لماذا ترك أوباما الثورة الخضراء في إيران تفشل

12:04:00 م

 ترجمة- رلى العلواني عن موقع جيرون
تُعتبر الديمقراطية وحقوق الإنسان، إحدى الذرائع التي تستخدمها الولايات المتحدة الأميركية؛ لتنفيذ أجنداتها السياسية والأمنية حول العالم، إذ سرعان ما تضرب بها عرض الحائط عندما تستدعي مصالحها ذلك، وهذا ما حصل عقب مجزرة الغوطة في ضواحي مدينة دمشق في آب/ أغسطس 2013، حين استعمل النظام السوري السلاح الكيماوي، وقَتل أكثر من ألف وثلاثمائة مدني، جلهم من الأطفال والنساء، في تحدٍ واضح لخطوط أوباما الحمراء، وتحذيراته للنظام السوري من تبعات استعمال السلاح الكيماوي، ليتبين -في النهاية- أنها خطوط وهمية لا أخلاقية، يمكن تجاهلها، بل وحتى مقايضتها، كما حصل في الاتفاق النووي الإيراني أيضًا.

* * *

من الجدليات الكبرى التي واكبت الفترة الرئاسية لباراك أوباما، موقفه من الانتفاضة الإيرانية التي بدأت في 12 حزيران/ يونيو 2009، بعد إعلان محمود أحمدي نجاد فوزه في الانتخابات الرئاسية المُتنازع عليها، فهل فعل الرئيس أوباما ما يجب، لمساعدة المحتجّين، عندما بدا النظام الإيراني حينها في حالة ترنّح؟

بدا جليًا أن الرئيس أوباما كان بطيئًا في تفاعله، وقلل -علنًا- من احتمال أي تغيير حقيقي في إيران، وقال: إن المرشّحين الذين يُخاطر مئات آلاف الإيرانيين بحياتهم من أجل دعمهم، لا يمثّلون تغيرًا جوهريًا، إلا إنه عندما تكلم أخيرًا، لم يذكر صراحة أنه تمت سرقة الانتخابات الإيرانية، وقال: “إن العالم يُراقب ويستلهم من مشاركتهم، بغض النظر عن النتيجة النهائية للانتخابات”.

لم يقتصر موقف أوباما على التردد في إظهار أي تضامن مع المتظاهرين عام 2009، بل قال صراحة بأنه يخشى أن تُقوِّض المظاهرات التواصل السري مع إيران، وقد كشف غاي سولومون، مراسل صحيفة (وول ستريت جورنال)، في كتابه الجديد “حروب إيران”، تفاصيل جديدة حول تجنّب أوباما مساعدة حركة الاحتجاج الخضراء في إيران. فوراء الكواليس، رفض الرئيس الأميركي توصيات المستشارين الذين كانوا يريدون القيام بما تفعله أميركا -عادة- في تحولات مماثلة، من الديكتاتورية إلى الديمقراطية، بالإشارة للدعم الأميركي.

وكتب سولومون أن أوباما طلب من وكالة الاستخبارات المركزية بقطع الاتصالات مع أنصار الحركة الخضراء، “كان لدى وكالة الاستخبارات الأميركية خطط طوارئ؛ لدعم أي انتفاضة من أجل الديمقراطية في أي مكان من العالم، وهذا يشمل تأمين وسائل الاتصال، المال، وحتى السلاح في بعض الحالات القصوى”، وأضاف: “لكن في الحالة الإيرانية أمر البيت الأبيض بإلغاء كل ذلك”.

كما أشار سولومون، عن تلقي مساعدي أوباما رسائل مختلفة من أعضاء الجالية الإيرانية، طالبوا فيها الرئيس بدعم الانتفاضة، وقال منشقون إيرانيون من داخل البلاد: إن مثل هذا الدعم سيكون بمنزلة “قبلة الموت” للنظام الإيراني، لكن أوباما لم يفعل شيئًا، ومع ذلك، فقد وجّه له المرشد الأعلى الإيراني اللوم على إثارته التمرد.

هنا يبرز التناقض في استجابة أوباما، مقارنة مع ردة فعل الولايات المتحدة الأميركية على انتفاضات أخرى من أجل الديمقراطية، فعلى سبيل المثال، أدارت وزارة الخارجية الأميركية، ومن خلال السفارة الأميركية في يوغسلافيا، برنامجًا لتدريب نشطاء صرب على المقاومة السلمية عام 2000، ضد الدكتاتور سلوبودان ميلوسيفيتش، الذي اتهم -حينها- المعارضة بأنها لعبة في يد حكومة الولايات المتحدة، لكن في النهاية، أجبر الشعب الديكتاتور على ترك السلطة.

بالمثل، عندما قُوبِل الرئيس الجورجي إدوارد شيفارنادزه باحتجاجات شعبية عام 2003، بعد تزوير الانتخابات، أوفد جورج دبليو بوش، جيمس بيكر، لحثّه على التنحي سلميًا، وهذا ما حصل، حتى أن إدارة أوباما نفسها قدّمت الدعم الدبلوماسي والمعنوي للثورات الشعبية في مصر عام 2011، وفي أوكرانيا عام 2014.

ومع ذلك كان لإيران قصة مختلفة، كان لدى الرئيس أوباما هاجسًا منذ بداية رئاسته؛ لتحويل رجال الدين الذين يحكمون البلاد، من حالة العداء إلى أصدقاء، فعلى الرغم من أنه فرض عقوبات صارمة على الاقتصاد الإيراني في نهاية ولايته الأولى، وبداية ولايته الثانية، إلا أنه ومنذ بداية رئاسته أوضح أن الولايات المتحدة لا تسعى لتغيير النظام الإيراني.

بحسب تقرير سولومون، كان الأمر موضع خلاف، فيما إذا كانت الولايات المتحدة، وفي أي وقت مضى، دعمت مثل هذه السياسة، وقد كان لافتًا للنظر، المدى الذي ذهب إليه أوباما حيث أنهى برنامج الولايات المتحدة لتوثيق الانتهاكات الإيرانية لحقوق الإنسان، وكتب رسائل شخصية للمرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، مؤكدًا فيها أن الولايات المتحدة لا تسعى للإطاحة به، كما أكد مراراً على احترامه للنظام الإيراني، في تصريحات أدلى بها في مناسبة الاحتفال بعيد النوروز.

يبدو أن سعي أوباما، للتعامل مع ملالي إيران، قد أثّر أيضًا على قرارات أوباما المتعلقة بقضايا أخرى، ظهرت بوضوح عندما ابتعد عن خطه الأحمر الذي وضعه بعد استخدام السلاح الكيماوي عام 2013، وذلك بعد أن أبلغه مسؤولون أميركيون وإيرانيون بأن المفاوضات النووية سوف تتوقف، في حال تدخلت أمريكا ضد بشار الأسد.

حصل أوباما -في نهاية المطاف- على صفقة نووية مع إيران، وقد أماط سولومون اللثام في كتابه عن التفاصيل الدبلوماسية التي أدت إلى ذلك الاتفاق عام 2015، حيث عقد دبلوماسيون أميركيون مجموعتين من المفاوضات مع إيران، الأولى قناة عامة جمعت كل من البريطانيين والفرنسيين والألمان والروس والصينيين والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، والثانية قناة ثنائية، أُنشئت من خلال سلطنة عمان عام 2013، وتنقل مسؤولون أميركيون في حافلات عامة بين فندقين في جنيف؛ للسير في المفاوضات في المسارين كليهما، قبل أن تُفصح الولايات المتحدة لشركائها عن  قناتها السرية الثانية في التفاوض مع إيران.

في نهاية المطاف، أرهق الإيرانيون الوفد التفاوضي الأميركي، ففي بداية المحادثات عام 2013، كانت تُصرّ الولايات المتحدة على تفكيك إيران لكثير من بنيتها التحتية النووية، لكن في نهاية المحادثات عام 2015، وافق وزيرة الخارجية الأميركي جون كيري وفريقه على “السماح لإيران ببناء برنامج نووي للأغراض الصناعية، مع مئات آلاف الأجهزة، بعد عشر سنوات من التحفظ”.

تمّ مرة أخرى تجاوز خطوط أميركية حمراء، فالاتفاق النهائي يسمح بالتدريج بإنهاء الحظر الذي تفرضه الأمم المتحدة على تطوير الصواريخ الإيرانية بعد ثماني سنوات، والتخلص من حظر تصدير الأسلحة لإيران بعد خمس سنوات، ولم يكن متوجبًا على إيران أن تُقرّ بمحاولتها تطوير سلاح نووي، على الرغم من أن العينات التي جُمعت من منشأة بارشين، وُجدت فيها أدلة على نشاط لتخصيب اليورانيوم.

في جزئية أخرى، كشف سولومون طريقة تفكير الوزير كيري، الذي شارك -في الأشهر الأخيرة- في مرحلة المفاوضات التفصيلية حول صفقة النووي “كثير من الحروب انطلقت على خلفية سوء الفهم، والتفسيرات الخطأ، ونقص الدبلوماسية الفعالة”، هذا ما أجبره كيري لسولومون في مقابلة عام 2016 تحت عنوان “الحرب هي فشل الدبلوماسية”.

نجحت أخيرًا دبلوماسية كيري، ولكن -على الرغم من ذلك- اندلعت الحرب في الشرق الأوسط، وكتب سولومون في الفصل الختامي من كتابه “مازال الحرس الثوري الإيراني يواصل تطوير أنظمة أسلحة حديثة على نحو متزايد، بما في ذلك الصواريخ البالستية، ما يُشكّل تهديدًا لإسرائيل، رغم أنفهم”، وأضاف “في الوقت نفسه، ضبط خامنئي والقادة الثوريين الآخرين حربهم الكلامية ضد الولايات المتحدة، على ما يبدو أنهم مازالوا بحاجة إلى التهديد الأميركي لتبرير وجودهم”.

كانت هناك فرصة للحصول على نتائج أفضل، ولم تكن هناك ضمانة أن يساهم تدخّل أوباما -حينها- بإسقاط خامنئي عام 2009، عندما غصت الشوارع بأعداد غفيرة من أفراد الشعب الإيراني، احتجاجًا على نتائج الانتخابات، لم يقل حينها الرئيس الأميركي أن الانتخابات سُرقت، لكن الأمر كان يستحق المحاولة. لنتخيل لو أن الانتفاضة نجحت، عندها ربما كانت الصفقة النووية وسيلة لاستحضار سلام حقيقي، وبدلاً من ذلك، أمضى أوباما فترته الرئاسية بسوء فهم لماهية ديكتاتور إيران، وضمان أمن المرشد الأعلى، الذي أحجم الأميركيون عن مساعدة شعبه، عندما حاول تغيير نظام مازال يضطهدهم حتى الآن.

شارك الموضوع :

إقرأ أيضًا