الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة



في بعض "الصور اللغوية" (idiomes) باللهجة الجزائرية، خاطئة في المبادئ، وخطيرة في الغايات.
1- "اللي قرا قرا بكري" و2- "اعطيني الفاهم والقاري ديه".
العبارة الأولى: "من تعلَّم، كان ذلك من قبل"، كنتُ أسمعها وأنا في مراحل التعلّم، في الابتدائي والمتوسط والثانوي والجامعي، وكنتُ في "جهاد أكبر" ضدّ هذا التعبير الحامل لنوع من "الميلانخوليا" (mélancolie) والسلبية. كنتُ أقاوم ولا أعرف لماذا الرؤية الدونية والاحتقارية تجاه التعلم. مع الوقت، تيقنتُ بأن "صُداع" الوسائل والغايات قد استبدّ بالناس، لأن العقل الحسابي (calculateur) والذرائعي (لا أقول "البراغماتي")، يربط كل تعلم بمنفعة خاصة، وعندما نقول "منفعة"، فإننا نقول مباشرة، وبشكل مفخم ومضخم (hyperbolique)، الجشع والطمع وكثرة الربح (le gain) بأقل جهد وعمل، أي تعمير البطون والبنوك وإفراغ الرؤوس والروح. بينما يقدّم التعلم قيماً جليلة، لأنه لا يخص نسبة صغيرة من كينونة الإنسان وهي تمتعه بالربح الذي يعود عليه من جراء تكوين (الفعل المتعدي الذي له غايته في غيره)، لكن يخص نسبة كبيرة من كينونة الإنسان وهي تكوينه بالذات وتربيته النظرية والعملية (الفعل غير المتعدي الذي له غايته في ذاته)، لأن الإنسان إذا ضبط نفسه بالتعلم والبحث والتكوين الذاتي، فإنه سيكون منضبطاً في كل الأمور التي له فيها مسؤولية أو وصاية، فيدبّر الأمور بحكمة وتفانٍ وإتقان؛ غير الذي جعل غايته في شيء براني، خارج ذاته، ملتبس السريرة ومبعثر السيرة، لا يُحسن التحكم في ذاته، فكيف يتحكم في من له عليهم رعاية أو سلطان؟
العبارة الثانية: "خذ المتعلم وأعطيني النبيه"، كنتُ أسمعها على لسان من كان يزعم الرُشد والخبرة والحنكة، بطول التجارب والمحن، لأن بالنسبة إليه الشخص النبيه أسرع في الفقه وإدراك الأشياء من الشخص المتعلم. هذا ممكن في بعض السياقات والمستويات، وليس في كلها. لأن الشخص النبيه (الفاهم) عندما يمرض فهو يذهب عند المتعلم، عند الطبيب إذن للتداوي، أي الشخص الذي تحمل عناء الدراسة والتربص وسهر الليالي ليفتك بالشهادات التي تخوّل له ممارسة الطب؛ ولأن الشخص النبيه (الفاهم) عندما يريد بناء منزل، فهو يذهب عند المتعلم، عند المهندس إذن، أي الشخص الذي قضى سنوات في دراسة المعمار وتعلم الرسم وابتكار الأشكال الممكنة للبنايات. سياقات الحكمة والنباهة غير سياقات الخبرة والتخصص، أي "الزمن الكايري" (kairos) في ثقف اللحظة الخاطفة بنباهة سريعة غير "الزمن الكرونولوجي" (chronos) في التكوين المتعب ونحت الطبع بالقراءة والتعلم. لكل زمان خصائصه ومستوياته. لا يمكن الحديث عنهما بالمفاضلة، لكن بالتكامل.
فقط، في ظل عزوف الناس عن القراءة والتعلم، لأن التفكير اليوم أصبح تفكيراً نفعياً وذرائعياً، بما يحمله من فوائد وعوائد، مسألة خطيرة من حيث مسار الأمم ومصيرها، بما في ذلك مجتمعنا نحن. الربط الميكانيكي بين المعرفة والمنفعة أملاه الزمن الحاضر الذي لا يوفّر أساسيات الرسوخ والاستحكام والاشتغال على الذات مثلما يوفره الربط الروحي بين المعرفة وتكوين الذات، المعرفة التي لا تتكدَّس أو تتقدَّس، لأنها ليست معرفة كمية في شكل تحذلق موسوعي، لكنها معرفة ذاتية تقول جوهر ما في الإنسان، وتوفر له أساسيات التحكم في الذات من أجل التحكم في السياسة والاقتصاد والدين والعلم. إنسان استملاك الذات، لا استهلاك الشيئية.

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top