الحمل

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة

لا حرية بلا تمثال العذراء في البصرة
مقاربة


ترجمة أماني لازار

منذ أواخر القرن الثامن عشر اعتبرت مساهمة اليهود في الفنون البصرية مساهمة ضئيلة. بدأت الفكرة مع المفكرين التنويريين مثل كانط، الذي قاده ازدراءه للتجربة الحسية إلى تمجيد ما اعتقد أنه الطبيعة المجردة على نحو بديع، التي تفتقر للصورة الذهنية، والفلسفية علاوة على ذلك، للعقيدة الدينية العبرية الغابرة. ومنذ ذلك الحين تم نسب تجاهل اليهود المزعوم لعلم الجمال بطرق متنوعة إلى تحريم الوصية الثانية للصور المنقوشة، أو إلى نقص الاهتمام الثقافي بالمجال البصري. لطالما قيل إن اليهود يدركون الألوان إدراكاً قاصراً.

مع أن رهاب الصور (الأيقونوفوبيا) عند الشعب اليهودي ما قبل الحداثة أصبح الآن مفضوحاً تماماً من قبل الباحثين-يذكر كالمان بلاند في كتابه اليهودي الساذج: تأكيدات قروسطية ومعاصرة وتكذيبات للبصريات (2000) عن تفاصيل تاريخ غني للنظرية اليهودية في علم الجمال والإنتاج الفني-كثيراً ما استبدلت جميعها بفكرة نمطية عن الفن اليهودي، الجلابيب والإبل أو عازفي الكمان الراقصين، وفي أي حال مهجور لقدمه بشكل واضح وفن رخيص(كيتش) كلياً. مثل الفكرة عن باحث يهودي مولع بالكتب وحيد شارد الذهن، هذا النمط يبرز اختلاف الثقافة اليهودية، وفيه يتم تصوير اليهود على أنهم طرفاء، ريفيين، و/ أو دخلاء، منفصلين في العادات، اللباس، وطرق التفكير عمن يعيشون في كنفهم.

المجلد المصور بشكل رائع سماوات من المخطوطات الرقية، بحار من الحبر: مخطوطات يهودية مزخرفة، عمل على تحريرها مارك ابستين، لها أن تتحدى جميع الفرضيات تقريباً، حول الهوية اليهودية المختلفة أو الفن. مكون من اثني عشر فصلاً تثقيفياً و287 صورة ملونة تستطلع منظومة من كتب مزخرفة صنعها يهود في الفترة الممتدة بين القرنين الثاني عشر والواحد والعشرين. هناك أعمال قانونية انتشرت بكثافة في صحائف ذهبية، وكتاب الهاجادا (نصوص وليمة فصح اليهود) وكتب صلوات، تزهو هوامشها برسوم دقيقة للنباتات والحيوانات. مع أن مثل هذه المخطوطات كانت تسد حاجات اليهود الدينية، إلا أن ابستن يؤكد بشكل متكرر تشابهها (في الأسلوب، الصياغة، النوعية، والقيمة) مع كتب صنعت لمسيحيين ومسلمين معاصرين.

ويحتوي كتاب سماوات من المخطوطات الرقية أيضاً على عدد من مخطوطات بحثية لا صلة لها بالممارسات اليهودية. حسب الكتابة العبرية أنها تخبرنا أن بطل الرواية المندفع الذي يرتدي العمامة في الملحمة الشعرية كتاب الفتح، يهودي وليس بطلاً فارسياً. ويفشي نص طبي باللاتينية عن “يهوديته” بواقعة أن مخططه التشريحي يظهر رجلاً بقضيب مختون فقط. نفذت أغلب التصاوير بأكثر الأساليب عصرية، من قبل الفنانين أنفسهم غالباً، وورش العمل المحمية من قبل نبلاء ومواطنين مسيحيين ومسلمين محبين للكتب، ما يشير إلى أن اليهود وجيرانهم كانوا يتقاسمون القيم الاجتماعية والأفكار عن الجمال.

في غالب الأحيان، تتشارك الشخصيات المصورة في هذه الكتب اللباس، العادات، وأجواء ثقافة الأغلبية. في متنوعات فرنسية من القرن الثالث عشر، يكتسي الملك سليمان على نحو يشبه لباس الملك كابيتيان. مدرس يعاقب تلميذه يمكن أن يكون أي مثقف جامعي مسيحي، ورسم توضيحي من الهاجادا الاسبانية يصور موسى وعائلته عائدين من ميديان بطريقة تكاد تشير إلى (بالفعل، هم مباشرة على غرار) مريم، يوسف، ويسوع هاربين إلى مصر. البهائم الهجينة والأشكال الغرائبية التي تزين هذه الصفحات هي شاذة، سخيفة، ومتعلقة بالتغوط كأي واحدة من شطحات الخيال في الحلى التزينية المسيحية القروسطية. ومع أن اليهود اختلفوا عن المسيحيين عموماً متفادين تصوير الإله، إلا أن الله يظهر ظهوراً عرضياً، تكاد تنبثق هالته من سحابة لترشد ناظم الترانيم، كما هي في أي مخطوط مسيحي.

هناك استثناء واحد مدهش لعدم التمايز الشامل للفن اليهودي وتمثيل الذات: مجموعة المخطوطات الألمانية الصغيرة المصنوعة في القرنين الثالث عشر والرابع عشر التي تصور هيئات بشرية برؤوس العنقاوات، الطيور، أو الحيوانات. حللت هذه المقاربة بشكل مقنع أنها ليست مجرد محاولة استثنائية لمراعاة الوصية الثانية بتفادي تصوير الانسان، بل طريقة مبتكرة لنشر جوانب من الطبيعة كرموز مؤكدة للهوية اليهودية. في ضوء آلاف الهيئات البشرية التي نصادفها عبر هذا المجلد الجميل، يتساءل المرء فيما إذا لم تكن أيضاً طريقة لاختيار رؤساء للمحفل كي يميزوا أنفسهم ليس فقط عن المسيحيين، لكن أيضاً عن إخوتهم في الدين من المتزمتين -إشارة إلى التنوع الكبير وحتى التوتر بين يهود القرون الوسطى.

ربما كانت اليهودية أقلية منبوذة أو عقيدة مستخف بها في معظم تاريخها أيضاً، لكن هذه النظرة العامة على كتاب يهودي مصور تظهر أن نخبة اليهود القروسطيين لم يتنازلوا لنظرائهم من المسيحيين والمسلمين عن شيء عندما كان الأمر يتعلق بالزي، والذوق، والتبذير. في تتبعهم للجمال والرفاه، وظفوا نفس الفنانين وتشاركوا نفس الجماليات وارتدوا نفس الأزياء، حتى أنهم استعملوا نفس الصياغات و (مع تعديلات) الرموز مثلهم مثل نخب المسيحيين والمسلمين. يجد بعض الباحثين والمراقبين اليهود أنه يصعب انسجام مثل هذه التشابهات مع الدين اليهودي، والواقع غير المريح أحياناً للحالة اليهودية القانونية المقلقلة. افترضت الراحلة روث ميلينكوف في كتابها علامات على الكراهية المعادية للسامية في مخطوطات مزخرفة بالعبرية من ألمانيا القروسطية، أيضاً أن الفنانين المسيحيين دسوا رسائل معادية لليهود في المخطوطات التي صنعوها لرؤساء المحفل من اليهود المطمئنين. يرى ابستين وزملاؤه بشكل أكثر إقناعاً، أن ضبابية هذه الحدود الثقافية التي دعيت بطرق شتى حركة توفيقية، تثاقف، تداخل الأجناس، تمويه، شكلاً من أشكال الابتكار وإشارة على الاطمئنان بل والمجابهة أيضاً. لكن قد يحيل وجود مثل هذا النقاش نفسه إلى جانب أصيل من جوانب التاريخ اليهودي. يبدو وارداً بالفعل أن “جوهر” اليهودية الحقيقي الوحيد هو جدل ثابت، معقد، غير قابل للحل في نهاية المطاف، بين التسوية والمناهضة.

http://www.nybooks.com/blogs/gallery/2015/aug/28/books-jewish-beauty/


مرتبط

0 facebook Blogger 0 Facebook

 
alrumi © 2014. جميع الحقوق محفوظة. نقل بدون تصريح ممنوع اتصل بنا
Top