الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة



رصد في كتاب أفلام التنظيم وتقنياتها
Oct 24, 2016 القدس العربي

باريس ـ من رندلى بيريفيرزيف: يرى الكاتب والمفكر الفرنسي جان لويس كومولي في كتابه «داعش، السينما والموت»، الصادر عن دار فيردير لاغراس في آب/أغسطس 2016 باللغة الفرنسية، أن أفلام البروباغندا التي يصدرها «داعش» لتسويق خلافته المزعومة، وبث الرعب في جميع بقاع الأرض، تؤهلها لأن تكون بمثابة منتج سينمائي منافس في سوق و»حرب» الصور حول العالم. 
والتحليل الذي يقدمه الكتاب في نحو مئة صفحة يركز بالدرجة الأولى على دراسة أفلام القتل والإعدام التي تبثها «مؤسسات داعش الإعلامية» على شبكة الإنترنت،
التي يراها كومولي ليس فقط جزءاً لا يتجزأ من ماضي وحاضر السينما، بل كعنصر ونمط شديدي الحضور في تاريخها.
ولإثبات وجهة نظره يلجأ كومولي إلى مقاربة ومقارنة صور معسكرات الإبادة النازية في الحرب العالمية الثانية، ومشاهد المجازر التي ارتكبت في حرب الجزائر، وفي الوقت ذاته يدير نقاشاً نقديا متعدد المحاور يستند فيه من ناحية إلى مراجع فلسفية كقراءته لسانت أوغسطين للحديث عن مفهومي الواقع والزائف في مفهوم الصورة والتمثيل السينمائي، ومن ناحية أخرى يستند إلى مقتطفات سينمائية بهدف وضع شرائط الفيديو التي ينتجها «داعش» في سياق الصورة السينمائية، للتمييز بين مشاهد الموت «السينمائي» ومشاهد الموت «الداعشي» الصادمة بحقيقتها. 
وعلى سبيل المثال يشرح كومولي مدى التقارب من حيث الشكل بين سينما الدعاية لدى «داعش» وأفلام هوليوود الرائجة، من حيث المحتوى أو بالأحرى ضحالة المحتوى. 
من خلال تفحص خصوصية الحدث المرئي لدى «داعش» بدون الانغماس في وحشيته، يكشف الكاتب عن الجديد والمعاصر في فيديوهات وصور القتل التي ينشرها، أخذاً بعين الاعتبار التحولات التقنية في عصرنا الرقمي المعولم، ودور الرأسمالية في صناعة الصورة وتداولها واستهلاكها.
وداعش، كما «القاعدة» سابقاً، استخدم أدوات السينما لتحدي ومحاربة منظومات وقيم «الغرب»، ونشر الخوف والهلع لدى كل من لا يتفق مع رؤيته الخاصة حول مآل وصيرورة العالم، لكن نجاح هذه الاستراتيجية معتمد إلى حد كبير على إمكانية توزيع هذه الصور بسرعة فائقة، بل وفورية، إلى أي مكان توجد فيه شبكة إنترنت وشاشة. 
والمفارقة هنا أن «داعش» يستخدم أدوات ومنتجات «غربية» لتسويق سرديته الأيديولوجية المعادية للغرب.
يعتبر كومولي في كتابه أن «السينما هي الحياة»، فظهورها بعد فن التصوير سمح بتسجيل الصورة المتحركة دامجة بتلك الطريقة المكان والزمان والفعل. وابتكار السينما أساساً كان لنقل ما هو حي أي متحرك مقابل ثبات الصورة الفوتوغرافية. أما «داعش» فيعكس مفهوم التصوير السينمائي وغايته، فهو «يهاجم الحاضر باسم المستقبل الذي ليس لديه ما يقوله ككلمة أولى أو أخيرة سوى الموت»، وفق هذا التوصيف فإن عمل داعش السينمائي ضد السينما نفسها. 
وبحسب كومولي فإن علاقة السينما بالموت لا تقتصر على تجسيده عبر مشاهد القتل وغيره، فتصوير الموت يعني «إدخاله في مجال الصور، تحت نظام حكم التمثيلات في هذه المنطقة المتوسطة بين الحقيقي وغير الحقيقي». والسينما بذلك تهدف لإبطال أثر الموت، بينما صور «داعش» تجعل منه موضوعها الرئيسي الذي تنشده.
الصورة، طبقاً للكاتب، لا تعكس أشياء العالم فحسب ، بل تعكس أيضا صور صناعها ومتلقيها، وأحد أشكال تأثير الصورة في ذلك العالم يأتي عبر اختيار وتحديد ما ستتم رؤيته وما ستحجب رؤيته. فمما لا شك فيه، أن الفرق القاطع بين الموت السينمائي وبين الموت الداعشي، أن الأخير حقيقي بينما الأول تمثيل، لكن هناك أيضاً فرق من جهة طريقة التقاط تلك الصورة وعرضها.
هذا الفرق يكاد أن يناظر الاختلاف في طريقة تلقي الصورتين، فنحن نمتلك اليقين الكافي عند مشاهدة الأفلام بأن الموت السينمائي ادعاء، وأن الممثل سيعود إلى الحياة في عالم الواقع بعد إنجاز مشهد موت الشخصية، بينما نعلم يقيناً أن قتلى فيديوهات داعش هم أموات بالفعل، قتلوا للتو في هذا الفيلم أو ذاك. وعلاوة على كل ذلك ثمة فروق في تقنيات التمثيل والإخراج، فالتنظيم بغنى عن تدريب الممثلين أو إعادة تصوير المشهد، ومنهجه هو التركيز على لحظة الحقيقة (لحظة القتل)، وهو قد يضيف بعض الأصوات والتأثيرات البصرية لمواكبة العصر، لكنه لا ينفق وقته في مونتاج وتعديل أو فبركة للصورة الملتقطة كما تفعل السينما عادة.
لا ينفي كومولي صحة هذا الافتراض القائل بأن ثنائية قتل/ تصوير تفترض أن
للمشاهد رغبة في رؤية الموت ومتعة في التحديق بما هو فظيع، منقصة بهذه الطريقة من كرامة المشاهد وحريته. 
فـ«داعش» كما الأفلام الهوليوودية الحديثة، يعامل المشاهد ككبش أحمق وظيفته الوحيدة هي التدرب على تلقي الصور كما هي بلا معالجة أو تنقيح بهدف تحويل عرضه الافتراضي إلى واقعة مرئية معلومة. ويتبع التنظيم المنهج الدوغمائي للصور المعاصرة، الذي يقتضي بأن يكون المعروض مرئياً واضحاً بدون إيحاءات ضمنية مركبة. فمخرجوه يريدون أن يرى المشاهد الموت بأكبر قدر من الوضوح، وغالباً ما تقترب الكاميرا من جثث ضحاياه وتمرّ عليهم ببطء كي لا تترك شكاً عند المشاهد حول حقيقة الموت الذي حصل للتو. تمنع المشاهد من تخيل أي تفصيل إضافي، في حين أن سينما هيتشكوك على سبيل المثال لا تظهر لحظة القتل بل تلمح لها تاركة لمخيلة المشاهد مساحة ودورا للاشتراك في صناعة الفيلم.
المعيار الأخلاقي في هذه المسألة لا يتحدد بالنسبة لكومولي بمقاطعة أفلام «داعش»، أو منع وسائل الإعلام من إعادة نشرها، ولا يحاول الكاتب فرض موقف أخلاقي محدد فيما يتعلق بمشاهدة هذا الكم من الدناءة وعدمية الذوق، بل يترك للمشاهد والقارئ حرية الاختيار في النظر والتفكير. فما يهمه أكثر في كتابه هذا هو القول أن أفلام «داعش» من حيث صناعتها ونشرها وتلقيها، تمنحنا مدخلاً لفهم عالمنا الحالي، من خلال الصورة، التي تساهم بدورها في إعادة تشكيله.

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top