الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة


 
بطاقةُ بريدٍ لِلنِّسيانِ


بغداد



يَتكوَّمُ الاحْتضَارُ في ساقيَةٍ حالكَةٍ،
تفُوحُ مِنْهَا رائِحَةُ الدَّمِ والزرْنيخِ
وتَصْهَلُ الخُيُولُ.

ألافُ القَتْلى تَحْتَ الأنْقاضِ.
وَأجْسَادٌ متفحِّمَةٌ
حيثُ كانَ ثَمَّةَ حَقْلُ السُّلْتِ.
حيْثُ كانَتْ ثمَّة مَدَارِسُ يُوجَدُ خَرابٌ،
أيْدٍ صَغيرَةٌ بين شظايا القَذائفِ.
حِقدٌ زنابيرُ، صَواريخُ. مَشَافٍ بلا ضَوْءٍ.
أرامِلُ على العَتَبَاتِ يُرَتِّقْنَ الأكفان.

المُحْتَلُّ يُهاجِمُ. يقْذِفُ الفُسْفورَ الأبْيَضَ.
لا أحدَ يستَطيعُ أن يُغَطِّيَ وَجْهَهُ بالمناديلِ
أو جنيَ الأشْجَارِ المثْمِرَةِ.
هِيَ ساعةُ الهُروبِ نحْوَ المُخَيَّماتِ،
نحْوَ الأراضي المُجْدِبَةِ حيثُ ثَمَّةَ طُيُورٌ حمْراءُ.

شَعْبٌ بأعْضَاءٍ مبتُورَةٍ
يسيرُ باتِّجاه المنفى والعدوى،
والزمنِ المثْقوبِ بالآلامِ.



غزة



لمْ تتَبَقَّ نائحاتٌ ولا سُلالاتُ فُرسَانٍ.
مازالتِ القنابِلُ العُنْقودِيَّةُ تتساقَطُ
على سيَّاراتِ الإسْعَافِ وعلى طاوِلاتِ الدَّرْسِ،
باحاتِ الصَّلاةِ في المَساجِدِ.
إسرائِيلُ لا تَمْنَحُ هُدْنَةً
وَتُقَنِّنُ الضَّوءَ وأرْغِفَةَ الخُبْزِ،
والمَعَابِرَ الحُدودِيَّةَ.

المَوْتُ وجِراحَاتُهُ المُتَقَيِّحَةُ،
المَوْتُ وغُرَفُ عَمَلِيَّاتِهِ الجِراحِيَّةِ اللامأمونةِ،
حينما يبصقُ الفَجْرُ دَماً
على حُقُولٍ مُجْدِبةٍ بأزهَارِ عُبَّادِ الشَّمْسِ.

مِنْ خَيْمَةِ معْطوبِي الحَرْبِ
يَمْتَدُّ المنْفَى بِعَطَشِهِ إلى القِصَاصِ.

احْتِراقُ أشْجَارِ الزَّيتونِ
في تَشَعُّباتِ الطُّرُقَاتِ
ولا طَريقَ يقُودُ إلى الجَلِيلِ.



القاهرة



رَغِبْتُ أنْ أكُونَ كاتِبَةً في فُنْدُقٍ بالقَاهِرَةِ.
كانَ عَليَّ أنْ أنْعَزِلَ في غُرْفَةِ النَّوْمِ تِلْكَ
بِسَتائرها الكُورِنْثِيَّةِ التي تُسَرِّبُ
الضِّياءَ ما بينَ الحادية عشرة
والثَّالثَة بعدَ الظُّهرِ، وبِشَكْلٍ مُتَقَطِّعٍ،
نِداءَاتِ المُؤَذِّنِ القَدِيمَةِ للصَّلاةِ.

كُنْتُ سأنْعَزِلُ في ذلكَ الحَالِ
مِنَ الخُمُولِ الإبْدَاعِيِّ
الذِي هُوَ الأدَبُ، وما بينَ المَقَاطِعِ
والتَّأمُّلِ البَاطِنِيِّ أمضِي نحو النَّافذةِ
وألاحظُ الأهراماتِ وأنا أقيسُ
تلك المسافةَ الدقيقة
بينَ ما هو ألفيٌّ وبين التَّخلِّي.

وأؤجِّلُ لحظة الدخولِ إلى المدينةِ
التي يُغطِّيها أحاديُّ أوكسيدِ الكاربونِ الذي يُلمحُ
مِنَ القلاع والحصون.
وأجلسُ في مقهى
لأقتلَ وقتَ المساءَ في خان الخليلي
حيثُ تُدخِّنُ النَّرجيلة
شخصياتُ نجيب محفوظ.



طنجة



توجدُ المراكبُ
لأنَّ وجهكِ موجودٌ، سأقولُ لك
بكلماتِ أندرادي في حِظارِ السَّفينَةِ
أثناءَ ساعةِ الذروةِ. بعْدَ مواسمِ الحصادِ
يعودُ تموزُ المتمهِّلُ لأشجارِ المشمِشِ ذاكَ
وليالي السَّهرِ في غُرَفِ الطُّلابِ
بين المقهى
والعمودِ الفقريِّ الأزرقِ الكوبلتيِّ للكتبِ،
والرَّغبةِ المؤجَّلةِ، أتوقَّفُ
عند أسوارِ الدَّارَاتِ المُتداعيةِ،
ألاحظُ مُخلَّفاتِ
ذلك البهاء الكوسمبوليتيِّ القديمِ،
وألتقي مع ناربوني.

وبعدها يصِلُ صمتُ الشَّوارعِ
غيرِ المُسْفَلتَةِ، أتوغَّلُ في المدينةِ العتيقةِ
حيثُ الصنَّاعُ التقليديُّون يطْرُقون
تَراخِياتِ المسكِ
فتنبعثُ رائحةُ أطعمةٍ مقليَّةٍ
في تلك الشُّرفاتِ المُوجَّهةِ صوب الميناءِ
– أنتِ التي كنتِ ترافقينني
عبر مدنٍ مينائيةٍ- وللحياةِ
التأمليَّة انطلاقا من صخورِ
العطالَةِ والزورقِ المَحْمومِ.



أصفهان



أزرقُ أصفهان وهذه البطاقاتُ البريدية
على شكلِ فسيفساءٍ. الزليجُ
بثلاثةِ طواويسَ والسَّماويُّ
للأواني السَّاسانية: مسجدٌ
حيث حفظ الليلُ رقيَّاتِهِ،
الباعثَ الزهريّ والهنْدَسةَ.

أزرقُ أصفهانَ اثنتا عشرة مئذنة
وتلك الطريقةُ الجبانةُ في السَّيرِ بمحاذاةٍ
معَ الحُبِّ بالاستراحةِ في ساحةٍ
حيث كانتْ تتوقفُ قوافلُ
الأفيونِ واليَشب الأبيض وهي تقطعُ
طريقَ الحريرِ، وفي الظهيرةِ
الجسورُ المُقوَّسةُ التي تقودُ
إلى بزارَاتِ أهلِ حِرْفةِ الصِّياغةِ،
وتتبادلُ كلماتٍ مع أحدِ الخطَّاطين.



شيراز



تجلِسُ الصبايا على قبرِ حافظ،
يَفتحْن الديوان بوفاءٍ، وبعدَ مقدمِ الليلِ
يُنشدن قصائده في نداوة السَّروِ والزِّليجِ
ذي الفيروزِ الكثيفِ، أكاشفكِ
أني سأكتفي بالتخلي عن مجموعة
من المقاطع الحكيمة التي كان لها
أسلوبُ قولٍ مأثورٍ
بحُبِّكِ
مثلما كان سيفعلُ الشُّعراءُ المتصوفةُ،
وإهدائك صناديقَ مليئةٍ بالعنبرِ
وجِرارٍ بنبيذِ شيرازَ.

لكنِّي لسْتُ قادراً على ترجمةِ
مخطوطاتٍ فارسيةٍ. أشربُ ماءً محلَّى بالسُّكَّرِ
مع رحيقِ الأزهارِ، أتحدَّثُ إلى كتبيِّين
عن الخَيَّامِ أو الدَّراويشِ،
وفي السُّوقِ القديمِ تقْرأ لي غجريَّة
الورقِ على ضَوءِ شمعدانٍ
حيث ينعكسُ النُّوتيُّونَ
وتكلِّمُني عنِ الشُّهرةِ، وعنِ المراكبِ
وعن حُبٍّ مُطلقٍ، يفيضُ
الشَّايُ الأحمر في سَمُوفرٍ من نُحَاسٍ،
أبتاعُ حِرْزَيْن فيجتاحني الخوفُ
اللامعقولُ من العوداتِ
ومنْ قُطاعِ الطُّرُقِ.



غرناطة



في ساحةِ بابِ الرَّمْلَةِ
أكتبُ إليكَ هذه البطاقة البريديَّة فوق طاولةٍ
في رصيفٍ على الطريقةِ الحداثيَّةِ
مُظلَّلةٍ بأشجارِ الزيزفون. شخصٌ رومانيٌّ
يعزفُ مقطوعة تانغو على آلةِ باندُونيُون
تمَّ شراؤه من بوخاريست، أمامَ أكشاكِ
الأزهارِ، ما بين بَتلاتٍ بنفسجيَّةٍ
والسَّكينةِ المُفَضَّضةِ للمُمَثلين بالإيماءِ.

غرناطةُ كانتْ هي قاعاتُ الشَّايُ تلكَ
بأجواءٍ فوشيةٍ وأحاديثَ
مُمْتدةٍ فوق الكنباتِ،
في خفَّةِ الأعوام العشرين تلك،
في ليلةٍ ساهرةٍ مَا في مآوي
الأسِرَّةِ غيرِ المِضيافةِ، الأقواسُ
وفي عمقِها شجيراتُ الوردِ
حيث كانوا يرسمون لك بورتريهاتٍ، وتنتشرُ
في قصورٍ تزيِّنُها الزخارفُ الجبصيَّةُ
وخطوطٌ متأخرةٌ كنَّا قد قسَّمنا
أبراجَها فيما بعدُ
منذ سان نيكولاس، وما بين دربوكاتٍ
وكمنجاتٍ متفرِّقةٍ. سأحتفظُ أساساً
بتلك النَّواحي جنبَ نهرِ حُدُرَّةَ
من النَّبعِ والطحالبِ
هناك حيثُ كنا ننشدُ شِعْرَ
الصَّمتِ، مُنحدرُ غوميريثَ،
الشُّرُفاتُ الليليَّةُ، وذلك التعهُّدُ
بشراءِ بيْتٍ شِبْهِ خَرِبٍ
في البيَّازينِ العُليا.



وَشْمٌ
I
أتى مِنَ البَحْرِ الأحْمَرِ
في مركبٍ محمومٍ مبحراً على غيْرِ هُدى
مُحمَّلا بالبُرتقالِ وفي سَاريَتهِ
كانت ترتفِعُ المساجدُ الأشدُّ زُرْقةً
والتي تلتقي فيها طرقاتُ بلادِ فارِسَ
ومرفأ الوُصولِ حيثُ يتموَّجُ
القماشُ المظلل للهمس
طبلُ المهرجان المباغتُ
وثلج آذار وهو ينجلي للعيان،
فهو دائما يختم موسم الحرير
ومسالكه القصية.
II
تلك الصَّباحاتُ في مَرافِئِ
خَمَّاراتٍ مُسْهَدَةٍ
وأكُورْديُوناتِ المَنْفى،
لمْ أكُنْ أبْحَثُ عن بَحَّارَةٍ شُقْرٍ،
أولَئِكَ الغُرَبَاءِ ذَوِي الأوْشَامِ المُلْتَفَّةِ
الذين كَانُوا يَتَّكِئُونَ عَلَى مِنْضَدَاتِ الشُّرْبِ
وكَانتْ أنْفَاسُهُمْ تَحْمِلُ رائِحَةَ مَشْرُوبِ العَرَقِ
مِنَ السُّفُنِ التَّائِهَةِ وَوُجُوهِ
نِسَاءِ لَيْلٍ بَعِيدَاتٍ.

لمْ أكُنْ أبحَثُ عَنْ أولَئِكَ البحَّارَةِ الآخَرينَ
الذين كَانتْ وعُودُهمْ تتلاشَى
في وَدَاعٍ غَير مَوْجُودٍ
ودَوماً كَانُوا يرْحَلونَ في مَسَاءَاتِ حُزَيْرانَ
لِكَيْ لا يَعُودوا. وكان الاسمُ يبقى
مثْل تَميمَةٍ وَحِيدَةٍ شَاهِدةٍ على عُبُورِهِ،
مَعَ تِلك الكلماتِ التي تُقَالُ
حينما نعْلَمُ أنَّ المنفى يتَرَقَّبُ،
وأنَّنا نستطيعُ أن نبقى أو نفِرُّ.
الأوْشامُ وتلكَ اللَّيالي حارقةٌ
وأنا كُنْتُ أبحَثُ عنْ طريقِ العَودةِ إلى إيتاكا،
تِلالِ رُوما ومدينة كفافيسَ
أو عنْ مرْكبٍ سَوف يُبْحِرُ إلى جزيرةِ سَافو.



III

بعدُ أذكرُ اللقاءَ
في ساحةٍ مُعَاكِسَةٍ أمامَ قاعاتِ السينما.
رُبَّما كان أيلولَ المراكبِ الراسيَةِ
فنجلِس في ذلك المقعدِ
حيثُ كان يسْتَلْقي المُتَسكِّعُون نهاراً
بشَكلٍ جِدِّ كئيبٍ، لأنَّ المَدينَةَ
كانَتْ مدينَةَ ضَبَابٍ ميَّالَةٌ إلى التّيهِ
في لياليهَا، ليالي الجُعَةِ والبيلياردو،
وأنا أعبر السَّاحَة الكُبْرى
عبْرَ أحْياءِ الصُّنَّاعِ التقليديين القديمَةِ.
كانتِ الواجهاتُ الفلامنكيَّةُ تستدعيني
للمُضِيِّ في ربطِ حكاياتٍ
بالسِّجِلِّ الأكثَرِ اعترافاً.
كُنْتَ تَأتي مِنْ أرضِ
الفنانين الكبار للقرن الخامس عشر،
وكان لاسمك
شيءٌ من الأسطورة الإغريقية ومن الخيول
الطليقة في ضوء توسكانا.
كُنَّا منشقِّين
وانتصرنا لليلةٍ واحدةٍ
على ذلك السَّأمِ المأساويِّ لبروكسيل.
IV

تحتَ سُقُوفِ أروقةِ بَزَارٍ
ضائِعٍ في منْطقةِ كَبادوكْيا
اتخذْتُ لنفسي مَوضِعاً وأنا أدخنُ نَرْجيلَةً
بطَعْمِ الكَرَزِ والفحمِ.

ومضَيْتُ أتَلاشَى في سَبَخِ
الصَّلْصالِ، وفي عيدانٍ هنْدسيَّةٍ،
وفي سَجَّادٍ معَ أيْلاتِهِ بحُمْرةِ الرُّمَّانِ.

كانَتْ خِفَّةُ اللاتَّفْكيرِ،
خِفَّةُ المَسَاءَاتِ البَسِيطَةِ مثلَ ثمارٍ
تمَّ جَنْيُهَا لِلتَّوِّ وقَدْ قُدِّمَتْ لكَ
في سِلالٍ مِنْ أعْوادِ السُّوحَرِ.

وبعدها اسْتَيْقَظتُ أمامَ فِنْجَانِ
قَهْوةٍ تُرْكِيَّةٍ مُرَّةٍ في مَحَلِّ
صانِعَةٍ تَقْليدِيَّةٍ بِعَيْنَيْنِ مُسْتَسْلِمتين
ويَدَيْنِ ملْساوَيْنِ مِنْ عَجْنِها للخُبْزِ.

كانتْ تُحَدِّثُنِي بِلُغَةِ النَّخِيلِ
اللايُفَكُّ تَشْفيرُها مِثل هَالٍ
تَمَّ قَطْفُهُ مِنْ بَاقَاتِ الوِدْيَان.



V

سنلتَقي في الهِنْدِ، همَسْتَ
بِلَهجتِكَ التي لها عبقُ البَهَاراتِ
وأناقةُ البخُورِ الطَّرِيَّةِ.

وكانَ يَنْفَتِحُ أمامي فجْأةً وادٍ مُضِيءٌ
حيثما كُنْتُ أحَرِّرُ
نمُورَ نُوستالجِيَتي وكانتْ تعمي بَصَرِي
نغمَةُ سارياتٍ بِلَونِ الزَّعْفرانِ
حيث تجِدُ شمْسُ راجَسْتان مُتَّسَعاً لهَا.

أعْلَنْتَ لي عن الأرضِ المَوعُودَةِ
التي كانتْ تَغْلي في عينيكَ وترِنُّ
بِصَوتِ الخَلاخيلِ رَشِيقَةً،
وبيديْنِ خبيرَتَيْنِ
مضَيْتَ تَفْتَحُ حُصُونَ مُدُنٍ
كانَ يُرَفْرِفُ فِيها كَرَمُ الضِّيافةِ.

واليَومَ أحلمُ بالوُصولِ حتى غُولْكُنْدا
عبرَ قِطَارِ بُومبَاي
وأنا أجلِسُ في عربَةِ النِّسَاء.
VI

ملْتَبِسَةً بِضَبَابِ الظَّهِيرَةِ
كُنْتُ أتَّكِئُ على العَرَائشِ وأرى
ناقلاتِ النَّفْطِ تلِجُ المِينَاءَ
بينما أفكِّرُ في مَمْلكَةِ كَابورْتَهَالا
القَديمَةِ ونُمُورِهَا السِّرِّيَّةِ
وفي تِلكَ الرَّاقِصَةِ المَالَقيَّةِ
التي كانتْ مهارَهانِيَّةً وكانتْ تَقطَعُ
حقُولَ البنْغالِ
على ظهْرِ فِيَلَةٍ مُزَيَّنَةٍ بالحُلِيِّ.

بَيْنَما كنتُ أفَكِّرُ فيكَ وبالشَّكْلِ
الفِطْرِيِّ الذي كان لكَ في مُرافَقَتِي
إلى سُهُولِ الهِنْدِ بثيرانِهَا
الألْفِ المَشْدودَةِ إلى الأكْواخِ،
بِمَعَابِدَ مُتَخَفِّيةٍ في الوديانِ،
محْروسَةٍ بآلِهةٍ ذَوَاتِ عَشَراتِ الأذْرُعِ.

وكَانَ صَوْتُكَ يتَوقَّفُ في مدُنٍ
كانتْ تنْقُلُ الصَّنْدَلَ وأكاليلَ اليَاسمينِ:
مومباي، أوْرَنْكَ آبادْ أوْ خَاجُورَاهُو
بينَ التلوينِ الأرجُوانِيِّ والزَّعْفَرانيِّ،
مسكونَةً بِأطفالٍ ذوي عيونٍ شاسعَةٍ سَوداءَ
يجعَلونَ طَيَّاراتِ وَرَقٍ منْ الجُوعِ
ومنْ بقايَا القماشِ تحَلِّقُ عالياً خَلْفَ الحَاراتِ.



VII

كانتِ المَدينَةَ ذاتَهَا، ورَغْمَ ذلكَ كُنَّا
نَعْبُرُهَا في أوْقَاتٍ مُختَلِفَةٍ.
قَدْ أتيْتُ أنا معَ مجيءِ القرْنِ وكُنْتُ أدَشِّنُهُ
في المَسَاءِ. في شُرُفاتِ
ذلكَ الفُنْدُقِ الذي يطِلُّ على سَطحٍ
وعلى دروبٍ ضَيِّقَةٍ للْبَزاراتِ،
كانتْ تُقاوِمُ النُّورَ، تُعِيدُ تركِيبَ
بَعْضِ النُّتَفِ القَلِيلَةِ منَ المَاضِي،
وفي تِلْكَ المَدِينَةِ المَشْلُولَةِ
بالإضْراباتِ وبالجوعِ،
فَهِمْتُ أخيراً ما أبعَدَ ما كانتْ تتبَقَّى
– وَقَدْ فُتِحَتْ أخاديدُ الأعْوَامِ-
بِطاقاتُ البَرِيدِ المُغْبَرَّةُ، التُّفَّاحَاتُ
الصَّفْراءُ، وجْبَاتُ الغذاءِ في الثَّانِيَةِ عَشَرَةَ،
غَابَاتُ صَنَوْبَرِ أيار وفي المَوَانِئِ
خَوفٌ مِنَ العَوْدَةِ إلى القُرَى،
حَيْثُ يَنْتَظِرُ الآتِي المُسْتَتِرُ
ما بَيْنَ أشْجَارِ التَّمْرِ الهِنْدِيِّ المُسْتَسْلِمَةِ.
أتَذَكَّرُ أنِّي تَسَكَّعْتُ عَبْرَ تِلْكَ الشَّوَارِعِ،
وَتَحْتَ البِنَايَاتِ الخَشَبِيَّةِ،
لكِنَّ الوَقْتَ كَانَ مُتَأخِّراً جِدّاً، وَأتيتَ أنْتَ
في نِهَاياتِ القَرنِ، بَعْدُ مازِلْتُ أسْتطيعُ
أنْ أتَخَيَّلَ ظِلَّكَ البَحْرِيَّ
عَبْرَ ساحاتِ المَعابِدِ – قدْ كَانَ
أحَدُها يحْمِلُ اسْمَكَ- وكُنْتُ أراكَ
مُنْدَمِجاً في الأسْواقِ وفيما بَعْدُ
عَبْرَ شَوارِعِ الضَّبَابِ والقُمَامَةِ،
في هَذا المَسِيرِ اللامُبَالِي
للَّذِينَ يَتَعَوَّدون
مُجَابَهَةَ المَنْفَى. كَانَتْ تَجْمَعُ بَيْنَنَا
مَدِينَةٌ في غَيْرِ أوَانِهَا وَحُقُولُ
مَدِينَةٍ أخْرَى مِنَ خَرَائِبَ.

أقْعُدُ لأرَى مِيَاهَ
ظُلْمَةٍ سَاطِعَةٍ قَبْلَ أنْ يشتعِلَ
المَنارُ وَيُضِيءَ مَسَارَ الأشْرِعَةِ.
بِالأمْسِ كُنْتُ قدْ سَهِرْتُ في كَاطْمانْدُو…

VIII
وغُرْفَةُ نَوْمِي مَرْكَبٌ بِجُدْرَانٍ
لَهَا لَوْنٌ يُشْبِهُ المَاءَ الأخْضَرَ
الَّذِي كانَ في يَوْمٍ ما نُبُوءَةَ لَيْمُونٍ هِنْدِيّ
ولَيمونِ دَهْشةٍ عَبر أغطيةِ السَّريرِ
حيث ينتَظِرُ نعناعُ الرَّغبَةِ.
ودوْماً يكونُ هنالك صيْفٌ يُهدِّئُ النُّمورَ
ومِذياعٌ يبَثُّ أغانيَ ما بعْد الحَرْبِ
في وقتٍ مَيَّالٍ إلى إلى قُرُنْفُلِ
الحُبِّ المُشَاغِبِ. ماذَا يَنْفَعُ
التَّشَبُّثُ بالأسَاطيرِ إن كنْتُ قدْ نَسيتُ
كيفَ يُحْدِثُ الحَريرُ دَوِيّاً عِنْدَما يَتَمَزَّقُ
في عَتَبَاتِ البَهَاراتِ وتِلك المُلامَسَةُ
لِلُّبابِ الذي تُخَلِّفُهُ أشجارُ الغَوَّافَةِ
في حُدُودِ ضَوْءِ الشُّرُفاتِ.

IX

شَهْوَانيةُ ظهِيرَةٍ
مِنْ ماءٍ وطينٍ مُبَلَّلٍ ومِنْ حَبَّاتِ الكشْمِشِ
التي تَصْبَغُ أجْسادَنا بلوْنِ الرُّمَّانِ،
في ذلك الضَّوء المُتَوهِّجِ الذِي نَشْغَلُ فيهِ
فضاءَ السَّطحِ المُرْتَفِعِ عنِ الشًّاطِئِ
الذي ينْظُرُ باتِّجَاهِ المَضيقِ والذي يبدو
مثل سطحِ هادِئٍ لِسَفينةٍ
على وشْكِ الإبْحارِ باتِّجَاهِ الأنتيلِ.

X

السِّرْبُ الأخِيرُ من النَّوارسِ
التي كانتْ تُخَرْبِشُ في شُطْآني
تأتي لتُذَكِّرَني أنِّي ومُنْذ زَمَنٍ
لمْ أعُدْ أومِنُ بالجَزْرِ ولا بالرَّسائلِ
التي تأتي في الزُّجاجاتِ الأسطوريَّةِ.

اِرْتِيَابِيَتي تُعمِّرُ الأسِرَّةَ المُعَلَّقَةَ
في مساءاتِ الرِّيحِ. وأنا أحْمِي نَفْسي
مِنْ آثارِ الجَوْزِ الهُنْدِيّ والبَرْقوقِ
مِنْ لُغَةٍ مُفْرِطَةٍ كانَتْ ثِمارُهَا
تنتهي دَوماً مُجَفَّفَةً في الظِّلِّ.

XI

سأرْبِطُ ذلك الميناءَ بأيلول،
مع بخُورِ المِشْمِشِ،
عِندَ العبورِ انطلاقاً من غُوَا
دهاليزَ لابِينْساوْ الخَفِيَّ
لِساحَةِ لافِيغِيْرَا بِنَوافِذَ
تُطِلُّ على شَارِعِ لا بَايْشَا
بِكَنِيسَةٍ ومَتاجِرَ لبَيْعِ التُّحَفِ.

الحُرِّيَّةُ كانَتْ حافِلَةَ ترامٍ حَمْراءَ
تَعبُرُ لِشْبُونَةَ في زَمنِ الخَمَّارَاتِ
بِالزِّلِّيجِ والشُّرُفَاتِ ذاكَ،
حَيْثُ كانتِ المَسَاءَاتُ
مَثَلاً أعْلَى مُبْهِجاً، هِبَةَ كثيفَةً
تَشَكَّلَتْ مِنْ طَرَائِقِ تَصَوُّفٍ مُنْحَطَّةٍ.

XII

قَدْ كُنْتُ هَارِبَةً مِنْ أيْلول.
وَبَقِيتُ ما بينَ الموائدِ بِسَلَّةِ
تُوتِ العُلِّيقِ البِكْرِ واشْتِياقٍ
وَصَفْصَافِ الضَّغِينَةِ وتلكَ الطَّرِيقِ
مِنَ الحَيِّ الأزْرَقِ الذِي لَمْ نَعْبُرْهُ قَطُّ
تارِكِينَ هُنَالِكَ الثِّيَابَ
مَنْشُورَةً إلى الأبَدِ في الفَرَاغِ.



Veronica Aranda فيرونيكا أراندا: (مدريد 1982) شاعرة إسبانية من أهم الأصوات الشابة في المشهد الشعري الإسباني، عاشت في مدريد وتنقلت بين روما وبروكسيل ولشبونة وطنجة والهند، أصدرت عدة دواوين شعرية: شاعرة في الهند (2005)، وشم (2005)، الجامع (2009)، بطاقة بريدٍ للنسيان (2010)، انقطاع النور (2010)، دربُ الصفصاف (2011)، مقهى الحافة (2012). حصلت في إسبانيا على العديد من الجوائز وشاركت في العديد من المهرجانات العالمية.

خالد الريسوني شاعر ومترجم مغربي، (الدار البيضاء، 1965) حصل على الإجازة في الأدب العربي من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان سنة 1988، اشتغل سابقا أستاذا للغة العربية وثقافتها بالمعهد الإسباني سيفيرو أوشوا بطنجة. شارك سنة 1985 في المهرجان العالمي للشباب والطلبة بموسكو، كما ساهم في مهرجان الشعر المغربي بشفشاون خلال عدة دورات. التحق باتحاد كتاب المغرب سنة 1986. يتوزع إنتاج خالد الريسوني بين الكتابة الشعرية والدراسة الأدبي والترجمة. نشر كتاباته بعدة صحف ومجلات ومغربية وعربية مثل: المحرر، العلم، البيان، القدس العربي، كيكا، العربي الجديد، الثقافة الجديدة، نوافذ، البيان، نزوى، الدوحة، مشارف مقدسية …إلخ. يعد الاشتغال على الترجمة رهانا أساسيا في مشروع خالد الريسوني، إذ من خلاله يعبر عن رغبة في تشييد جسور التواصل بين ضفاف المتوسط، إذ أنجز عددا مهماً من الترجمات الشعرية لشعراء إسبان وشعراء من أمريكا اللاتينية إلى لغة الضاد. وممّا صدر له في هذا الصدد:ـ
– الرسو على ضفة الخليج (بالاشتراك): أنطولوجية للشعر المغربي والإسباني، الجزيرة الخضراء، 2000
– عن الملائكة/ رفائيل ألبيرتي ، منشورات وزارة الثقافة 2005- يومية متواطئة / لويس غارثيا مونطيرو، منشورات وزارة الثقافة 2005
– تلفظ مجهول ويليه: ابتداع اللغز، خورخي أوروتيا، عن منشورات( ليتوغراف ) بطنجة 2007
– لالوثانا الأندلسية، رواية للروائي الإسباني فرانسيسكو ديليكادو، عن منشورات( ليتوغراف ) بطنجة 2009
– اليوم ضباب، خوسيه رامون ريبول، عن منشورات( ليتوغراف ) بطنجة 2009
– زوايا اختلاف المنظر يليه: كتاب الطير والسكون المنفلت، كلارا خانيس، عن منشورات ( ليتوغراف ) بطنجة 2009
– الأعمال الشعرية المختارة، لفيديريكو غارسيا لوركا، عن منشورات( ليتوغراف ) بطنجة 2010
– الكتاب خلف الكثيب، لأندريس سانشيث روباينا، عن منشورات( ليتوغراف ) بطنجة 2010
– مائة قصيدة وشاعر، خوسيه مانويل كاباييرو بونالد، منشورات سليكي أخوين، 2012
– وصف الأكذوبة يليه: يشتعل الخسران، أنطونيو غامونيدا، منشورات بيت الشعر في المغرب، 2012
آخر ما أنجزه الريسوني العمل الشعري الموسوم بـ: خلوات وأروقة وقصائد أخرى يليه: حقول قشتالة، للشاعر الإسباني المرموق: أنطونيو ماشادو، و “بإيجاز″ للشاعر الإسباني ليوبولدو دي لويس، ويستحق العناء للشاعر الأرجنتيني: خوان خيلمان، وكسيريات، يليه: ملاك الظلمة وأسرار الغاب للشاعرة الإسبانية كلارا خانيس.

raissounikhalid@hotmail.com

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top