدام الفلاش.

هل يمكن أن يكون ثمة تفسير ذلك إلا أن العرض يشوبه ترتيبات لا يمكن التكهن بها، والمطلوب حجب كل وسائل التوثيق داخل مصر بينما سوف يتكفل الشريك فى بذخ شديد بذلك فى العروض خارج مصر وهو ما تم الإفصاح عنه .

نحن إذا نساهم فقط فى التأكيد لمن فى الخارج أن الأعمال بكليتها التى خرجت من المتاحف المصرية والتى جاءت عبر الشريك أو عبر قنوات أخرى – يحتمل ألا تكون لها قيمة تاريخية – فنقر نحن طواعيةً بأن تلك شهادة من وزارة الثقافة المصرية للشريك شهادة منا على أنها جميعها للسرياليين المصريين وأنها ترسم خريطة السريالية المصرية عبر التاريخ المعلن بصدر المعرض. ألا يعتبر ذلك نوعا من التحايل على التاريخ والعبث غير المشروع بممتلكات متاحفنا.

وحين يكون عدد الأعمال المعروضة 147 عملا وبفحصها يستطيع – ليس فقط المتخصص فى تاريخ الفن – بل طالب الفنون أنه مازال فى خطواته الأولى أن يكتشف أن هذا الكم الهائل من الأعمال المعروضة لا يمكن أن نستجمع منها أربعين عملا يمكن تصنيفها «أعمال سريالية».

على سبيل المثال لا الحصر ..

– «بورتريه» موقع بـ Kamal فى مدخل المعرض الحائط الأول دون أى معلومات ولا حتى من أين جيء به وواضح أنه بورتريه رسم حديثا. ما علاقته بعنوان المعرض؟



-لوحة «الطفل الأحمر 85 × 66 للفنان أوريستد بابا جورج» أى علاقة لهذا العمل بعنوان المعرض فالعمل لا علاقة له بالسريالية والفنان لا علاقة له بالمصرية فلماذا إذا؟!



– لوحة للفنان رمسيس يونان عنوانها «رمسيس يونان نفسه» بـ «تجريد 127 × 157» لكن «ليّ الرقبة» ضرورى لعرضها تحت عنوان سريالية.

– بورتريه عبد الهادى الجزار من أين أتت السريالية لهذا البورتريه وهو بورتريه أعتقد أن الجزار رسمه وهو مازال طالب وفى هذه الحالة لماذا نقدم للجزار بهذا العمل الذى لا علاقة له بعنوان المعرض؟!

– لوحة جوع 35 × 20 من الشارقة عمل من أعمال الجرافيك للفنان الحسين فوزى .. متى كان الحسين فوزى سرياليا؟



v 21 صورة فوتوغرافية جاءت من الجامعة الأمريكية للفوتوغرافى Van-leo ما علاقتها بالسريالية وما علاقة Van – Leo بالمصرية حتى وإن كانت علاقته بالسريالية ملتبسة فى واحدة أو اثنتين منها؟



– عدد 6 لوحات يقال انها لـ «إبراهيم مسعوده».. هى محض رسوم ضعيفة لا ترقى أصلا لعرض متحفى أو غيره جاءت من الشارقة وهى رسوم مليئة بأخطاء لا يقع فيها طالب إعدادى فنون ناهيك عن أنه ليس ثمة علاقة تربطها بالسريالية إلا أن عرضها فى حد ذاته «عملا سرياليا» وعلى هذا المنوال نستطيع ويستطيع متوسطو الثقافة الفنية أن نكتشف بسهولة ودون أى جهد أن المعرض بجليته لا علاقة له بالعنوان الذى تصدره فإذا طالعنا أعمالا للفنانين «عبد الهادى الوشاحى – أحمد مصطفى – أحمد مرسى » مؤرخه 1970، 1973 وما بعدها فما علاقة ذلك بعنوان المعرض.



– ثلاثة أعمال بالقاعة 2 للفنان حامد ندا دون عنوان جيء بها من الشارقة من المضحك أن تعرض هذه الأعمال باعتبارها مرحلة سريالية للفنان الكبير حامد ندا.



–  عملان للفنان سمير رافع مقتنيات «مى وعادل يسرى» لا علاقة لهما بعنوان المعرض.

– ناهيك عن أن أعمال الفنان الكبير عبد الهادى الجزار بكليتها لا يمكن درجها تحت مسمى السريالية إنْ بالمفهوم «البريتونى» أو غيره من المفاهيم.

-إن معرضا بهذا التكنيك غير المفاهيمى لا بد من الوقوف على عتباته والمطالبة بتفسير مقنع لإرتكابه.



المدهش أن يصرح الفنان إيهاب اللبان فى حواره حول هذا بجريدة القاهرة العدد 847 فى 11 أكتوبر 2016 «ان العرض لغير السرياليين جزء من توجه المعرض» أى فلسفة تلك التى نبرر بها هزلية العرض وتخبطه بل والتورط فى أخطاء تاريخية وإبداعية ومفاهيمية.

ما الهدف إذن من هذا المعرض الذى أثار الكثير من الجدل ؟ هل هو التسويق للحركة التشكيلية المصرية خارج الوطن؟ لا يمكن مطلقا أن ينجح هذا التسويق مع كل هذا الكم من الأخطاء المعرفية والإبداعية والمهنية بل العكس تماما هو الصحيح سوف يسيء هذا العرض بما احتواه من خلط «الحقيقى بالزائف» «الصحيح بالخطأ» «التأريخى باللاتأريخي» «المتحفى بالشخصى دون توثيق» كل هذا يفقدنا المصداقية عند الآخر ويفتح الباب للتشكيك فى أعمالنا المتحفية من الآن ولاحقا والتشكيك فى إبداعات رواد الحركة التشكيلية المصرية .. فلمصلحة من يكون هذا التسويق؟ ولمصلحة من خلط الأوراق ؟ ولمصلحة من غلق أبواب المتاحف والإشغال بعروض أقل ما يقال عنها عروض من الأبواب الخلفية لمتاحفنا.

ألم يُثر ذلك حفيظة نقابة التشكيليين حتى تغار على هذا الإرث الذى يتم المقامرة والمغامرة به؟ أم أننا فقط مشغولون بالصراع على منصب النقيب ومجلس النقابة؟ ألم يُثر ذلك حفيظة لجنة الفنون التشكيلية كى تغار على دورها المسروق والمصادر فلا تحرك ساكنا أمام ما يحدث على بُعد أمتار من مقر اجتماعاتها للمجلس الأعلى للثقافة.

فى أغسطس 1980 خابرتنى صديقتى البولندية لأصحبها إلى معرض الملك المصرى توت عنخ آمون بشارع صوفيا اشتراسا ببرلين وكان المعرض لكنوز هذا الملك العظيم فى رحلة غير مأمونة أقرها المقامرون آن ذاك تماما كما يحدث الآن يومها قرأت مقالا غاضبا فى الأهرام للكاتبة الراحلة د. نعمات أحمد فؤاد كشفت عبر المقال عن جريمتي.

الأولى: لماذا يُهان الملك المصرى فيدفع به إلى شارع أوروبا كى يشاهده الأوروبيون.. والأجدر أن يأتى إليه الأوربيون لا أن يذهب الملك إليهم.!

الثانية: نتيجة هذا العبث فقد انكسر تاج الإلهة «سلكت» إحدى الحارسات الأربع لتابوت الملك وتم إخفاء الحدث بالتواطؤ مع من ارتكب الجريمة..

فإذا ما تأملنا ذلك ونحن الآن فى الألفية الثالثة وقد بلغ التقدم التكنولوجى بما يسمح ببساطة شديدة بالعبث بأعمالنا المتحفية بل واستنساخها بما لا يمكن ان يكتشفه موظفو المتحف الذين لا حول لهم ولا قوة فإنه يحق لنا أن نتساءل: ألا يمثل ذلك خطرا كبيرا ومقامرة سيما أن الأعمال مقرر لها البقاء خارج البلاد ثمانية أشهر أليس حريٌ بنا أن نطالب بمنع سفر هذه الأعمال حتى لو استدعى الأمر بلاغا للنائب العام وما الدافع الحقيقى – والنية حسنة – للدخول فى هذه المغامرة رغم أنها بكل أخطارها لن تقدم لمصر ولا للحركة التشكيلية شيئا سوى التشكيك لاحقا فى أصالة الأعمال المتحفية؟ وتلك هى الورقة الأخيرة التى مازلنا نراهن عليها ونرفع هاماتنا أمام الآخر لكونها مازالت بين أصابعنا.

-نعم قد تفْقدنا تلك المغامرة الكثير وقد لا نستطيع تجاوز ذلك لاحقا.

-كان من الممكن على أسوأ تقدير أن تقف التجربة عند حدود العرض داخل قصر الفنون دونما الحاجة إلى شريك يشوِّه آليات العرض وسوف يكون عندها النقاش قاصرا على سلبيات وإيجابيات العرض كتجربة بديلة لغلق المتاحف بعيدا عن التشكيك أو الخوف من الضياع أو تكرار ما حدث لراهبة أحمد صبرى التى غادرت المتحف 1960م ولا أثر لها ولا لمن سمح بخروجها حتى الآن.

– نعم كان الأجدر أن يقوم القطاع على الأقل بعمل عروض داخل محافظات مصرنا الطيبة بمستنسخات «يسمح لها قانونا من حيث اختلاف مقاسات المستنسخ عن الأصل» ربما ساهمت تلك العروض فى سد الفجوة الكبيرة التى أحدثها تخلفا بيِّنا فى مناهجنا التعليمية ومؤسساتنا الثقافية عبر نشر الوعى الإبداعى عند قطاعات كبيرة ممن يصعب عليهم متابعة ذلك بالعاصمة القاهرية سيما أن «قفلا» كبيرا على أبواب المتاحف عجزت وزارة الثقافة عن فضِّه واحتفت بافتتاح معرض مُثير للدهشة والريبة صادف – إن كان ذلك مصادفةً – افتتاحه يوم وفاة البطل الرمز جمال عبد الناصر 28 سبتمبر أليس ذلك مدهشا ؟!

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا